بين طرفي نقيض أسير , نقطة بين جملتين متعاكستين أكون .أحياناً , من فرط الشفافية يكاد الضوء يعبرني , أو أكاد أنا أن أعبره , ومرات من قسوة الإعتام , أتحول لثقب أسود , أمتص كل من يقترب مني , لا أبقي ولا أذر .أحياناً , أكون كملاك , محض نور , وقبل أن أستشعر نفسي , وأهنأ بما أصبحت عليه , يتبدل الحال فألتهم نفسي بنفسي كل مرة . حين يشتد نوري , ينقلب ناراً .و على ثلاث نقلات , أكون مع السماء ,أكاد أكون نبياً في الأولى , ينقصني الوحي حتى أكتمل , وأخرى أتحول فيها شيطاناً , يمنعني وجود إبليس فعلاً , أن أكونه .
والأخيرة , لا هذا ولا ذاك .. بلا معنى أكون , وبلا معنى أفعل .في نهاية شجارنا الأخير , صرخت ..بجنون فعلت .. بجنون أدميتها , بجنون تحولت لإبليس , الذي إختفي رعباً حين رآني ..في نهاية شجارنا الأخير , لم أضربها , لم ألمس جزءاً منها حتى , لم أفعل لأني متمسك بناري التي صرت عليها ,النار لا تضرب , النار , فقط , تحرق . النار , فقط , تقتل .بعد أن أتممت إلتهامها , مخلفاً ورائي رائحة لحم آدمي , في تمام نضجه , نظرت لي والمياة تطفر من عينيها , نظرت لها مبادلاً نظرتها, بسخرية , نظرتُ بمقت , نظرتُ بإحتقار .. توقفت عينيّ ,أصل ناري , على دموعها , هل تتوقع أن تطفئني بهذه البساطة ._ " أين أنت ذاهب الآن ؟ "قالت ,وأنا أقف على حافة باب بيتنا , جهنم الأرض .لم أعرها إلتفاتاً , هي الآن تتلاشى من أمامي بلا حدود .أغلقت الباب خلفي في منتهى الهدوء .ظللت واقفاً , أنظر للباب الذي يفصلنا الآن .. متأملاً تلك الرسوم القبيحة لميكي الملصق , وقلت فجأة مجيباً :_ " النار " .
الجمعة، 21 مارس 2008
عنوان
الأربعاء، 19 مارس 2008
حكاية
في البدء كانت فاطمةوبعدها , تكونت عناصر الأشياء .النار , والتراب .والمياة , والهواء .وكانت اللغات , والأسماء ..والصيف , والربيعوالصباح , والمساء ..وبعد عيني فاطمةاكتشف العالم سر الوردة السوداءوبعدها .. بألف قرن ٍجاءت النساء
(فاطمة _ نزار قباني )
الاثنين، 17 مارس 2008
.. خلاص
وهي كانت مرتبكة مثلي , أكثر مني ربما ..كنت أنا من على وشك البكاء , دموعي بدأت تحتشد في مقلتيّ , وبشكل يوحي أن الإنفجار سيكون بشكل أسرع مما تتخيل .هي بدت وكأنها تنتظر إعصاراً لا تعرف من أين سيأتي .. تنظر لليمين , ثم لليسار ثم تميل نحوي , تقول فجأة :_ " طيب إشرب مية " .. ثم تحمل الكوب وتمده لي وكأني لا أستطيع أن أفعل :_ " طيب إشرب بس "أهز رأسي محاولاً بحق أن أتماسك , محاولاً أن أجنبها وأجنب نفسي ذلك الإحراج الغريب الذي سنشعر به لابد .. وهي لا تزال على حالها , تستمر في حالة الفزع التي تسيطر عليها , ثم تسكن فجأة وهي تقول :_ " ما تعيطش بس والنبي "عند هذه الجملة بالذات , قضي الأمر , وبدأت في البكاء .. ثم تصاعد البكاء إلى نحيب لا لبس فيه , أحاول أن أوقف نفسي فلا تؤدي محاولاتي إلا للمزيد والمزيد .. أغطي وجهي , وأستشعر ملمس الدمع اللزج , فيؤلمني هذا , فأستمر بشكل أقوى .ثم شعرت بيدها على كتفي , كانت متوقفة عند منكبي وكأنها لا تعرف ماذا تفعل . ثم بدأت تحركها على كتفي .تربت بعصبية وهي تشهق :_ " طيب خلاص .. عيط خلاص .. عيط .. خلاص بقا " .
الجمعة، 14 مارس 2008
.. حقيقة الأمر
بطريقة ما , تم إقناعي بأنه من الجميل أن أخصص نغمة معينة لكل شخص يتصل بي , بكثرة أو باعتدال , ولكنه يعني لي شيئاً .في النهاية قمت بهذا فعلاً بعد أن تكرر الطلب من أكثر من واحد , وبشكل جعلني أدرك أنني أنا الغريب , وأن هذا هو فعلاً الطبيعي .لفترة لا بأس بها , كان هاتفي يصدر كل الأصوات الممكنة , والمختلفة , بشكل يتناسب مع شخصيات المتصلين ,فيروز , تتحدث عن " الطير الطاير على أطراف الدني " كلما حادثتني أمي , بوب مارلي و هو ينصحني أن : " no woman no cry " كلما أتصل أحد أصدقائي , الجيتار في أحيان , والعود في أحيان أخرى .
(عمري معاك) كلما أتصل صديقي الذين يهيم بهذه الأغنية , لأن خطيبته تهيم بهذه الأغنية ,
صديقي المقرب بطبيعة الحال كان المعادل له هو تتر مسلسل "friends " ,
حتى أبي الذي لم يبد اهتماما بهذا الأمر , كان كلما أتصل تعالى صوت الـ" bloom " الذي يضعه هو نفسه كنغمة لهاتفه , وإن كانت لا تروقني كثيراًلم يتغير الوضع إلا بالأمس فقط . أعدت كل شيء كما كان في الأصل .
حدث هذا بمجرد أن سمعت صوت نغمتي أنا , نغمة الهاتف الأصلية . بدا لي مفاجئاً أنني لم أسمع موسيقى (البنت الشلبية) لمارسيل خليفة منذ فترة لا بأس بها , وحين نظرت للرقم الذي يطلبني , وجدت أنه رقم بلا إسم .. أي لا أعرفه .قمت بإعادة كل شيء كما كان , بمجرد أن أجبت , وأنا مندهش من الذي يتصل , وسعيد لأنه يفعل , وسمعت صوت امرأة يصرخ بعصبية شديدة :
_ " أين أنت يا حيوان , الدرس انتهى منذ ثلاث ساعات , امتحاناتك بعد شهر ونصف يا عديم الدم والإحساس ! "بمجرد أن أغلقت هي الخط معتذرة , قمت بإزالة كل النغمات الخاصة عندي .ولكن ما ضايقني بالفعل , أن أول اتصال بعد التغيير كان منها , مرة أخرى , بعد إغلاقها الخط بدقائق , وهي تعاود الصراخ :
_ " أين أنت يا حيوان كل هذا الوقت ؟! "
الخميس، 6 مارس 2008
تعرفين
تعرفين هذه الأيام بالطبع .
حين يتلخص اليوم كله في إنتظار أشخاص آخرين .. تعرفين طبعي الغريب في رفض الإنتظار .. ألعن لحظات عمري التي يمكن أن أقضيها , ربما كان التعبير الأفضل : أن أهدرها .
هذا كان يومي .. من الممكن أن تضيفي على سوءه , أنني أنتظر مسافرين , وتعرفين وسواسي القهري الذي يتعلق بالسفر ..
تحدثنا طويلاً عن هذا .. أذكر .
محطة القطار هذه المرة , آخر مرة رأيتك كانت هناك .. ها أنا أجلس منتظراً خارج المحطة تلك , في الحديقة تحديداً ..
أتصلت بهم منذ قليل , وقالوا انهم في الطريق .. لا أعرف كم سيستغرق الأمر لكني أقدر أنهم لن يتأخروا .
المشكلة أنهم فعلوا .
أتصلت مرة أخرى بهم , لا بد أنك تفكرين الآن أنني حقاً في حال مأساوي .. لكنك تعرفين , هذا ما يهون الأمر قليلاً .. أنت تعرفين أنني على قدر ما أكره أن يتصل بي شخص وأنا في طريق السفر , ليسألني أين أنا الآن , على قدر هذا .. على قدر ما أفعل هذا الأمر بغزارة ..
هل أفعل هذا بغزارة حقاً ؟!
حسناً , كانت هذه هي المرة الثالثة حين أجاب أحدهم أنهم قادمون , قيلت لي جملة : " إهدا شوية " .. فشعرت أنني سخيف فعلاً , ولحوح كذلك , تعرفين أنني أكون لحوحاً , وسخيفاً في أحايين كثيرة .. لماذا لا أهدأ ؟ .
أعود لأجلس على مكاني في الحديقة التي تواجه المحطة .. كان الإتفاق على مكان معين , أراه الآن بعيني , وأنتظر أي ملمح أعرفه ,
كان قد مضى وقت طويل منذ جلست لأنتظر أول مرة .. بدأت الشمس في ممارسة هوايتها , وتعكير حياتي .. لهذا تحركت ..
تركت مكاني , وتوجهت مباشرة لبائع الصحف على الرصيف البعيد قليلاً .. أعرف هذا المكان رغم أنني نادراً ما أشتري منه شيئاً ..
عدت لمكاني , حاملاً صحيفة واحدة , وقلقاً أحاول أن أكبحه .. تعرفين هذه الأمور .
هل أبالغ فعلاً ؟
بعد أن أنتهيت من القراءة , بدأت أشعر أن رأسي تحترق .. نحن في الشتاء كما أتذكر , لكن الشمس لها رأي آخر .
حين وضعت الجريدة فوق رأسي , وأنا أفكر في مدى سخف هذه الحركة , قال لي الجالس بجواري :
_ " ممكن الجرنان "
تعرفين أنني أكره من يطلبون مني شيئاً يخصني , تعرفين أنني طفل في هذه المواضيع , أحب أن أعطي الناس أشياء تخصني , لكني أكره أن يطلبوها هم .
ولكن المشكلة , كما تعرفين , أنني لا أستطيع أن أقول له : لا , وأنا مطمئن الضمير , يحتاج هذا لقوة أكبر مني .
ناولته الجريدة , وأنا أفكر في حديثنا الطويل , الذي لم ننهه كالعادة , دوماً يتبقى هنالك أشياء أنسى أن أخبرك بها .. دوماً أفكر بعدما أتركك بدقائق أنني نسيت أن أحكي لك عن كذا , وكذا , وأنني نسيت أن أضحكك بالطريقة الفلانية التي أجيدها , وأنني كغبي لم أسألك عن كذا وكذا .. وتستمر الدوامة حتى ألقاك مرة أخرى , فنبدأ التحدث عن كذا وكذا , وأنسى ما يفترض أن أقوله أصلاً .
قطع شرودي وهو يقول لي :
_ " يا ولاد الكلب "
الأعجب أنه قال هذا بهدوء شديد , لم أستطع أن أجبر نفسي على سؤاله .. بدلاً من ذلك قلت :
_ " ثواني وراجع "
قمت من مكاني عابراً الشارع متجهاً نحو محل صغير ..
_ " موبايل لو سمحت " .
حسناً .. هذه المرة قالوا انهم إقتربوا جداً ..
أنا أفقد أعصابي بسهولة هذه الأيام .. في الواقع , هذه الأيام أنا أفعل كل ما تطلبين مني ألا أفعله .. ربما أعاقبك بهذا , لا أعرف , حتى حين أقول لا أعرف , أعرف أنك تكرهين هذه الجملة , رغم أنك لا تعرفين أشياء كثيرة , ربما أكثر مني , لا أعرف لا أعرف لا أعرف لا أعرف .. وأبتسم , وأنا أقطع الشارع متجهاً مرة أخرى لمقعدي .
لا تقلقي , لم أفقد أعصابي عليهم , لا ذنب لهم طبعاً , فقط أحببت أن أقول لك أنني أفقد أعصابي .
لا أعرف ما الذي يحدث لنا .. هناك شيء يحدث طبعاً , لكني لا أراه . لا أستطيع , أقسم على ذلك .
حين عدت له كان لا زال يقرأ .. جلست وقبل أن أتكلم تصاعد صوت هاتفي المحمول , حسناً , هم لن يأتوا .. أكتشفوا أن المكان الذي يقصدونه للعزاء , ليس هنا . لا مشكلة .
سألني وهو لا يزال يضع وجهه في جريدتي :
_ " مش هييجوا ؟ "
_ " لا "
دار بيننا حوار طويل لا داعي لأن تعرفيه عنه وعن مديره وعن حياته , وعن زوجته , وعن الجريدة وعني أنا شخصياً , وعن العمل , ثم عنه , وعنكِ , المشكلة أن الرجل لسانه طويل فعلاً .. وهو يستخدم الألفاظ بحرفيه حقيقية . لا تقلقي , لم يذكرك إلا بكل إحترام .. أحبك كثيراً بالمناسبة , ودعا لنا .. لا أعرف فعلاً مصير دعوته , لكنه دعا على أي حال .
المهم انه قال لي في النهاية تعليقاً عليهم :
_ " حلو لما تعرف ناس "
ثم أشار للمطعم الذي خلفنا وقال لي مباشرة دون أي مناسبة :
_ " حلو المطعم ؟ "
أجبته أنه جيد .. توقعت أن ينهض , لكنه قال لي :
_ " جميل "
أستأذنته في الجريدة , أمسكتها وسلمت عليه قائلاً إنها فرصة سعيدة ..
لم أستطع العودة للمنزل بهذه البساطة .. قررت أن أمر على بائع الصحف مرة أخرى , تعرفين أنني أعرف أنك تكرهين هوسي هذا بالكتب .. أعرف فعلاً .. وإن كنت تحبينه أيضاً .. حين أركب السيارة مثلاً ونمر على بائع صحف , فأرمي بصري ليمسح كل كتاب , منشغلاً عنك , وحين أعود لك مرة أخرى , أجدك تبتسمين ..
متى حدث كل هذا ؟ .. ماذا حدث فعلاً لنا ؟
تعرفين أنني أكره تلك الأسئلة الغبية , محاولة فهم أي شيء هو نوع من الغباء .. لكنني أقولها الآن بتتالٍ غريب .
المهم أنني شعرت بالذعر فجأة . كان هذا حين وجدت كتاباً يهمني .. المشكلة الآن أنه يقبع تحت تلال من الكتب , ربما جبال ! ..
لم أستطع منع نفسي من المغامرة .. مددت يدي اليسرى محاولاً الوصول للكتاب , ويدي اليمنى محاولاً أن أمنع الكتب من التساقط .
هناك الآن تلك اللحظة , أفلتت يدي اليمنى الكتب , توقعت سقوطها فوق رأسي , لكن هذا لم يحدث , مع صوت يقول :
_ " شيل الكتاب "
نزعت الكتاب فعلاً , ونظرت لوجه منقذي , كان هو ! ..رجل الجريدة , والشتائم , تعرفين الذعر .. الصورة الخام هي ما شعرت به في تلك اللحظة ..
تراجعت للخلف بسرعة فأصطدمت بتل آخر من الكتب خلفي , سقط بأكمله , مع صوت جعل صاحب الكتب يقترب مني منزعجاً .. دون كلمة , أو نظرة دفعت له ثمن ما أحمل , وركضت بالمعنى الحرفي .
طبعاً تقولين أنني طفل .. لست كذلك .. لكن هذا الرجل غريب , تعرفين هذه الأمور , غريب ..
بعد أن إبتعدت بمسافة كافية , نظرت للخلف , وجدته يعبر الشارع .. وكدليل على كلامي .. لم أره يتجة للمطعم .. أقسم أنه لم يفعل ؟
قلت لك أنه غريب .. تعرفين هذه الأمور , غريب .
الخميس، 28 فبراير 2008
تــيــه
مضى وقت طويل حقاً ونحن نحاول التوصل لحل ما , ناقشت انا وهي الموضوع من كافة جوانبة , طرحنا كافة الإحتمالات التي يمكن ان تحدث , وتلك التي تقبع في قائمة المستحيل ..الأمر لم يخل طبعاً من بعض الأعصاب المنفلتة , في لحظة ما وصفتني بالغبي , والمتردد , والمتخاذل . وأنا لم أشعر إلا وأنا أقاطعها قائلاً أنها التي لا تفهم , وأنها لو كانت مكاني كان كلامها سيختلف عن التخلف العقلي الذي تقوله الآن . وصمتنا معاً .لا أنكر أن الأمر كان جميلاً أن أراها تهتم بما أعاني , وأن أراها تنفعل و وتخرج عن طورها الهاديء . كان الوضع مشتركاً , والمأزق واحداً , والقرار ستكون آثاره علينا معاً , لكنها كانت تحاول أن تفهمني حقاً , تحاول بشكل يختلف تماماً عن مجرد فهم الكلام .. كان هذا جميلاً , لكني لحظتها , كنت على وشك الصراخ , من أي شيء , مهما كانت درجة تفاهتهبعد صمت طال , سألتني بصوت مرتفع بعض الشيء وهي تفرد راحتيها تجاهي , وتهزهما وكأنها تمسكني أنا من قميصي :_ " إنت عايز إيه ؟ "خفضت رأسي عن مستوى نظرها , لبعض دقائق , نظرت للأرض دون تغيير في ملامحي أو في وضع جسدي .. ثم نظرت لها , فوجدتها تضع ذقنها على قبضة يدها , وتنظر للأرض على يمينها , ثم تنبهت لي فنظرت لي , بدت مترقبة لإجابة لا أملكها , حاولت البحث عن شيء أقوله , فتحت فمي , وأغلقته عدة مرات , وأنا أحرك يدي في شرح غريب لشيء لا أقوله , ولا أعرف ما هو أصلاً .قلت أخيراً :_ " معرفش "رأيتها تبتسم بنكهة من خيبة أمل .. ولكنها رغم ذلك لا تقول شيئاً . هي تحاول ألا تقول شيئاً يزيد من معاناتي التي تعرف أنني أتخبط فيها , كطفل وحيد .حتى حين قلت لها مؤكداً : _ " والله ما اعرف " , هزت رأسها , وهي تغلق عينيها .
الخميس، 21 فبراير 2008
سرياليزم
وأنا كنت جالساً في هدوء , أمامي صديقي يثرثر , وأنا أفكر في كمية الكاتشب التي يجب وضعها على سندوتش البطاطس لكي يكون جيداً .. "الجوع كافر .. الجوع كافر .. الجوع كافر .. الجوع كافر " .. وذهني عاجز عن التوقف .وأنا كنت جالساً في هدوء , بجواري مجلة ميكي التي إشتريتها منذ لحظات , وحقيبتي على الكرسي المجاور , منتظراً أن يتم النداء علي الطعام الذي طلبت .وأنا كنت جالساً في هدوء , ذلك الهدوء الذي انقلب إلى سرعة في الحركة وعبقرية في الأداء وأنا أضع الطعام أمامي , و أبدأ في إفناء وجوده المادي .وأنا كنت آكل في هدوء , وصديقي لازال يثرثر , و الرجل الذي يجلس على الناحية المقابلة يميل عليه فجأة ويقول :_ " هو النهاردة كام في الشهر يا رجالة ؟ "بطبيعة الحال لم أنطق أنا بكلمة , و بدأت في التفكير في روعة الكاتشب مهما كانت كميته .صديقي نظر في ساعته ثم قال :_ " النهاردة عشرين "الرجل هز رأسه وقال :_ " آآآآآآآآة .. همممممممم"صديقي نظر لي, وأنا نظرت له بطرف عيني , وانا أستمر في البلع .. وقبل أن يفتح فمه بكلمه وجد الرجل يميل عليه مرة أخرى ليقول :_ " هو من يوم تسعة لعشرين كام يوم ؟ "صديقي نظر لي , وقال للرجل وهو يصب بعض الماء في الكوب الزجاجي الذي أمامه , وأنا توقفت عن المضغ , ونظرت للرجل , ثم هززت كتفي و أنا أعود لنقاشي العلمي المهم مع التشيز برجر..صديقي قال في هدوء :_ " حداشر يوم "الرجل عقد حاجبيه .. ونظر لي ثم قال :_ " حداشر يوم .. آآآآآآآآة .. همممممممم .. "ثم نظر لصديقي وأكد وجهه نظره :_ " همممممممم"صديقي نظر لي , وأنا كنت أشير له بحركات محمومة أن يأتيني بالماء لأنني سأختنق من الضحك !
الأحد، 17 فبراير 2008
إختيار
قد يبدو لك هذا الرأي غريباً ,لكن صدقني , إحدى أهم نِعم الحياة , هي أن تمارس ( نط الحبل ) , ثم تقرر التوقف فجأة , لا لشيء إلا لأنك مللت القفز المتكرر كاللقلق , أو حتى لأن جسدك هده التعب من المجهود المستمر بلا إنقطاع .صدقني , هذه متعة لا تُضاهى , أن يكون سبب توقفك , مكللاً بالعرق , شاعراً بروعة إرهاق جسدك بشكل قاسٍ , محطماً رقمك السابق , أو حتى مقترباً منه .. أن يكون السبب , هو أنك فقط , تريد هذا ..أن يكون التوقف لأي شيء عدا أن قدمك اشتبكت بالحبل الذي تديره يداك حولك بسرعة , فسقطت أرضاً كجوال بطاطس ممتليء !
الجمعة، 15 فبراير 2008
: مفكرتي العزيزة
لم أتخيل يوماً في حياتي , أنني سأبدأ كتابة لي بهذه الجملة .. " مفكرتي العزيزة " ..على الرغم من أنني أكتب أحياناً مذكراتي , وأستمتع فعلاً بهذا في بعض الأحيان إلا أنني دوماً كنت أتعامل على أساس أني أكتب , لا أحكي لمفكرة ما , أو حتى لشخص تخيلي أمامي .مفكرتي العزيزة :مباشرة يستدعي ذهني تصورات ( بناتيه ) جداً لو صح التعبير .. (بطوطة) تحديداً بعد أن تحولت من (زيزي) , مغامرات تبدأ دوماً بهذه الجملة " مفكرتي العزيزة ".. ربما تعترف خلالها أنها تحب بطوط , أو تميل له أكثر من محظوظ على الأقل .. كنت أمقت محظوظ بشكل شنيع , وللغرابة لم يكن هذا لأسباب تتعلق بأني من معجبي بطوط المخلصين , بل لأنني أراه لا يستحق ( زيزي ) التي تحولت إلى ( بطوطة ) فجأة .. كنت أحب بطوطة فعلاً , ربما تحمل لي شخصيتها القوية , الأنثوية في نفس الوقت ما أحترمه للغاية في أي إمرأة . قوة الشخصية , شرط ألا يفقدها هذا ما تتميز به عن الذكور . ألا يحولها هذا لمجرد ذكر آخر لكنه يحمل الصيغة الكروموزومية X Xربما تستدعي جملة ( مفكرتي العزيزة ) مباشرة في ذهني , ( ماجدة ) أو حتى ( فاتن حمامة ) بقدر من الصعوبة , ماجدة تجلس بقميص نومها على السرير وتدون في مفكرتها العزيزة كلاماً عن عماد حمدي , في الأوقات التي لا تكون فيها مشغولة بالتحدث معه في الهاتف , أو حتى الجلوس معه على كازينو الوردة , مرتدية فستاناً هفهافاً , لونه أبيض طبعاً .حسناً .. سأحاول الآن أن أتناسى كل هذا , وأبدأ رغم كل هذا بجملة مفكرتي العزيزة .. ربما لأنها الأنسب ..مفكرتي العزيزة :تعرفين أنني لست من هواة( الفالنتين داي ) بكل أنوعه وبكل تفريعاته .لا أعرف لكنني حقاً أشعر بالسخف أن يعبر المرء عن مشاعر في قمة الشخصية بهذا الشكل الفج , هل أقول الوقح ؟!تعرفين أنني أكرهه كما أكره كل شيء يحاول أن يضع المشاعر , أي نوع منها , في قالب ما .. هذا اليوم , يجب أن تحب , هذا اليوم يجب أن تشتري لحبيتك دبدوباً ما , وردة , أي هدية , هذا اليوم لابد أن ترتدي أي شيء يحمل رائحة اللون الأحمر أو حتى درجة من درجاته , هذا اليوم يجب أن تتم قولبتك في قالب سخيف كبير أسمه عيد الحب ..لا أعرف كيف يفترض بك يا مفكرتي العزيزة أن تعرفي عني كل هذا , لكن الأمر لا يحتاج منك إلا أن تعرفيني لمدة عشر دقائق .. هذه أشياء من المسلمات بالنسبة لي ..ولكن , هناك أمر غريب أجدني أفعله أحياناً ,أن أكتب ما فعلته في الأيام التي تحمل معنى , أي معنى , سواء كنت أحب هذا المعنى أم لا , المهم انه معنى ما .. كعادتي دوماً , غير منطقي , وأحاول أن أترجم غير منطقيتي دوماً , بل وأجد لها أسباباً تقنعني .يومي اليوم كان بلا معنى . يختلف هذا عن الأيام الفائتة التي كانت بلا معنى , في حدث بلا معنى , أما اليوم , فهو الفالنتين , وهو يمر علي , ياللعجب , بلا معنى كالأيام التي تسبقه , تقولين لي ألا أبالغ , وأقتنع برأيك في الحال .. بالطبع أنا أبالغ , حسناً .. بعضها مر بلا معنى ..أستيقظ من نومي , وأقضي يوماً ما , وأعود للنوم مرة أخرى ..والفالنتين لم يختلف على أي حال ,حسناً ربما أبالغ مرة أخرى ,اليوم ضحكت بهستيرية أكثر من مرة , هناك أنواع من الضحك طبعاً , أقلها ضحك المجاملات الأبلة الذي لا أجيد إصطناعه على الإطلاق , وآعلاها الهرتلة .. أحب نفسي كثيراً عندما أصل لنيرفانا الضحك هذه .. عندها تتحول جملة مثل ( انا نسيت القلم ) إلى جملة قادرة على قلب الإنسان على ظهره مقهقهاً ..اليوم لعبت ( بدون كلام ) مع أصدقائي , اليوم لعبنا ( سبت حد ) و الأجمل اننا كنا نلعب ببلاهة تليق بأطفال في السابعة ..اليوم ركضت في أنحاء المبنى , الخالي طبعاً إلا منهم , فارداً ذراعي , صائحاً بصوت عالٍ جعله الصدى الآتي من المبنى الفارغ مخيفاً , " بووووووووتريكة الساحر , يا ترى مين وراهم ؟ "اليوم ضحكت وضحكت وضحكت .. اليوم دمعت عيناي في النهاية وانا أحكي لهم نكتة ما , قطعت النكتة قبل النهاية لأنخرط في ضحك غريب , ضحك جعلهم يضحكون بشدة , ثم يتوقفون وهم ينظرون لي وأنا أستكمل الضحك عاجزاً عن التوقف ..لم تكن نكتة : " مرة واحد جاله هبوط الدكتور كتب له باراشوت " تستحق كل هذا طبعاً , لكنني كدت أموت ضحكاً من روعتها اليوم .لم يكن اليوم سيئاً .. بالطبع لم يكن كذلك ..اليوم شربت عصير قصب حلو بجد .. منذ زمن وانا أشرب عصير مخلل بدلاً من القصب , لاأعرف هل أصبح من الصعب صنع كوب عصير قصب جيد واحد يتيم من أجلي ؟! ما هي مشكلة البشر تحديداً ؟!لكني اليوم شربت عصير قصب حلو بجد .. بعد أن أنتهيت قال لي صديقي : " البتاع دا حلو على فكرة " إبتسمت وأنا أهز رأسي ..من الجميل فعلاً أن تشرب عصير قصب حلو ..ولكنني لازلت أشعر بالغضب من نظام القولبة الشهير .. أشعر بالغضب فعلاً .. كنت أتحدث مع أحد زملائي اليوم وبرر رأيي بأنني " غاوي نكد " من نوع فريد , ثم قال في لهجة العارف ببواطن الأمور , أنني حين " أقع في الفخ " سأكون أول من يحتفل بهذا العيد .. وهو ما وجدته تبريراً سخيفاً جداً .. قلت له في هدوء أنني سواء كنت " واقعاً في الفخ " أو " سأقع في الفخ " فأنني أجد فكرة أن أخبر الدنيا كلها بشعور في منتهى الخصوصية , ولا يخص إلا واحدة فقط على وجة الدقة .. فكرة بلهاء فعلاً تشابة فعلاً شعور الطفل بـ " بابا جاب لي عجلة ! " التي يقولها وهو يخرج لسانه , دعك من أن التشبية بالفخ , تقليدي جداً .مفكرتي العزيزة :هل أنا أبلة أم أنني فعلاً " غاوي نكد " أم متحذلق , أم ماذا بالظبط ؟!مفكرتي العزيزة :اليوم لعبت أول دور إستميشن في حياتي التي تخطت التسعة عشر ربيعاً , يبدو الأمر _ بيني وبينك _ مخجلاً لأن أصدقائي حين عرفوا أنني ما زلت حتى الآن لم ألعب ولا (بولة إستميشن ) هكذا يسمونها , شعروا أن عليهم واجباً من نوع خاص يكاد يكون مقدساً , إشتروا كوتشينة وجلسوا بصبر ليفهموني مصطلحات مثل ( لمّة ) و( القاطوع ), وضحكوا كثيراً حين أخبرتهم أنني لا أعرف أسماء الأشكال الإنجليزية , بل أعرفها كـ ( الكاروهات , والقلب , الشجرة , القلب الأسود ) .. كان أمراً في غاية الإحراج حقاً ..المهم أنني قبل بداية اللمة قلت أنني سألم ثلاث لمّات .. طبعاً لو جاء الرقم أقل من هذا أو أكثر فأنا خاسر تقريباً ..لم يأت لي إلا لمة واحدة فقط لا غير .. الأجمل أنهم إحتفلوا بالأمر بإعتبارها أول خطوة في طريق الإنحراف..ولكني توقفت عند الرقم واحد .. تفتكري دي علامة على حاجة ؟!مفكرتي العزيزة :بيقولك مرة 3 صقور إتراهنوا مين هيصطاد أكتر , واحد راح ورجع ومنقاره عليه شوية دم , قال لزمايله : شايفين الصخرة اللي هناك دي , قالوا له آة , قالهم أنا أصطدت هناك أرنب .. التاني كان على منقاره دم أكتر , قالهم شايفين الصخرة اللي بعيدة أوي دي .. قالوله آة .. قالهم أنا أصطدت هناك غزال بقا .. التالت راح ورجع وكله متغرق دم .. قالهم شايفين العمود اللي هناك دا .. قالوله آة .. قالهم أنا بقا مشفتهوش
السبت، 26 يناير 2008
ويتكرر الأمر , فأكاد أفقد أعصابي حقاً هذه المرة ..
لم أكن أذكر رقم هذه المحاولة , لكنني , وأنا أكاد أنفجر من الغيظ , كنت على يقين أنه رقم لا بأس به ..
أتخذ قرار العبور , أتحرك بضع خطوات على أرض الشارع , بعدما نزلت من الرصيف , أندفع للأمام محاولاً اختراق سيل العربات , ثم أعود مسرعاً إلى مكاني الأول , بعدما يخترق أذني صوت تنبيه مجنون , أو علامات ضوئية يرسلها سائق السيارة , وهو يقترب مني بسرعة مخيفة , تصفح عيني .. وكأنها تشعرني بحماقتي ..
كنت أنظر لأرض الشارع , تحديداً لتلك المستطيلات البيضاء التي تبدأ من عندي وتنتهي عند الناحية الأخرى , ومن ثم أنظر لأولئك الذين يقفون ذات وقفتي .. ويحاولون ذات المحاولات الخرقاء لعبور الشارع , نحوي .
يصبح الوضع مزرياً حين يتحول روتين ما , كعبور الطريق , إلى حالة تستحق وضع الخطط , وترقب اللحظة المناسبة .
( عبور مشاة ) .. كنت أتأمل هذه اللافتة .. بعدما اتخذت قراري بالانتظار قليلا حتى يقل السيل .. كنت أتأمل اللافتة , وأعيد النظر للمستطيلات البيضاء , وأقف في هدوء .
بعض المتحمسين كانوا يتحركون من جواري ويسيرون على الرصيف , وكأنهم يتوقعون أنهم بهذا سيسبقون العربات , ومن ثم يعبرون في سلام , ولكنهم كانوا يفشلون في كل مرة . ربما كعقاب لهم على غبائهم !
آخرون قرروا أن لا جدوى .. وعادوا من حيث أتوا دون محاولات أخرى
أما أنا فكنت واقفاً لا زلت , أنتظر .. وأنظر للعربات التي تنقطع .
كنت أتوقع أن الزحام سيخلق نوعاً من التكدس المروري , ومن ثم تقل سرعة أي سيارة تمر .. لكن السيارات وجدت حلاً لهذه المشكلة على ما يظهر ..
كانت كلها تتحرك بسرعة تكاد تكون واحدة .. لهذا لم تتأخر منهن واحدة وتؤخر ما بعدها , فنعبر نحن .
كل السيارات توصلت لاتفاق ضمني يسمح لها بالحركة كما تشاء وبالسرعة التي تريد .
أما نحن .. فكنا فقط نقف .
هذا ما كنت أفعل حين جاء هو .. لم ألمحه في البداية .. فقط سمعت صوته وهو يتمتم بعبارات لم أميزها على الإطلاق .. وحين نظرت لمصدر الصوت , وجدته أمامي ..
" منغولي " .. ما أصعب أن يُختزل إنسان في كلمة ..
كان يرتدي قميصاً واسعاً للغاية , يغطي ذراعيه وتتدلى أكمامه منهما .. لم أميز عمره .. لكنه لم يكن صغيراً بحال من الأحوال .. حاولت أن أتذكر متوسط عمر هذا النوع من الحالات لكنني وأنا أعيد النظر له , وهو يحاول أن يجمع بضع كلمات في جملة واحدة .. تساءلت عن كنه مرضه تحديداً .. كل ما كنت متأكداً منه أن حالته العقلية , من النظرة الأولى , تقل كثيراً عن المعتاد .. لدرجة التخلف بطبيعة الحال ..
أمسك فجأة بذراعي الأيسر .. ومد ذراعه اليمنى إلى أقصى امتداد لها إلى الأمام .. وضح من ذلك طول أكمام القميص عن ذراعيه .. وهو ما جعلني أبتسم , بعدما أجفلت للحظات .
" شارع " قالها ففهمت .. قربت أطراف أصابعي من بعضها البعض وحركتها للأعلى والأسفل وأنا أقول له أن يصبر قليلاً ريثما يخف الزحام .
لم يبد عليه أنه سمع كلمة مما قلت .. فقط نظر للأرض .. وظهرت على وجهة ملامح معاناة , عاقداً حاجبيه , زاما ً شفتيه , وهو يحاول أن يجمع بضع كلمات يقولها لي .. كل هذا وهو لا يزال يمسك بيده اليمنى ذراعي اليسرى بشدة .. في النهاية أعاد ما قاله وهو يشير مرة أخرى إلى الناحية المقابلة ..
" شارع "
أومأت إيجاباً وشعور كأنه نفاذ الصبر يداهمني .. أعدت عليه ما قلت , ومرة أخرى لم يبد أي رد فعل يوحي أنه فهمني , ثم فجأة ترك يدي وتحرك للأمام ..
أجفلت وأنا أراه يتقدم بخطوات بطيئة .. مددت يدي بسرعة وقبضت على ذراعه اليمنى بكلتا يدي وأنا أصرخ
" استنى بس "
بعدما توقف تحركت لأقف أمامه مانعاً إياه من التقدم أكثر مما فعل , ولم يبد عليه أي شيء عدا تقلص عاد مرة أخرى لوجهه وكأنه يمتعض من شيء ما .
عدت لمكاني بجواره , وما أن فعلت حتى كان هو يتحرك مرة أخرى , بسرعة هذه المرة , مفلتاً يدي اليسرى , التي كنت أمسكه بها , و متقدماً للأمام .
تقدمت أنا الآخر عدداً من الخطوات بسرعة تقارب الركض لأمسكه , حين سمعت صوت آلة التنبيه يدوي عن يميني .. كنت في هذه اللحظة قد أمسكت بيده اليسرى مرة أخرى فتوقف عن الحركة .. جذبته مسرعاً للخلف فرفض أن يتحرك بشدة .. نظرت لليمين فزعاً وصوت التنبيه يصبح متصلاً بشدة .. وأعلى أكثر فأكثر كلما اقتربت العربة .. ثم توقفت بصوت عال ٍ للغاية وخرج السائق من نافذته ليصرخ فينا بغضب مرعب .
كانت العربة قد توقفت على بعد مترين أو ثلاثة منا .. وكدت أفتح فمي معتذراً , شاعراً بالرعب من قرب العربة , ومن الحادثة التي كانت تبعد عنا مترين فقط .. لكنني فوجئت بها تحتل المسافة بيننا وبين العربة .. نظرت لي سريعاً ثم أبعدت نظرها عني ..
طالبة ثانوي في الغالب .. تلك الملابس المميزة توحي أنها لا تزال في المدرسة . في نهاية المرحلة المدرسية كتعبير أدق ..
لم أدر ماذا أفعل , لكنه _ من بجواري _ وفر علي هذا التردد , متحركاً للأمام مرة أخرى مستغلاً انشغالي عنه للحظات , فتحركت أنا خلفه , وتحركت هي بجواري هذه المرة ..
" يا نهار أسود " .. قالتها وهي تنظر ليمينها .. نظرت أنا الآخر ووجدت تلك السيارة التي تتحرك بسرعة رهيبة .. توقفت الفتاة عن الحركة وتخلفت عنا ببضع خطوات .. حاولت أن أجذبه مرة أخرى للخلف , لكنه توقف تماماً عن الحركة مظهراً تعبير التقلص الذي يبديه لي بوجهه كلما حاولت إيقافه ..
جذبته مرة أخرى بقوة أشد .. فقاوم هو الآخر بشدة ..
أغمضت عيني وأنا أستمع للهدير بجواري متوقعاً أن يتحقق الاصطدام هذه المرة لابد .
" يا حيوان " بعد صوت الفرامل الخرافي الذي جذب أنظار المنطقة المحيطة بأكملها .. هدر صوت الرجل بغضب مجنون ..
مرة أخرى نظرت له ولعربته .. ثم وجدتها تعود مرة أخرى لتقف جوارنا .. هاربة من السيارة المسرعة التي كانت تتجة نحوها بعدما عادت للخلف متأخرة عنا .. نظرت لها .. فنظرت لي .. ثم نظرت للأرض وكأنها تعتذر عما فعلت.
سباب الرجل وصياحه , ونظراتها المعتذرة جعلاني أمسك يده هذه المرة بشدة , وأتقدم أنا وهي جواري , وهو مستسلم تماماً لأول مرة لقبضة يدي .
كنت أتحرك وأمد يدي اليمنى أقصى امتداد لها , ناحية اليمين وأنا أقول بصوت عال ٍ , وكأنني أكلم به نفسي :
" استني "
كادت أكثر من عربة أن تصطدم بنا , لكنني في كل مرة كنت أتوقف , فيتوقفان معي , ثم نعيد التحرك بسرعة .. واضعين أنفسنا في مواجهة السيارة التالية ..
حين وصلنا كنت لا أزال غير مصدق ..
كدت أقول شيئاً لكنني لم أعرف ماذا يمكن أن أقول , نظرت لها , ولم أدر هل هزت رأسها إمتناناً أم أنني تخيلت حدوث ذلك .. وهو أفلت يدي في هذه الأثناء .. أو أننا أفلتنا أيدي بعضنا في وقت واحد .. وهو يهمهم بكلمات ويشير بيده للسماء فينحسر القميص عن ذراعه ..
فهمت أنه _ ربما _ يشكرني , ويدعو لي _ ربما _ ..
ولكنني عدت فسألت نفسي كيف أظن أنه يفهم معنى الدعاء , أو الشكر حتى , وحتى لو كان يفعل .. من منا يفترض أن يشكر الآخر ..
هي تحركت لليمين .. وسارت في طريقها بهدوء .. وأنا كنت واقفاً وكأنني لازلت غير مصدق ..
ثم تنبهت بعد لحظات أنني لم أسأله أن سيذهب أو هل يعرف طريقه .. لابد من سؤاله وعدم تركه هكذا على أي حال .. ولكنني حين نظرت حولي , لم أجد له أدنى أثر .
الاثنين، 21 يناير 2008
آمال
الجمعة، 11 يناير 2008
ترمس
وتمضي الأيام كالمعتاد ..وهذا هو تحديداً ما يؤلمني حد الجنون ..دوماً أملأ الدنيا صراخا ً عن أن كل يوم هو شيء يستحق الوقوف أمامه , بصمت حتى ومراقبته ..ولا أجدني قادراً على أي شيء من هذا ..يصبح اليوم فقط شيئاً هلامياً مقززاً شبيهاً بالأمبيا .. لا معنى له إلا أنه اليوم , وأنه بسبب وجوده يوجد (غداً ) ويوجد( أمس ) .. وهذه وحدها مصيبة .. ألا يكون للشيء معنى إلا أنه يعني شيئاً , لشيء آخر .. ألا يكون كيانا ً واضحاً له ملامح واضحة يمكن تأملها وتمييزها عن غيرها ..إكتئاب ؟!أفكر في هذا الخاطر ثم أستبعده .. سأعرف لو كنت مكتئباً .. أنا فقط .. فلنقل .. في حالة أميبية لا أكثر ولا أقل ..** ** ** **تعود فيروز هذه الأيام تحديداًَ .. فيروز تأتي وقتما تحب هي , أنا عجزت تماماً عن تحديد الفترة التي أستمع فيها لفيروز .. هي فقط تأتي , فأجدني جالساً أستمع , تحدثني عن ليالي الشمال الحزينة , فأهز رأسي وأنا أحرك القلم في يدي في محاولة يائسة لإيجاد أي كلمة أكتبها ..said,said,said I remember when we used to sitIn the government yard in Trenchtownبوب مارلي وطريقة علاء ولي الدين رحمه الله في أداء هذه الأغنية تهاجمني فجأة , فأندمج في الغناء , وفيروز لازالت تصر على أن ليالي الشمال الحزينة لابد أن تذكرها , وأنا أصر على أن الغناء و وبوب مارلي مصر على الغناء هو الآخر في أذني , وتمازج ليالي الشمال الحزينة مع no woman no cry يصنع شيئاً هلامياً هو الآخر ..** ** ** **أميبا أميبا أميبا أميبا** ** ** **أحب أغنية بوب مارلي هذه لسبب بسيط , فضلاً عن الرؤية الفنية لعلاء ولي الدين , هو أنني كلما تذكرتها كلما تذكرت أبو صلاح , أحد أصدقائي الذين لا يستمعون تقريباً لأي أغاني غير عربية , وهو يعشق هذه الأغنية ..إذن فما قلته أنا خاطيء .. هناك بعض الأشياء ربما تكتسب معناها من وجود أشياء أخرى .. لا بأس ..** ** ** **يسعد صباحك يا حلو .. يسعد مكان بتنزلهلما النسيم بيزونا .. عنك يا ولفي بنسأله** ** ** **كنت أذاكر تشريح .. التشريح مادة مهمة جداً و وأهميتها تنبع أن لا معنى لها , بالطبع هي مهمة لكن من فضلك لا تحاول إقناعي بأهمية حفظ مسار وريد لعين يسلك أغرب المسارات الممكنة في التاريخ وأتابعه أنا بقلمي الأزرق وعيني التي ستصاب بالحول , وانا أحاول معرفة هل سلك هذا الطريق أم ذاك .أنام .وأستيقظ .. لتكون أول كلمة أستقبل بها يومي هي : دا انا نمت ..وأنفجر بعدها في حالة من الضحك الهستيري ..جنون ؟أفكر في هذا الخاطر ثم أستبعده .. سأعرف لو كنت مجنوناً .. أنا فقط .. فلنقل .. في حالة أميبية لا أكثر ولا أقل** ** ** **تمضي الأيام فعلاً .. أيامي فقط تخرج عن إيقاعها , لأقوم بتأجيل تجنيدي , وأعود بالإستمارة إياها للجامعة , ليقوموا هم بتبليغي أن تجنيدي قد تم تأجيله ..أبتسم ..يومي يخرج عن إيقاعه مرة أخرى حين أقوم بتجديد جواز سفري إستعداداً للرحيل بعد أقل من شهر ..أستغرب شعور الإعتياد في كل ما أفعله .. أنا عادي جداً .. لا توجد أي مشكلة .. لا أشعر بشيء أساساً لأحدد هل توجد مشكلة أم لا .. فقط أقوم بالأمر بإعتيادية تامة ..سعيد فعلاً أن سفري سيكون بعد عدة أيام من معرض الكتاب .. سيمكنني أن أرى إسمي مطبوعاً للمرة الأولى .. أستغرب حتى الشعور .. الكثيرون يقولون أنهم يشعرون وكأنهم على وشك حمل أول طفل لهم .. لكن شعوري مختلف تماماً .. ربما لا أعرفه لكني أعرف يقيناً أنه ليس الشعور بأني أحمل طفلي ..أمسك جواز سفري بعد أن تم تجديده ..كلّ العصافير التي لاحقتكفي لى باب المطار البعيدكل حقول القمح ،كل السجون، كل القبور البيضكل الحدود ،كل المناديل التي لوّحت ،كل العيونكانت معي، لكنهمقد أسقطوها من جواز السفركنت قد صممت على عدم التفكير في قصيدة محمود درويش هذه لكني ما أن أمسكت جواز سفري حتى وجدتني أغنيها .. مارسيل عبقري بالمناسبة .. ولم أستمع له منذ فترة بالمناسبة .. هذه الأيام أيام فيروز .. وفيروز فقط .. ربما القليل من ماجدة الرومي , لكنها أيام فيروز ..** ** ** **أحترف الحزن** ** ** **كنت في السايبر الذي أعتاد الجلوس فيه .. طلبت من العاملة قهوتي المعتادة .. طلبت مني أن أجرب القهوة باللبن .. إبتسمت .. هززت رأسي موافقاً .. حين جلبتها , ضحكت وطلبت مني أن أشربها بدلاً من القهوة لأنني : " لسه صغير " .. إبتسمت ثانية ووافقت .. من ساعتها لم أستطع أن أشرب القهوة في هذا المكان .. المؤلم هو حين أريد حقاً ان أشرب قهوة لكني أخاف من شيء مبهم لا أعرفه , أخاف من فكرة أنها طلبت وأنا لم أنفذ , وحين أفكر في من (هي) أصلاً أستغرب ..قلت يوماً شيئاً عن (العشم) ولكنني أيضاً أعتدته حين يكون شكلاً من أشكال الصداقة .. أما هذا العشم فغريب حقاً .. غريب لدرجة أنني لا أجرؤ مطلقاً على كسره ..** ** ** **أمس أنتهينا .. فلا كنا ولا كانيا صاحب الوعد .. خلي الوعد نسيانا** ** ** **وبعدين بقا ؟!** ** ** **كنت عائداً في طريقي المعتاد , حين وجدته .. بائع ترمس عادي جداً .. يقف خلف أسوار إحدى السينمات ..كانت فرصة لي لأتأمل أفيش فيلم الجزيرة من قرب .. وقفت لبعض الوقت حين لمحته , حين نظرت له إبتسم , بادلته الإبتسام_ " حلو الترمس دا يا عم ؟! " .. قلتها وانا أبتسمضحك ضحكة عالية للغاية وأشار للترمس بفخر وهو يقول :_ " المية تكدب الغطاس "ضحكت انا هذه المرة .. وخرجت صافية بلا شائبة .._ " قرطاس ولا كيس "_ " لا .. قرطاس "_ " تمام "_ " إشمعنا يعني ؟ "_ " عشان القرطاس هو اللي بيخلي للترمس طعم "قالها وهو يمسك قرطاساً ورقياً كبيراً , يمسك بيده الأخرى بضع الشطة والملح الخشن .. يلقيه على مساحه معينة من الترمس .. ويرفعها في يده لتستقر في القرطاس .._ " لمون يا بية ؟ "_ " لمون ماشي .. ليه بقا القرطاس بيدي طعم ؟ "نظر لي ليحدد ما إذا كنت أمزح أم أتحدث جدياً .. ولما لاحظ نظراتي أنفجر في الضحك_ " دا أنت عسل وربنا "_ " الله يخليك يا رب "_ " بس هي طعمها في القرطاس أحلى فعلاً "_ " والله انت اللي عسل "تشاطرنا الضحكات لفترة ثم أمسكت غنيمتي .. ومضيت في طريقيبعد أن أنتهيت من الترمس .. كدت ألقي القرطاس , لكني لاحظت وجود حبه ترمس واحدة فقط ملقاه في القاع ..معلقة بين أطراف القرطاس الدائريةلا أدري .. كان منظرها عبقرياً حقاً.. فككت القرطاس من أسفل ووضعتها في يدي وابتسمت طويلاً ..** ** ** **وسألونا وين كنتواوليش ما كبرتوا أنتوابنقلن نسيناواللي نادى الناستا يكبروا الناسراح ونسي ينادينا
الأربعاء، 26 ديسمبر 2007
.. أنا موجود
هناك أمور يصبح من الجنون والغباء أن نتجاهلها , أن نقف أمامها ونقول : " عادي " , ألا نفرح بها , أو نحزن , ألا ننفجر حين يجب علينا الإنفجار غضباً , وألا نرقص من السعادة حين يجب علينا .إحدى دعواتي الدائمة أن يعطيني الله نعمة الدهشة .. ذلك الشعور العبقري الذي يهاجمني حين أكتشف كتاباً أحبه , أو أسمع أغنية أفتقدها , أن أرى عملاً فنياً يستحق الإعجاب .. وبالعكس ..أن أندهش من كل الغباء , والسطحية , والإبتذال الذي أراه كلما قلبت عيني ..أن أندهش حين أكتشف أن نقودي قد نسيتها في البيت , وأن معي جنية واحد فقط .. هذا الجنية مهشم ومكرمش بشكل غريب , وأفكر كيف سيقطع سائق التاكسي عنقي .. وحين أقول له , يضحك ببساطة , ويقبل الأمر بمنتهى الغرابة , فأندهش أنا .. ولا آخذ الأمر وكأنه مسلمة من المسلمات ..** ** ** **منذ بضعة أيام وجدت أغنية بلهاء جعلتني أبكي كالأطفال ..يقول الراوي , وهو أبي هذه المرة , أنه يوماً ما , من زمان جداً , حين كنت أنا في الثانية أو الثالثة من العمر , كان يركب سيارته الفيورا القديمة , تلك التي لا أعرف كيف يعتبرها البشر سيارة , رغم أن أبي حتى هذه اللحظة يحب الحديث عنها بإعتبارها الحب الأول ..المهم أنه كان يسمع الراديو .. حين سمع أغنية إسمها 3 فرسان .. أبي أعجب بهذه الأغنية بشكل غريب , وسمعها , ثم حصل عليها , فقط ليغنيها لي لأنام ..كانت هذه الأغنية إحدى أغاني المهد التي داوم أبي لفترة طويلة على غناءها لكي أنام ..منذ بضعة أيام وجدت هذه الأغنية .. وجلست أبكي وأنا أضحك ..3 فرسان كانوا راجعين من غزوة .. كانوا راجعين من غزوة يا سلام .. كانوا راجعين من غزوة .. أمفش .. :)** ** ** **هناك جامع جميل جداً بدأت أصلي فيه من فترة .. أنا أمر عليه منذ فترة طويلة للغاية لأنه يقع في طريق جامعتي .. لكنني لم أكن ألحظه أصلاً على ما يبدو ..المهم أن هذا الجامع فيه ميزة رائعة الجمال .. أن الرصيف المقابل له يحتله أحد باعة الكتب المستعملة .. يفرش على الأرض بقطعة عملاقة من القماش , ويرص فوقها الكتب حسب أحجامها ..بعد الصلاة إتجهت نحوه ووجدت (قالت ضحى) لبهاء طاهر بحالة ممتازة !بهاء طاهر هو أحد الذين أكتشفتهم من جديد في هذه الفترة .. لا أعرف حقاً كيف لم ألاحظ كل هذا الجمال والشفافية في كتاباته .. المهم أنه الآن يحتل عندي منزلة عالية للغاية ..(قالت ضحى) كان بحالة ممتازة .. هو أحد إصدارات دار الهلال هذه المرة وكان الثمن هو خمسة وسبعون قرشاً لا غير .. نظرت للبائع محاولاً إيجاد أي ملامح للسخرية في وجهة ولم أجد .. شعرت للحظات بتأنيب ضمير ساخر جداً (ضميري هو الوحيد الساخر على ما يبدو) .. بهاء طاهر وأحد كتبه الرائعة الجمال بخمسة وسبعين قرشاً .. المهم أنني أخرست ضميري الساخر وأخذت الكتاب ..تحركت عدة خطوات .. قلبت في الكتاب سريعاً ووجدت الصورة ..ووجدت الخلفية التي تقول :( أخذت هذه الصورة على شاطيء المندرة بالأسكندرية في يوم الأربعاء 12 أغسطس 1964 ..)هذا (الطفل ) كان (طفلاً) منذ 44 عاماً ..لو فرضنا حسب الصورة أنه كان يبلغ الرابعة أو الخامسة من العمر .. فهو الآن في الخمسين من العمرهذا (الطفل) أصبح الآن في الخامسة والخمسين من العمر! ..لم أستطع النطق حقاً من روعة إكتشافي ..من جمال ملامحه .. من روعة النظرة ومن صفائها .. من جمال الموقف نفسه ..من مجرد أن كل هذا , وقع في يدي أنا في النهاية .. وهي الفكرة التي جعلتني أبتسم طويلاً .. هذه الصورة أخذت عام 1964 , ووصلت ليدي في عام 2007يفصل بين التاريخين عمر كامل .. كيف يمكن للمرء ألا يصاب بالجنون بعد كل هذا ؟!فقط أدعو الله أن يديم علي الإكتشافات ..وأهم إكتشاف أنني على صواب في وساوسي .. لأنني مغرم بكتابة التاريخ على كل ما يتعلق بذكرى لي .. على تذاكر القطارات .. أكياس الشيبسي , أغلفة الشيكولاتة .. على الصور وعلى الملابس القديمة أحياناً ..أن أطمئن .. فحين تقع إحدى تذكاراتي التي أضعها في كتبي دائماً في يد شخص ما , سيعرف أنني كنت هنا .. أنني وجدت يوماً ما
الجمعة، 14 ديسمبر 2007
رغوة
وضع أمامي مج النسكافية , لم أنظر له لأعرف أنه مج النسكافية , لأني كنت أتحدث مع صديقي الذي يجلس أمامي بنوع من العصبية كعادتي حين تغلبني حمى النقاش ..صديقي كان يحاول أن يوضح لي أننا نقول نفس الكلام , وإن كان بشكل مختلف , ولكنني كنت في لحظة الحقيقة المطلقة كما يسميها هو ضاحكاً .. حين لا رأي إلا رأيي , ولا عين إلا عيني .._ " طيب أسمع بس "أقولها فأصمت قليلاً .. أشهق وأزفر . وأهدأ قليلاً وأنا أسمعه يتحدث ..أنه يقول ما أقول تقريباً .. أعترف لنفسي بهذا , ثم أستدرك نفسي قبل أن أقول له هذا , أجد نقطة لحسن الحظ نختلف فيها , أقول فوراً وأنا أهز رأسي في أسف :_ " برضة مش فاهمني "ثم لا أستطيع أن أستمر في هذا الدور كثيراً .. " طيب .. أنا وأنت بنقول نفس الكلام " ..يبتسم هو في إنتصار وأتجة أنا نحو النسكافية ..أرفع الكوب لفمي وأرشف منه .. برودة الرغوة تجعلني أستمر , حتى يصطدم لساني بالحرارة العالية المفاجئة .. أبعد الكوب بسرعة عن فمي ..يشاهد صديقي المشهد , يعقد حاجبيه , ويبتسم , حين أشرح له ما حدث .. "بتحصل عادي "أهز رأسي .._ " الرغوة كتيرة أوي " .. أقول ..يستغرب هو ما أقول .._ " إزاي يعني " .. يسألني.. ويكمل :_ " عرفت منين أصلاً "يعني هو أن الكوب معتم لا يمكنني أن أرى هل الرغوة قليلة أم كثيرة .. لكني أعرف هذا جيداً لأنني تخطيت منها كمية كبيرة قبل أن أصل للنسكافية نفسهأقول له هذا فيقول لي أن النسكافية لابد أن تكون له رغوة ..لست من هواة النسكافية أصلاً , وأشربه على فترات متباعدة .. لهذا أهز كتفي بإعتبار أنه أدرى .. ولكني أعود فجأة وأقول :_ " بس الرغوة كتير أوي فعلاً "يمد يده فيمسك كوبي .. ينظر فيه .._" مش كتير ولا حاجة يابني "_ " هو دا النسكافية العادي يعني ؟ "يهز رأسه .. فأهز رأسي وأنا غير مقتنع تماماً بما يقول .. المرات التي شربت فيها النسكافية تجعلني قادراً على تمييز القليل من الكثير .._ " لما ييجي الجارسون قوله ".. يقول هو ليريحنيأهز رأسي رافضاً .. المنظر نفسه غير لطيف .. ما معنى أن أطلب أن يكون النسكافية كثيراً والرغوة قليلة .. سأكون سخيفاً فعلاً حينها .. أكرر رفضي حين يشير لي بإقتراب الجارسون .. فيجلس ولا يناديهأكمل بقية الكوب وأنا أشعر أنه ناقص ..أفكر في طلب واحد آخر .. لكني أحجم في آخر لحظة .. بالتأكيد سيكون الثاني على حال الأول وسأقضي الوقت في الغيظ من أن الرغوة أكثر من النسكافية نفسه .._ " يله نقوم ؟ "أقول فجأة لأنني شعرت بإختناق من المكان فجأة .. وكان هو موشكاً أن يطلب شيئاً آخر ومتحفزاً لبدء نقاش جديد على ما يبدو .. إستغرب وقال :_ " علطول كدا ؟! "لا أنطق , وأنا أقوم من مكاني ..أذهب لأدفع , ثم أنتظره خارج المكان .. أنظر في ساعتي .. الحادية عشر مساء والجو في منتهى البرودة الآن .. أحكم تعديل كوفيتي على رقبتي , وأنظر من خلال الزجاج لأراه يمازح الفتاة التي تقف أمام آلة النقود , أتحرك بضع خطوات , تمضي بضع دقائق أخرى ويخرج أخيراً_ " الجو برد أوي .. إيه دا ؟! "يلحظ شرودي , يقول :_ " خير ؟ "_ " أنا أنضحك عليا "ينظر لي وهو غير قادر على تمييز إذا كنت أمزح أم لا ..فجأة أقول لنفسي أنني سأكون سخيفاً فعلاً لو علقت على موضوع النسكافية هذا مرة أخرى .. أقرر أن أرسم إبتسامة على وجهي .. تخرج مكسورة .. لكنها إبتسامة على أي حال ..لا أعرف كيف فهمها هو , لكني لم أهتم بذلك .أتحرك لأمشي , ويسرع هو خطوتين ليحاذيني .
الثلاثاء، 11 ديسمبر 2007
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



