‏إظهار الرسائل ذات التسميات نبضات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نبضات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 19 مايو 2008

قال الراوي


يناوشني وجهك ِ وأناوشه مثل قط وفأر .. يظهر , ليخفتي . ويختفي , ليظهر . أحاول أن أقبض عليه , فيتلاشى . وأتناساه , فيعود متلمساً خطواته . وما أن أدير رأسي نحوه , حتى يعود للعدم . وكأنه لم يوجد قط .
يناوشني وجهك ِ وأناوشه .
ويحيرني مثلما لم يفعل وجه .. لعل هذا هو سبب هيامي , وأساسه . أنني لا أجد لوجهك وصفاً , أو صفة , أو حتى حالة . يمكر و أنت طيبة . ويصبح كالطفل حين تكونين أنت كثعلب . يكون ماجناً في لحظات طـُهرك ِ كالقديسات .. ويكون مثلهن حين تتحولين أنت ِ لتؤدي دور اللعوب في فيلم عربي قديم , وتكادين أن تقولي لي : " ينيلك يا منيل " .. بعد ضحكة خليعة ذات ترددات متداخلة ..
يحيرني وجهك , مثلما لم يفعل وجه .
وملامحكِ هي من عجائب الدنيا . هي اللا شيء , وكل شيء . في كل لحظة , هي كل ما أريد , وجل ما أخاف .. هي النغمات السليمة , وكذلك الأصوات النشاز .. هي الألون الأساسية الرائعة الفتنة , والألوان الفسفورية , متناهية القبح .
في لحظات , أنظر لك محاولاً فهم كيف أجتمع كل تناسق الدنيا في تلك المساحة المحدودة , متناهية الإتساع . وأحياناً يتحول التناسق لشيء مخيف , يجعلني أجفل , وأهرب منك أنا هذه المرة , لأن ما أراه يتجاوز خطوط المنطق , بل يمحو تلك الكلمة من الوجود .
أما ما يدعو للذعر فعلاً , هو ذاك الأمر الذي لم أخبر به أحداً , ولن أفعل .. من سيخبر الناس أنه يملك تنيناً ينفخ النار في قبو بيته ؟! .
ما لم أقله , لن تصدقيه أنت ِ نفسك ربما , أنك أحياناً تكونين على بهاء "ليلى مراد" . ذات الوجة بتشابة مطلق لا شك فيه , أنظر لك , أبتسم في إنبهار . حينها .. وكأنك ترفضين أن أراك ِ كما أرغب أنا وأريد .. يتبدل الوجه .. يتساقط .. لا يبقى إلا عظام وجهك ِ مكتوب على من يراها اللعنة .. وتبتسمين , وأنت ِ تلاحظين الذعر بلا حدود على وجهي ..
أما المأساة .. فهي حين أتابع وجهك ِ وسط الناس .. لو كان وجهك يتلون وحده مرة , فهو يفعل وسط الجمع ألفاً .. حين أتابعه محاولاً تمييزه , يفعل الأفاعيل حتى لا يمكّنني من ذلك وحين أفقده , أخيراً . وتنتابني خيبة الأمل كالعادة , تظهرين من خلفي فجأة حين أستدير , لتقولي في هدوء قاتل :
_ " معاك اتنين جنية سلف ؟! " .

السبت، 17 مايو 2008

هزة رأس


أجفل , فأستيقظ ..
نغمة الرسائل تتصاعد برتابة من هاتفي , فأفكر أنني لابد أن أغيرها قريباً .. أنظر بطرف عيني نحو الزاوية اليسرى العلوية من الشاشة .. الثامنة .. نمت عشر دقائق , ياللسعادة .
أقرأ الرسالة وأبتسم .. "kol 3am w enta haik" .. أنا مستغرب أصلاً انه يتذكرني , فما بالك حين يتذكر عيد ميلادي ..
لعل رسائلة هي الوحيدة التي أقرأها بلغة الفرانكو آراب المقيتة ولا أمتعض , اعترفَ هو أن من الغباء أنه أشترى هاتفه من هناك , حيث يتحدثون الإنجليزية بصعوبة أصلاً ..
كنا قد أتقفنا قبل أن يسافر , أنه حين يبعث لي برسالة , مهما كان الوقت , ومهما كانت حالة رصيدي , فأني سأبعث الرد ..
يقول أن غربة اللغة مقيتة فعلاً , وأصدقه ..
يقول أن من معه في الغرفة هناك , فتى عربي ولكنه لا يتحدث بكلمه ,
يقول أن الفتى من أغرب ما رآي .. يقضي ليله بالكامل بالخارج , يعود مترنحاً , فيلقي بنفسه على السرير لينام كالبغال القتلى , ثم يستيقظ , فيمسك كتابه , ويبدأ الإستذكار دون كلمه ..
كنت سأتقبل هذا الحديث حين يصدر عن غربي لأني أعتدت هذا منهم , لكن عن عربي ؟ .. يبدو الأمر غريباً بعض الشيء ..
رصيدي متوفي تقريباً منذ فترة , لكن ما تبقى يمكنه التكفل بأمر رسالة .. أتمنى ..
أشكره على رسالته , وأقول له أن يدعو لي لأن اليوم إمتحاني الشفوي ..
بعد وصول رسالتي بدقيقة , وأنا أغسل وجهي , سمعت صوت هاتفي .. خرجت مبلل الوجة وأنا واثق أنه هو ..
_ " ألو "
_ " كيفك يا ( .... ) "
_ " إحم .. الله يكرمك .. اخبارك إيه "
_ " ماشي الحال " ثم صمت للحظات :
_ " معي دقيقة واحدة .. إسمع "
فأسمع ..
ينتهي قبل الدقيقة فيقول لي مباشرة :
_ " معك 20 ثانية .. اتكلم "
فأتكلم ..
يُقطع الخط فجأة .. حسناً .. لا بأس .. هو بخير .. لن يتزوج من الفتاة التي قال انه سيتزوجها .. الوضع خانق , وهو يفكر في العودة ( لن يفعل ولو رقصت الأسود الفالس وهي تأكل الفشار ) ..
لا بأس .. قلت له أنني بخير ( ولست ) وأن أمور تسير على ما يرام ( وليست ) , وأنني أقرأ بشكل مهول هذه الأيام .. وإن إمتحان مهم للغاية قطم وسطي بالإمس .. وأنه يجب أن يقرأ رواية 1948 .. وأنني سأموت من الحنين في أقرب فرصة ..
قال هو في نهاية الحوار :
_ " خليك جد .. "
وهي ما تعني طبعاً " جدع " ولكنها من الممكن أن تقبل كـ " جد " لأنني لست كذلك أيضاً ..
بعد أن أعود لغسل أسناني .. أسمع صوت الهاتف مرة أخرى .. الهاتف الأرضي لا يرن إلا لثلاث أسباب ..
الإحتمال الثاني يكون هو الصواب :
_ " أنت لسه نايم ياض "
أقول :
_ " صحيت من شوية يا متخلف .. وبلاش ياض عشان بكرهها الله يكرمك "
يقول هو لأنه متخلف :
_ " ماشي ياض "
وينفجر في الضحك .. سمعت هذه الدعابة ما يقرب من الألف مرة .. أصارحه بهذه الحقيقة ويقول لي أن هذا أجمل , لأنه يتفوق في المقارنات دوماً ..
أستعوض الله في أصدقائي ..
_ " هتنزل الإمتحان ولا مش ناوي "
_ " هتعدي عليا أمتا "
_ " اممم .. ربع ساعة كدا "
حسناً .. هذا يعني أن أمامي نصف ساعة لأجهز .. أغلق الخط ..
ماذا ستفعل في يوم عيد ميلادك يا فتى ؟
لماذا لا نبدأ بالشوكولاتة .. أو بقراءة شيء ما .. أو بالنظر في النافذة .. أو بإرتداء ملابسي .. أو بسماع مارسيل خليفة .. أو فيروز .. ربما ماجدة الرومي .. ربما لا شيء من هذا ..
افتح التلفزيون فتظهر ( ميريام فارس ) .. أفكر في أي سنة لعينة هذه التي تبدأ بـ( ميريام ) .. امممم .. ليس الوضع بهذا السوء لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى ..
أحاول أن أتذكر كليبها الأخير .. ذلك الذي تستعرض فيه قدرتها على إعطائنا أكبر كم ممكن من زوايا الرؤية .. حسناً .. هل أنا أتخيل أم أنها تحاول التركيز على " رسالة " معينة .. عموماً دع الخلق للخالق .. يارب يكون في الثلاجة شوكولاتة .. وتكون مفاجأة عيد ميلادي السعيدة , " فلوتس " ولنسجد لله شكراً , أشتريت هذه الشوكولاته منذ شهر تقريباً , وهي الوحيدة المتبقية .. أفكر وأنا أستشعر الطعم المحبب ..
أفكر أنني مرهق حقاً .. فلنر ما أخبار السرير الآن .. لكن .. فلنبدأ العام الجديد بالإستحمام .. بالظبط .. فضلاً عن روعة المياة في حد ذاتها يمكنني الآن التحدث عن التطهر , وعن البعث , والولادة من جديد .. يبدو هذا رائعاً فعلاً . لا , لا يبدو .. لا توجد مياة ساخنة !
أنا غبي .. أنا غبي .. أطفأت السخان بالأمس لأن فاتورة الكهرباء جعلتني أحسد الإنسان البدائي .. قال لي محصل الكهرباء أن السبب _لامؤاخذة حضرتك_ هو السخان .. وأن الحل _ لامؤاخذة حضرتك _ أن أطفأه هذه الأيام , لأن هذه الأيام _لامؤاخذة حضرتك_ صيف ..
بالطبع يمكنني الآن أن أتحدث عن الترف اذي أعيش فيه و عن الرجولة الضائعة في هذا الزمن , لو كان أبي موجوداً كان سيتحدث بالطبع عن جدي الذي كان يستحم بمياة باردة في عز الشتاء .. لكني للأسف لست رائق البال لكل هذا الكلام .. هناك مصيبة عدم وجود مياة ساخنة الآن ..
مياة باردة ؟ .. لم لا ؟ ..
** ** ** **
يا نهار أسود !
لم أتخيل أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة .. أفكر وأنا أرتجف , وأجفف جسدي بفوطة مرسوم عليها عصفورة , وشمس , أن الأمر قاسي فعلاً .. قاسي لدرجة لا يمكن تخيلها , ثم أفكر أنني سخيف فعلاً .. أنا أصف الإستحمام تحت مياة باردة بالقسوة .. هذا سخيف .. سخيف لدرجة أنه حقيقي .
قضيت وقتاً لعيناً تحت المياة الباردة أقوم بحركات خرقاء لبعث الحرارة , وأصدر أصواتاً مثل : " اوووووف .. اوووووف "
أبتسم , وأقرر أن أسمع ماجدة الرومي .. نعم .. بداية عامي العشرين ستكون بماجدة الرومي ..
لحظات , ويتصاعد صوتها صادحة : " لا بدي تراضيني , ولا بدي تحاكيني .. لا تصبحني ولا تمسيني " .. يصلني وأنا أحضر النسكافية من الداخل ..
أسمع صوت هاتفي المحمول , وأنا أخرج من باب المطبخ .. أرتدي ملابسي دون الإلتفات له , وعندما يستمر في الرنين , أضغط رز "صامت " دون أن أنظر حتى من الذي يتصل .. أستمع لها وهي تقول : " إنساني أعمل معروف " , وأنا أشرب بهدوء .. لماذا لا تستمر هذه اللحظات للأبد ؟! .
بعد أن تنتهي الأغنية .. أقرر أني سأسمع " سمراء النيل " .. أحب هذه الأغنية , كانت هذه هي أول أغنية أتعرف فيها على كيان يسمى ماجدة الرومي .. قبلها كنت أسخر أنا وأخي منها .. كنا نغني ( كن صديقي ) بضحك هستيري بعد ان ننطقها ( كون صديكييي ) ..
" كرقص الريح بفستان"
مين أين يأتون بهذا الكلام ؟
أتحدث مع صديقي حين يتصل مرة ثانية , يسألني إن كنت قد نمت , أبتسم للحظات , وانا أقول له أنني غفوت قليلاً .. يقول لي أنه ينتظرني في الأسفل .. أقول له أن ينتظر عشرة دقائق .. يخبرني أن الإمتحان تبقى عليه ربع ساعة .. وأعيد طلبي .. أقول له أن الإمتحان شفوي لهذا يمكننا الذهاب متأخرين قليلاً ..
_ " هتعمل ايه يعني في العشر دقايق دول ؟ "
_ " هسمع سمراء النيل بتاعة ماجدة الرومي "
يضحك هو .. حسناً , من الجميل انه ظن أنني أمزح , لأنني لا أحب أن أًشتم مرتين في يوم واحد .
أعود للكاسيت , ما زلت أتعامل مع هذا الجهاز في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن ( الإم بي ثري) ومشتقاته .. ما زلت أجد الكاسيت حميمي جداً , مقرب جداً ..
أترك ماجدة تكمل :
" كالأرض حميمة وبهية , كالشمس قديمة و صبية "
وأعيد الأغنية من بدايتها .
** ** ** **
أول ما ألاحظه وأنا أهبط السلم أنني أشم رائحة التقلية .. رائع .. رائع رائع رائع رائع .. عيد ميلادي حتى الآن يحقق أرقاماً قياسية في إسعادي .. يمكنني الآن أن أضيف التلقية للموضوع ..
من يا ترى قرر أن اليوم مناسب للملوخية ؟! .. وهو مناسب فعلاً ..
أقترب من كل باب لبعض الوقت , أغمض عيني و وأشم بعمق .. بعمق .. أركز .. لا .. ليس من هنا ..
حتى أجد مركز الرائحة .. الله الله .. لا أذكر الإسم .. لكن هذه المرأة نًفًسها في الطبيخ عبقري السحر .. يا خرابي ..عبقري بمعنى الكلمة ..
أمنع نفسي بصعوبة من الإبتعاد .. هناك قصة بديعة لجحا حين قام بأكل الخبز على رائحة الشواء .. فطالبه البائع بثمن الرائحة .. أحببت هذه القصة فعلاً .. أذكر حتى أين قرأتها أول مرة .. ماجد .. قصة مصورة .. الصفحة قبل الأخيرة .. بعدها بصفحة كانت موزة الحبوبة وشقيقها رشود غالباً .. ياااااه .. منذ فترة لم أشتر مجلة ماجد .. أقرر أنني سأشتريها اليوم ..
كان أبي يفضل أن يشتري لي ماجد عن ميكي .. كان ينظر للأمر من نظرة تعليمية بحتة .. ميكي لم يكن فيها غير المغامرات لا أكثر .. لكن ماجد , كانت مجلة شاملة حقاً .. لكن مغامراتها كانت مملة نوعاً ما .. أصلاً أي شيء ممل لو قورن ببطوط ..
أرى صديقي واقفاً ينتظر في هدوء , أشكر له هذا في سري , وأقرر أنني مدين له بشيء حين يطلب مني خدمة ..
_ " كل سنة وانت طيب يا زعيم "
أبتسم :
_ " وأنت طيب .. عرفت منين ؟ "
_ " الفيس بوك ! "
_ " الله يخرب بيت الفيس بوك ياسيدي "
وأتذكر :
_ " ثم أنت أصلاً مش عندي "
يقول هو في هدوء :
_ " ايوا .. بس غيري عندك .. وغيري عرف .. وغيري قالي "
أهز رأسي ..
_ " عملت إيه إمبارح في الإمتحان النظري ؟ "
أهز رأسي .. لماذا تصر الدنيا على أن تنكد علي بشكل أو بآخر .. أقول :
_ " يعني .. "
يصمت هو للحظات :
_ " يعني إيه ؟ "
_ " يعني يعني "
يصمت هو للحظات أطول :
_ " واضح فعلاً "
_ " أي خدمة "
ثم أتذكر شيئاً ما :
_ " كلمني عن الـ jaundice .. (الصفراء) "
_ " إشمعنا "
_ " عشان ما أعرفش عنها حاجة .. خالص تقريباً "
_ " إسمع "
فأسمع ..
حسناً .. الأمر بسيط .. الصفراء هو إصفرار لون الجلد , خصوصاً الوجة .. حين تحدث مشكلة في العصارة الصفراوية التي يتم إفرازها من المرارة ..
_ " جميل ؟ "
_ " جميل "
يسألني عن العصارة الصفراوية من أين تأتي أصلاً .. أجيبه أنها من تكسير خلايا الدم الحمراء حين تصل للشيخوخة .
_ " كدا فل "
الآن هناك ثلاث أسباب لحدث الصفراء .. مشاكل في خلايا الدم .. أو مشاكل في الكبد الذي يقوم بتكسير خلايا الدم هذه .. أو مشاكل في المرارة , التي تقوم بإفراز هذه المادة ..
_ " جميل ؟ "
_ " جميل "
حين ينتهي ينظر لي ضاحكاً ويقول :
_ " إحنا في جامعة يا ريس .. المفروض نحصّل معلومات , مش نلم في آخر شهرين "
أضحك أنا وأقول :
_ " قصدك عليا يا حقير "
_ " لا يا عم .. انت بتلم في آخر ساعتين "
أضحك وأنا مستمر في السير ..
** ** ** **
يتم النداء علي أخيراً , أمسك الورقة التي سيُكتب فيها الأسئلة .. يتم دفعي نحو غرفة ما .. أتمتم أن " ربنا يستر " .. تشير لي المعيدة نحو مكتب ما تجلس خلفه دكتورة مبتسمة .. صبوحة الوجة .. أفكر أن بها لمسة طفولة واضحة , ربما ما جعلني أقول هذا , هو ذيل الحصان الذي تربطه بتوكة ميزت لونها حين ادارت وجهها للحظات ..في أوائل الخمسينات تقريباً .. المعيدة همست لي " يا بختك " , وأنا كررت "ربنا يستر " بقوة أكبر .. لم يقل لي أحد " يا بختك " وسارت الأمور على خير ... " ربنا يستر " بقوة أكبر .
حين جلست أمامها , إتسعت إبتسامتها .. قالت لي في هدوء :
_ " صباح الخير يا ..
نظرت في الورقة ثم نطقت إسمي , وهي تسألني عن إسم أبي الذي لم يكن واضحاً . قلت لها , فأبتسمت وقالت :
_ " عاشت الأسامي "
" ايه الناس اللي زي العسل دي " .. فكرت .. ثم هززت رأسي وأنا أكرر " ربنا يستر " ..
سألتني :
_ " تحب أسألك في إيه ؟ "
وأنا بدأت أستشعر الخدعة .. النصائح لا تعرف المزاح .. حين يسألك الممتحن عن الشيء الذي تحب أن يسألك فيه , لابد أن تبتسم بملائكية , وتحني رأسي في خفر , ويكون من الرائع لو تورد وجهك , ثم تقول في خفوت :
_ " اللي تشوفه "
ابتسمت بملائكية , وحنيت رأسي في خفر , وكان من الرائع حقاً أن وجهي تورد , وقلت في خفوت :
_ " اللي تشوفيه "
ابتسمت هي وقالت :
_ " تعرف تكلمني عن ال jaundice "
فتحت فمي في بلاهة .. لا يعقل .. لا يعقل .. لا يعقل ..
نظرت لها , وكدت أرى الجنية التي تهديني قبلة وهي تقف على كتفها الأيمن ..
إبتسمت في ثقة .. وأنا أكاد أقول : " الjaundice دي لعبتي أصلاً "
شرحت لها ما سمعته دون زيادة كلمة .. ابتسمت في رضى , وسألتني عن وظيفة القزحية , الجزء الملون من العين , وأنا أبتسمت , وأنا ألمح الجنية ترقص السامبا الآن , شرحت لها ما أعرفه , وهي أبتسمت في رضى ثم قالت :
_ " عملت إيه في إمتحان النظري إمبارح "
وأنا لم أنظر لها , وأنا أقول :
_ " يعني "
كانت الجنية توقفت عن الرقص , وبدأت تلم حاجياتها أستعداداً للرحيل .. كان هذا حين أبتسمت وهي تقول لي :
_ " ربنا يوفقك .. "
وقلت أنا :
_ " شكراً "
وحين خطوت خارج الحجرة , بعد إنتهاء لجنة الشفوي الثانية كنت أبتسم وأنا أغني :
_ " ورينا القوة .. يا بني أنت وهوا .. مين عنده مروّة .. وعاملي فتوة "
وأفكر أن صلاح جاهين عبقري .. وأن الشيخ سيد , لن يتكرر
** ** ** **
" مسا التماسي .. مسا التماسي .. يا ورد قاعد على الكراسي "
ثم أنتظر حتى أبتلع ما في فمي وأكمل :
_ " يااااااااا ليييل "
كنا جالسين أمام معرض أثاث يبدو رائعاً فعلاً .. المعرض في الدور الثاني , وأنا وجدت هذا غريباً قليلاً ..أشار واحد من أصدقائي نحو كنبة سوداء , أطرافها مطرزة باللون الفضي وقال :
_ " حلوة جداً "
وأنا وافقته , وأنا أنتهي من سندوتش الطعمية رائع الطعم ..
قال , أستعرف متى ستصبح رائعة فعلاً .. سأله واحد من مجموعتنا السعيدة الجالسة على الرصيف مستفسراً .. فأكمل هو :
_ " جمب البيانو كدا .. يعني مش تبع الصالون .. لا .. تكون كدا في المنطقة المحيطة بالبيانو .. بس انا مش هحط بيانو غالباً لأنها بتقول أنه هيزحم البيت "
_ " والنبي أنت وهي عسل "
هكذا صارحته , وأنا أبدأ سندوتش الفول ..الذي أكن له تقديراً أقل من الطعمية لكنه محترم طبعاً .. بطريقته الخاصة .
قبل أن أنتهي من سندوتش الفول الذي أكن له تقديراً أقل من العطمية .. مر علينا فتى قصير القامة يوزع أوراق إعلانات .. أعطى كل أعلاناً .. أمسكت الإعلان الخاص بي بأطراف أصابع ملوثة بالفول . ثم أنفجرت في الضحك وأنا أقرأ الإعلان الذي يقول بوضوح تام :
_ " ليه تعمل فرحك أغلى .. لما ممكن تعمله أرخص " ثم يؤكد قائلاً أن القاعة تقدم أرخص الإسعار في مصر كلها .. وأن الفرح سيكون من ليالي ألف ليلة وليلة ..
وهو أمسك الإعلان قائلاً أنها علامة من المؤكد .. وأنا وافقته ..هز رأسه , تنهد وصمت , وأنا بدأت أصنع المركب الورقي كعادتي مع هذه الأوراق .
** ** ** **
الفجر أخيراً ..
أجلس على الكرسي منذ التاسعة مساءً , وحتى هذه اللحظة .. الساعة الخامسة صباحاً .. أنتبه لأنها الساعة الخامسة لا لأن معي ساعة لا سمح الله , ولا لأني نظرت في واحدة .. بل لأن الأذان في هذا الوقت لا يعني إلا الفجر لا أكثر ..
حين أفكر أنها الخامسة .. أحاول أن أصرف هذه الفكرة عن رأسي .. لا يعقل أنني قضيت ثمان ساعات لا أفعل شيئاً إلا محاولة عد المربعات الرخامية في أرضية حجرتي , بطريقة تختلف عن ضرب عدد هذه المربعات الطولية في تلك التي بالعرض ..

الجمعة، 14 مارس 2008

.. حقيقة الأمر


بطريقة ما , تم إقناعي بأنه من الجميل أن أخصص نغمة معينة لكل شخص يتصل بي , بكثرة أو باعتدال , ولكنه يعني لي شيئاً .
في النهاية قمت بهذا فعلاً بعد أن تكرر الطلب من أكثر من واحد , وبشكل جعلني أدرك أنني أنا الغريب , وأن هذا هو فعلاً الطبيعي .
لفترة لا بأس بها , كان هاتفي يصدر كل الأصوات الممكنة , والمختلفة , بشكل يتناسب مع شخصيات المتصلين ,
فيروز , تتحدث عن " الطير الطاير على أطراف الدني " كلما حادثتني أمي , بوب مارلي و هو ينصحني أن : " no woman no cry " كلما أتصل أحد أصدقائي , الجيتار في أحيان , والعود في أحيان أخرى .
(عمري معاك) كلما أتصل صديقي الذين يهيم بهذه الأغنية , لأن خطيبته تهيم بهذه الأغنية ,
صديقي المقرب بطبيعة الحال كان المعادل له هو تتر مسلسل "friends " ,
حتى أبي الذي لم يبد اهتماما بهذا الأمر , كان كلما أتصل تعالى صوت الـ" bloom " الذي يضعه هو نفسه كنغمة لهاتفه , وإن كانت لا تروقني كثيراً
لم يتغير الوضع إلا بالأمس فقط . أعدت كل شيء كما كان في الأصل .
حدث هذا بمجرد أن سمعت صوت نغمتي أنا , نغمة الهاتف الأصلية . بدا لي مفاجئاً أنني لم أسمع موسيقى (البنت الشلبية) لمارسيل خليفة منذ فترة لا بأس بها , وحين نظرت للرقم الذي يطلبني , وجدت أنه رقم بلا إسم .. أي لا أعرفه .
قمت بإعادة كل شيء كما كان , بمجرد أن أجبت , وأنا مندهش من الذي يتصل , وسعيد لأنه يفعل , وسمعت صوت امرأة يصرخ بعصبية شديدة :
_ " أين أنت يا حيوان , الدرس انتهى منذ ثلاث ساعات , امتحاناتك بعد شهر ونصف يا عديم الدم والإحساس ! "
بمجرد أن أغلقت هي الخط معتذرة , قمت بإزالة كل النغمات الخاصة عندي .
ولكن ما ضايقني بالفعل , أن أول اتصال بعد التغيير كان منها , مرة أخرى , بعد إغلاقها الخط بدقائق , وهي تعاود الصراخ :
_ " أين أنت يا حيوان كل هذا الوقت ؟! "

الخميس، 28 فبراير 2008

تــيــه


مضى وقت طويل حقاً ونحن نحاول التوصل لحل ما , ناقشت انا وهي الموضوع من كافة جوانبة , طرحنا كافة الإحتمالات التي يمكن ان تحدث , وتلك التي تقبع في قائمة المستحيل ..
الأمر لم يخل طبعاً من بعض الأعصاب المنفلتة , في لحظة ما وصفتني بالغبي , والمتردد , والمتخاذل . وأنا لم أشعر إلا وأنا أقاطعها قائلاً أنها التي لا تفهم , وأنها لو كانت مكاني كان كلامها سيختلف عن التخلف العقلي الذي تقوله الآن . وصمتنا معاً .
لا أنكر أن الأمر كان جميلاً أن أراها تهتم بما أعاني , وأن أراها تنفعل و وتخرج عن طورها الهاديء . كان الوضع مشتركاً , والمأزق واحداً , والقرار ستكون آثاره علينا معاً , لكنها كانت تحاول أن تفهمني حقاً , تحاول بشكل يختلف تماماً عن مجرد فهم الكلام .. كان هذا جميلاً , لكني لحظتها , كنت على وشك الصراخ , من أي شيء , مهما كانت درجة تفاهته
بعد صمت طال , سألتني بصوت مرتفع بعض الشيء وهي تفرد راحتيها تجاهي , وتهزهما وكأنها تمسكني أنا من قميصي :
_ " إنت عايز إيه ؟ "
خفضت رأسي عن مستوى نظرها , لبعض دقائق , نظرت للأرض دون تغيير في ملامحي أو في وضع جسدي .. ثم نظرت لها , فوجدتها تضع ذقنها على قبضة يدها , وتنظر للأرض على يمينها , ثم تنبهت لي فنظرت لي , بدت مترقبة لإجابة لا أملكها , حاولت البحث عن شيء أقوله , فتحت فمي , وأغلقته عدة مرات , وأنا أحرك يدي في شرح غريب لشيء لا أقوله , ولا أعرف ما هو أصلاً .
قلت أخيراً :
_ " معرفش "
رأيتها تبتسم بنكهة من خيبة أمل .. ولكنها رغم ذلك لا تقول شيئاً . هي تحاول ألا تقول شيئاً يزيد من معاناتي التي تعرف أنني أتخبط فيها , كطفل وحيد .
حتى حين قلت لها مؤكداً : _ " والله ما اعرف " , هزت رأسها , وهي تغلق عينيها .

الخميس، 21 فبراير 2008

سرياليزم



وأنا كنت جالساً في هدوء , أمامي صديقي يثرثر , وأنا أفكر في كمية الكاتشب التي يجب وضعها على سندوتش البطاطس لكي يكون جيداً .. "الجوع كافر .. الجوع كافر .. الجوع كافر .. الجوع كافر " .. وذهني عاجز عن التوقف .
وأنا كنت جالساً في هدوء , بجواري مجلة ميكي التي إشتريتها منذ لحظات , وحقيبتي على الكرسي المجاور , منتظراً أن يتم النداء علي الطعام الذي طلبت .
وأنا كنت جالساً في هدوء , ذلك الهدوء الذي انقلب إلى سرعة في الحركة وعبقرية في الأداء وأنا أضع الطعام أمامي , و أبدأ في إفناء وجوده المادي .
وأنا كنت آكل في هدوء , وصديقي لازال يثرثر , و الرجل الذي يجلس على الناحية المقابلة يميل عليه فجأة ويقول :
_ " هو النهاردة كام في الشهر يا رجالة ؟ "
بطبيعة الحال لم أنطق أنا بكلمة , و بدأت في التفكير في روعة الكاتشب مهما كانت كميته .
صديقي نظر في ساعته ثم قال :
_ " النهاردة عشرين "
الرجل هز رأسه وقال :
_ " آآآآآآآآة .. همممممممم"
صديقي نظر لي, وأنا نظرت له بطرف عيني , وانا أستمر في البلع .. وقبل أن يفتح فمه بكلمه وجد الرجل يميل عليه مرة أخرى ليقول :
_ " هو من يوم تسعة لعشرين كام يوم ؟ "
صديقي نظر لي , وقال للرجل وهو يصب بعض الماء في الكوب الزجاجي الذي أمامه , وأنا توقفت عن المضغ , ونظرت للرجل , ثم هززت كتفي و أنا أعود لنقاشي العلمي المهم مع التشيز برجر..
صديقي قال في هدوء :
_ " حداشر يوم "
الرجل عقد حاجبيه .. ونظر لي ثم قال :
_ " حداشر يوم .. آآآآآآآآة .. همممممممم .. "
ثم نظر لصديقي وأكد وجهه نظره :
_ " همممممممم"
صديقي نظر لي , وأنا كنت أشير له بحركات محمومة أن يأتيني بالماء لأنني سأختنق من الضحك !

الأحد، 17 فبراير 2008

إختيار


قد يبدو لك هذا الرأي غريباً ,
لكن صدقني , إحدى أهم نِعم الحياة , هي أن تمارس ( نط الحبل ) , ثم تقرر التوقف فجأة , لا لشيء إلا لأنك مللت القفز المتكرر كاللقلق , أو حتى لأن جسدك هده التعب من المجهود المستمر بلا إنقطاع .
صدقني , هذه متعة لا تُضاهى , أن يكون سبب توقفك , مكللاً بالعرق , شاعراً بروعة إرهاق جسدك بشكل قاسٍ , محطماً رقمك السابق , أو حتى مقترباً منه .. أن يكون السبب , هو أنك فقط , تريد هذا ..
أن يكون التوقف لأي شيء عدا أن قدمك اشتبكت بالحبل الذي تديره يداك حولك بسرعة , فسقطت أرضاً كجوال بطاطس ممتليء !

الجمعة، 11 يناير 2008

ترمس



وتمضي الأيام كالمعتاد ..
وهذا هو تحديداً ما يؤلمني حد الجنون ..
دوماً أملأ الدنيا صراخا ً عن أن كل يوم هو شيء يستحق الوقوف أمامه , بصمت حتى ومراقبته ..
ولا أجدني قادراً على أي شيء من هذا ..
يصبح اليوم فقط شيئاً هلامياً مقززاً شبيهاً بالأمبيا .. لا معنى له إلا أنه اليوم , وأنه بسبب وجوده يوجد (غداً ) ويوجد( أمس ) .. وهذه وحدها مصيبة .. ألا يكون للشيء معنى إلا أنه يعني شيئاً , لشيء آخر .. ألا يكون كيانا ً واضحاً له ملامح واضحة يمكن تأملها وتمييزها عن غيرها ..
إكتئاب ؟!
أفكر في هذا الخاطر ثم أستبعده .. سأعرف لو كنت مكتئباً .. أنا فقط .. فلنقل .. في حالة أميبية لا أكثر ولا أقل ..
** ** ** **
تعود فيروز هذه الأيام تحديداًَ .. فيروز تأتي وقتما تحب هي , أنا عجزت تماماً عن تحديد الفترة التي أستمع فيها لفيروز .. هي فقط تأتي , فأجدني جالساً أستمع , تحدثني عن ليالي الشمال الحزينة , فأهز رأسي وأنا أحرك القلم في يدي في محاولة يائسة لإيجاد أي كلمة أكتبها ..
said,said,said I remember when we used to sit
In the government yard in Trenchtown
بوب مارلي وطريقة علاء ولي الدين رحمه الله في أداء هذه الأغنية تهاجمني فجأة , فأندمج في الغناء , وفيروز لازالت تصر على أن ليالي الشمال الحزينة لابد أن تذكرها , وأنا أصر على أن الغناء و وبوب مارلي مصر على الغناء هو الآخر في أذني , وتمازج ليالي الشمال الحزينة مع no woman no cry يصنع شيئاً هلامياً هو الآخر ..
** ** ** **
أميبا أميبا أميبا أميبا
** ** ** **
أحب أغنية بوب مارلي هذه لسبب بسيط , فضلاً عن الرؤية الفنية لعلاء ولي الدين , هو أنني كلما تذكرتها كلما تذكرت أبو صلاح , أحد أصدقائي الذين لا يستمعون تقريباً لأي أغاني غير عربية , وهو يعشق هذه الأغنية ..
إذن فما قلته أنا خاطيء .. هناك بعض الأشياء ربما تكتسب معناها من وجود أشياء أخرى .. لا بأس ..
** ** ** **
يسعد صباحك يا حلو .. يسعد مكان بتنزله
لما النسيم بيزونا .. عنك يا ولفي بنسأله
** ** ** **
كنت أذاكر تشريح .. التشريح مادة مهمة جداً و وأهميتها تنبع أن لا معنى لها , بالطبع هي مهمة لكن من فضلك لا تحاول إقناعي بأهمية حفظ مسار وريد لعين يسلك أغرب المسارات الممكنة في التاريخ وأتابعه أنا بقلمي الأزرق وعيني التي ستصاب بالحول , وانا أحاول معرفة هل سلك هذا الطريق أم ذاك .
أنام .
وأستيقظ .. لتكون أول كلمة أستقبل بها يومي هي : دا انا نمت ..
وأنفجر بعدها في حالة من الضحك الهستيري ..
جنون ؟
أفكر في هذا الخاطر ثم أستبعده .. سأعرف لو كنت مجنوناً .. أنا فقط .. فلنقل .. في حالة أميبية لا أكثر ولا أقل
** ** ** **
تمضي الأيام فعلاً .. أيامي فقط تخرج عن إيقاعها , لأقوم بتأجيل تجنيدي , وأعود بالإستمارة إياها للجامعة , ليقوموا هم بتبليغي أن تجنيدي قد تم تأجيله ..
أبتسم ..
يومي يخرج عن إيقاعه مرة أخرى حين أقوم بتجديد جواز سفري إستعداداً للرحيل بعد أقل من شهر ..
أستغرب شعور الإعتياد في كل ما أفعله .. أنا عادي جداً .. لا توجد أي مشكلة .. لا أشعر بشيء أساساً لأحدد هل توجد مشكلة أم لا .. فقط أقوم بالأمر بإعتيادية تامة ..
سعيد فعلاً أن سفري سيكون بعد عدة أيام من معرض الكتاب .. سيمكنني أن أرى إسمي مطبوعاً للمرة الأولى .. أستغرب حتى الشعور .. الكثيرون يقولون أنهم يشعرون وكأنهم على وشك حمل أول طفل لهم .. لكن شعوري مختلف تماماً .. ربما لا أعرفه لكني أعرف يقيناً أنه ليس الشعور بأني أحمل طفلي ..
أمسك جواز سفري بعد أن تم تجديده ..
كلّ العصافير التي لاحقت
كفي لى باب المطار البعيد
كل حقول القمح ،
كل السجون، كل القبور البيض
كل الحدود ،
كل المناديل التي لوّحت ،
كل العيون
كانت معي، لكنهم
قد أسقطوها من جواز السفر
كنت قد صممت على عدم التفكير في قصيدة محمود درويش هذه لكني ما أن أمسكت جواز سفري حتى وجدتني أغنيها .. مارسيل عبقري بالمناسبة .. ولم أستمع له منذ فترة بالمناسبة .. هذه الأيام أيام فيروز .. وفيروز فقط .. ربما القليل من ماجدة الرومي , لكنها أيام فيروز ..
** ** ** **
أحترف الحزن
** ** ** **
كنت في السايبر الذي أعتاد الجلوس فيه .. طلبت من العاملة قهوتي المعتادة .. طلبت مني أن أجرب القهوة باللبن .. إبتسمت .. هززت رأسي موافقاً .. حين جلبتها , ضحكت وطلبت مني أن أشربها بدلاً من القهوة لأنني : " لسه صغير " .. إبتسمت ثانية ووافقت .. من ساعتها لم أستطع أن أشرب القهوة في هذا المكان .. المؤلم هو حين أريد حقاً ان أشرب قهوة لكني أخاف من شيء مبهم لا أعرفه , أخاف من فكرة أنها طلبت وأنا لم أنفذ , وحين أفكر في من (هي) أصلاً أستغرب ..
قلت يوماً شيئاً عن (العشم) ولكنني أيضاً أعتدته حين يكون شكلاً من أشكال الصداقة .. أما هذا العشم فغريب حقاً .. غريب لدرجة أنني لا أجرؤ مطلقاً على كسره ..
** ** ** **
أمس أنتهينا .. فلا كنا ولا كان
يا صاحب الوعد .. خلي الوعد نسيانا
** ** ** **
وبعدين بقا ؟!
** ** ** **
كنت عائداً في طريقي المعتاد , حين وجدته .. بائع ترمس عادي جداً .. يقف خلف أسوار إحدى السينمات ..
كانت فرصة لي لأتأمل أفيش فيلم الجزيرة من قرب .. وقفت لبعض الوقت حين لمحته , حين نظرت له إبتسم , بادلته الإبتسام
_ " حلو الترمس دا يا عم ؟! " .. قلتها وانا أبتسم
ضحك ضحكة عالية للغاية وأشار للترمس بفخر وهو يقول :
_ " المية تكدب الغطاس "
ضحكت انا هذه المرة .. وخرجت صافية بلا شائبة ..
_ " قرطاس ولا كيس "
_ " لا .. قرطاس "
_ " تمام "
_ " إشمعنا يعني ؟ "
_ " عشان القرطاس هو اللي بيخلي للترمس طعم "
قالها وهو يمسك قرطاساً ورقياً كبيراً , يمسك بيده الأخرى بضع الشطة والملح الخشن .. يلقيه على مساحه معينة من الترمس .. ويرفعها في يده لتستقر في القرطاس ..
_ " لمون يا بية ؟ "
_ " لمون ماشي .. ليه بقا القرطاس بيدي طعم ؟ "
نظر لي ليحدد ما إذا كنت أمزح أم أتحدث جدياً .. ولما لاحظ نظراتي أنفجر في الضحك
_ " دا أنت عسل وربنا "
_ " الله يخليك يا رب "
_ " بس هي طعمها في القرطاس أحلى فعلاً "
_ " والله انت اللي عسل "
تشاطرنا الضحكات لفترة ثم أمسكت غنيمتي .. ومضيت في طريقي
بعد أن أنتهيت من الترمس .. كدت ألقي القرطاس , لكني لاحظت وجود حبه ترمس واحدة فقط ملقاه في القاع ..معلقة بين أطراف القرطاس الدائرية
لا أدري .. كان منظرها عبقرياً حقاً.. فككت القرطاس من أسفل ووضعتها في يدي وابتسمت طويلاً ..
** ** ** **
وسألونا وين كنتوا
وليش ما كبرتوا أنتوا
بنقلن نسينا
واللي نادى الناس
تا يكبروا الناس
راح ونسي ينادينا

الأربعاء، 26 ديسمبر 2007

.. أنا موجود


هناك أمور يصبح من الجنون والغباء أن نتجاهلها , أن نقف أمامها ونقول : " عادي " , ألا نفرح بها , أو نحزن , ألا ننفجر حين يجب علينا الإنفجار غضباً , وألا نرقص من السعادة حين يجب علينا .
إحدى دعواتي الدائمة أن يعطيني الله نعمة الدهشة .. ذلك الشعور العبقري الذي يهاجمني حين أكتشف كتاباً أحبه , أو أسمع أغنية أفتقدها , أن أرى عملاً فنياً يستحق الإعجاب .. وبالعكس ..أن أندهش من كل الغباء , والسطحية , والإبتذال الذي أراه كلما قلبت عيني ..
أن أندهش حين أكتشف أن نقودي قد نسيتها في البيت , وأن معي جنية واحد فقط .. هذا الجنية مهشم ومكرمش بشكل غريب , وأفكر كيف سيقطع سائق التاكسي عنقي .. وحين أقول له , يضحك ببساطة , ويقبل الأمر بمنتهى الغرابة , فأندهش أنا .. ولا آخذ الأمر وكأنه مسلمة من المسلمات ..
** ** ** **
منذ بضعة أيام وجدت أغنية بلهاء جعلتني أبكي كالأطفال ..
يقول الراوي , وهو أبي هذه المرة , أنه يوماً ما , من زمان جداً , حين كنت أنا في الثانية أو الثالثة من العمر , كان يركب سيارته الفيورا القديمة , تلك التي لا أعرف كيف يعتبرها البشر سيارة , رغم أن أبي حتى هذه اللحظة يحب الحديث عنها بإعتبارها الحب الأول ..
المهم أنه كان يسمع الراديو .. حين سمع أغنية إسمها 3 فرسان .. أبي أعجب بهذه الأغنية بشكل غريب , وسمعها , ثم حصل عليها , فقط ليغنيها لي لأنام ..
كانت هذه الأغنية إحدى أغاني المهد التي داوم أبي لفترة طويلة على غناءها لكي أنام ..
منذ بضعة أيام وجدت هذه الأغنية .. وجلست أبكي وأنا أضحك ..
3 فرسان كانوا راجعين من غزوة .. كانوا راجعين من غزوة يا سلام .. كانوا راجعين من غزوة .. أمفش .. :)
** ** ** **
هناك جامع جميل جداً بدأت أصلي فيه من فترة .. أنا أمر عليه منذ فترة طويلة للغاية لأنه يقع في طريق جامعتي .. لكنني لم أكن ألحظه أصلاً على ما يبدو ..
المهم أن هذا الجامع فيه ميزة رائعة الجمال .. أن الرصيف المقابل له يحتله أحد باعة الكتب المستعملة .. يفرش على الأرض بقطعة عملاقة من القماش , ويرص فوقها الكتب حسب أحجامها ..
بعد الصلاة إتجهت نحوه ووجدت (قالت ضحى) لبهاء طاهر بحالة ممتازة !
بهاء طاهر هو أحد الذين أكتشفتهم من جديد في هذه الفترة .. لا أعرف حقاً كيف لم ألاحظ كل هذا الجمال والشفافية في كتاباته .. المهم أنه الآن يحتل عندي منزلة عالية للغاية ..
(قالت ضحى) كان بحالة ممتازة .. هو أحد إصدارات دار الهلال هذه المرة وكان الثمن هو خمسة وسبعون قرشاً لا غير .. نظرت للبائع محاولاً إيجاد أي ملامح للسخرية في وجهة ولم أجد .. شعرت للحظات بتأنيب ضمير ساخر جداً (ضميري هو الوحيد الساخر على ما يبدو) .. بهاء طاهر وأحد كتبه الرائعة الجمال بخمسة وسبعين قرشاً .. المهم أنني أخرست ضميري الساخر وأخذت الكتاب ..
تحركت عدة خطوات .. قلبت في الكتاب سريعاً ووجدت الصورة ..
إبتسمت وأنا ألمح الطفل .. من لا يمكنه أن يفعل تجاة هذه الإبتسامة .. قلبت الصورة
ووجدت الخلفية التي تقول :
( أخذت هذه الصورة على شاطيء المندرة بالأسكندرية في يوم الأربعاء 12 أغسطس 1964 ..)
هذا (الطفل ) كان (طفلاً) منذ 44 عاماً ..
لو فرضنا حسب الصورة أنه كان يبلغ الرابعة أو الخامسة من العمر .. فهو الآن في الخمسين من العمر
هذا (الطفل) أصبح الآن في الخامسة والخمسين من العمر! ..
لم أستطع النطق حقاً من روعة إكتشافي ..
من جمال ملامحه .. من روعة النظرة ومن صفائها .. من جمال الموقف نفسه ..
من مجرد أن كل هذا , وقع في يدي أنا في النهاية .. وهي الفكرة التي جعلتني أبتسم طويلاً .. هذه الصورة أخذت عام 1964 , ووصلت ليدي في عام 2007
يفصل بين التاريخين عمر كامل .. كيف يمكن للمرء ألا يصاب بالجنون بعد كل هذا ؟!
فقط أدعو الله أن يديم علي الإكتشافات ..
وأهم إكتشاف أنني على صواب في وساوسي .. لأنني مغرم بكتابة التاريخ على كل ما يتعلق بذكرى لي .. على تذاكر القطارات .. أكياس الشيبسي , أغلفة الشيكولاتة .. على الصور وعلى الملابس القديمة أحياناً ..
أن أطمئن .. فحين تقع إحدى تذكاراتي التي أضعها في كتبي دائماً في يد شخص ما , سيعرف أنني كنت هنا .. أنني وجدت يوماً ما
يمكن لي الآن أن أقول بكل ثقة ممكنة أنني أندهش .. إذن فأنا موجود

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2007

وتر عود

.. يبدأ اليوم بداية جديرة بما سيحدث فيه حقاً
يوقظني منبة الهاتف للمرة الألف ربما .. بعد سهر الأمس الطويل سيصبح وقوفي حالة إعجازية ..
لم أستطع النوم ببساطة .. يبدو الأمر صعباً لكن أرباب الكوابيس من أمثالي يغدو هذا الأمر بالنسبة لهم كفترة راحة بين شوطين ..
لهذا قررت أن أقضي الليلة في القراءة .. أنبني ضميري للحظات .. إمتحاني يوم الثلاثاء ولا تبدو الأمور مبشرة بخير مطلقاً .. أو فلأقل أنها فعلاً ليست بخير ..
لكنني قررت أنها طالما "خسرانة خسرانة" فلأكسب أي شيء ..
( ن ) لسحر الموجي إذن هي البديل الطبيعي لكتاب الكيمياء الحيوية المقيت ..
والطبيعي أيضاً أن أظل حتى الرابعة والنصف صباحاً أقرأ , ثم أقرر في صحوة ضمير مفاجأة _بعد أن أنتهت الرواية_ أن أنام عشان "ورايا سكاشن بكرا يا عالم .. العلم مستني "
أنام لمدة ساعة تقريباً , ثم أستيقظ مرة أخرى لأصلي الفجر .. وأفكر أن رنة الموبايل عبقرية .. منذ فترة أضع رنات عبقرية على هاتفي .. وهو شيء غريب لأنني قمة الوسوسة والمرض النفسي في هذه الأمور ..
أعود للنوم بعد الصلاة ..
نعود الآن للنقطة الأصلية بعد وصف أحداث اليوم السابق ..
أنا .. يوقظني المنبة (رنته عبقرية هو الآخر بالمناسبة) بعد محاولات عدة .. أمسك الهاتف .. أنظر في شاشته .. امممم .. الساعة الآن التاسعة والنصف .. يعني أنا نمت .. لحظة .. يا نهار أسود
السكشن .. العلم .. الغياب يعني ..
فترة طويلة مرت علي وانا غير منتظم في سكاشني .. كنت قررت أن هذا الأسبوع هو بداية أسبوع التصحيح .. وأنني منذ هذا الأسبوع سأصبح طالباً مثالياً .. والبداية مبشرة فعلاً..
أرتدي ملابسي كيفما أتفق .. أخرج فأصدم قدمي بالباب .. تنفجر أصابعي من الألم .. المشكلة أنني كالأبلة أعود فأركل الباب من غيظي , وأعود لأتكوم مرة أخرى على الأرض , ثم لا أستطيع منع نفسي من الضحك ..
يستقبلني الشارع بعدها .. أحاول أن أفكر بطريقة إيجابية .. الحياة لم تنته يعني عندما أتأخر ..الحياة ممتعة .. وانا مستمتع جداً بحياتي .. حسناً .. الكذب حرام على ما يبدو
الحياة غبية .. وهي مصيبة لأني متأخر عن مواعيدي .. وأنا غير مستمتع على الإطلاق ..
كما أن الشعور بالذنب يخنقني ..
أتجاهل الأمر قليلاً .. وأشير للتاكسي المتهالك الذي ظهر
** ** ** **
محاضرة طويلة تُلقى على مسامعي عن أهمية العلم وأهمية إحترام المواعيد ..
يبدو أنني أصبح شيئاً فشيئاً قطعة من حجر .. لو كنت سمعت هذا الكلام منذ عام واحد لملأت الدنيا عويلاً .. لكنني أستمع الآن ثم أدخل ويكون أول سؤال يخطر على بالي : "خدتوا الغياب ولا لسه ؟ "
وأتنفس الصعداء حين أسمع الإجابة بالنفي
** ** ** **
بعد إنتهاء اليوم .. أكتشف أنني أضعته في الهواء .. كالعادة ..
أحب أحياناً أن أفكر في مشاعري على أنها عناصر بلهاء ..
حسناً
هناك بالطبع الغضب .. تأنيب الضمير .. شعور بالذنب .. شعور بعدم الجدوى .. إحساس أنني أريد أن أفعل كل شيء الآن وإلا فليذهب كل شيء إلى الجحيم .. عايز أكتب .. مش عايز أكتب كلمة .. إرهاق غريب ..شعور أنني أبلة لأنني أحلل مشاعري كوصفة طهي ..
أنه وقت مارسيل خليفة يا سادة

السبت، 13 أكتوبر 2007

.. رمضاني

.. غالباًَ يكون يوم الأربعاء طويلاً
سأحكي يوماً عن كيف أرى الأيام لكن هذا ليس موضوعنا الآن ..
المهم أنه كان يوماً طويلاً
انتهت محاضراتي وأتخذت طريقي ذاهباً للسايبر .. كان الطقس حاراً هذا اليوم , كنت فعلاً سأسقط من نقص المياة في جسمي حين قررت أن أغير طريق سيري اليوم ..
لم أمض في الطريق إلا ثلاث دقائق .. حتى وجدت الفتى .
الفتى هو أحد أصدقائي المقربين من السنة السادسة ..ولإعتبار رؤيته (حدثاً ) سبب مهم :
السنة السادسة في الكلية حالياً يتم طحنهم وتفتيتهم وممارسة كل أنواع التعذيب عليهم عقاباً لهم على ما يبدو على الفترة الطويلة التي قضوها تحت الشمس لا يفعلون شيئاً إلا أثارة غيظنا _نحن الفرافير_ بكم النشاطات المخيف الذي يقومون بها , من رحلات , معارض , تهريج , قلب راوندات , وكل ما يجعل الـ"فرافير" يشكون في وجود كلمة العدالة في الكون
المهم أننا أقتنعنا الآن بمبدأ العدالة ونحن نراهم يمسكون الكتب كما كنا نفعل نحن ويسألون بعضهم : "هي المحاضرة في أي مدرج "
كل هذا يغري حقاً أن أستمتع مع الفتى بكم ذل سيكفيني لمدة ثلاث سنوات من الآن .. لكني لم أفعل ..
قابلني بهدوء _وهو أبعد ما يكون عن ذلك_ وسلم علي ..
" أزيك يا أحمد ؟ "
"تمام .. أزيك أنت "
هز رأسه ..
" أنت رايح فين ؟"
سألني ..
" ماشي بقا .. انت رايح الجامعة "
"اه .. تيجي معايا ؟ "
قررت أن الوقت لازال معي , وأنني فعلاً مفتقد الحديث معه ..
مشينا قليلاً لأجده قد بدأ في الغناء ..
"ف كل حي ولد عترة ..
و صبية حنان
وكلنا جيرة وعشرة وأهل وخلان "
ملحوظة مهمة .. الفتى يملك صوتاً في غاية الجمال , وهو _على حد تعبيره_ لو لم يغن فلا أحد يستحق الغناء في هذا العالم .. دعك من هذا الغرور اللذيذ لكنه فعلاً يملك صوتاً بديعاً ..
" ماتغني أنت ساكت ليه ؟ "
يقول ..
" بسمعك "
" غني ياض "
أخي الكبير حين يقول لي "ياض" أتقبل الأمر , وأغني رغم صوتي الذي لا يملك أي مقومات جمال من أي نوع :
" زمانه ماشي بخطوة يضم
زمانها كبرت وبقت أم ..
زمان ضناهم في المدرسة كنز الأوطان "
يصمت هو فجأة ثم يقول : " همممممم" ..أفهم أنه يبحث عن أغنية أخرى .. لا إعجاباً بصوتي لا سمح الله طبعاً ..
" علي عليوة .. يالي .. ضرب الزميرة .. يالي .. وضربها حربـ.. لا مش حلوة "
قرر هو أن يغني شيئاً آخر :
" بعد ما أدا وبعد ما خد ..
بعد ما هد وبنا وأحتد
شد لحاف الشتا من البرد
بعد ما لف وبعد ما دار .. أنت ما بتغنيش ليه ؟ "
كنت أنا متوقفاً عن الكلام .. عن السير .. فقط أنظر له بذهول ..
"ايه يابني فيه ايه ؟ "
أحرك رأسي وأنا لا أصدق ما أنا فيه ..
" هي دي الأغنية بتاعه حط الدبلة وحط الساعة .. "
بدلاً من أن يجيب يغني وهو يبتسم ..
" حط سجايرة والولاعة .. علق حلمه على الشماعة .. الي قضى العمر هزار .. والي قضي العمر بجـ .. "
" يا نهار مش معدي " .. أكاد أصرخ وأنا أقول .. أكاد فعلاً أصرخ ..
أقول وأنا لا أعرف كيف يخرج مني الكلام .. فقط كلام متناثر لا معنى له إلا جملة واحدة :
" يخربيتك أنا بدور على الأغنية دي بقالي 5 سنين إن مكنش أكتر "
ينظر لي بذهول :
" إزاي يعني "
يبدأ كلامي في الهدوء :
" والله العظيم .. مسبتش مكان على النت محمد منير ليه اغاني فيه إلا ودورت على الأغنية دي .. مسبتش بجد .. "
هذه الأغنية رأيتها .. سمعتها .. اصطدمت بها.. لا أعرف تحديداً .. المهم أنها صادفتني مثلاً وعندي 14 سنة أو شيء من هذا القبيل .. رأيتها عندما كنت في الخارج مرة واحدة .. وظلت على بالي لكل هذه الفترة .. تحديداً جزء : " علق حلمه على الشماعة "
الذي همت به حباً .. لا أعرف لماذا لم أستطع الوصول إليها .. ولا أعرف كيف أصف شعوري حين وجدتها تأتي هي إلي بهذه البساطة الخرافية .. صديقي يدندنها ..
لن أصف _لدواعي إحراجية بحته_ تصرفاتي الطفولية في وسط الشارع فرحاً أني وجدت الأغنية ونظرات الفتى المُحرجة التي يحاول أن يقول فيها للناس : " أنا معرفهوش والله .. هو الي شبط فيا " ..
فقط سأقول أنني أحسست به سعيداً .. سعيداً لأنه أسعدني .. وكنتيجة لذلك : سعدت أنا لأنه سعيد بإسعاده لي ( طبق طبقنا في طبق طبقكوا)
حين ودعته وسرت في الطريق مرة أخرى كنت أضحك .. أضحك بطريقة غريبة فعلاً وأنا أغني :
" اللي قضى العمر هزار .. واللي قضى العمر بجد .. شد لحاف الشتا م البرد "
لأسباب كهذه كان رمضاني مميزاً .. أشياء كثيرة وجدتها بعد أن كانت مجرد تهاويم في رأسي , تصبح حقيقة مرئية بنفس واقعية الأغنية ..
** ** ** **
الصوفية ..
لن أتحدث عن المذهب , وأنا لست صوفياً بالمناسبة , فقط سأتحدث عن كوني أتحدث ليلاً في مكالمة تليفونية عن الصوفية وجملة محمود درويش : " فإن البصيرة نور يؤدي إلى عدم أو جنون " وعن كوني في وقتها أكتب قصة قصيرة (أسميتها فيما بعد بصيرة ) وأستيقظ بعدها لأجد أن العدد القادم من جريدة أخبار الأدب سيكون عن لمولانا جلال الدين الرومي
التهاويم التي أراها الآن أمامي بنفس صدق الورقة والقلم
** ** ** **
عن كوني في الصباح .. أقرر أن أبدأ قراءة (سفر البنيان ) لجمال الغيطاني مرة أخرى.. وأكتب جملة (لتمام الظهور لابد من غياب) في دفتري الأثير ..
لأركب مع سائق تاكسي يقوم بتحضير رسالة في شيء ما و (نجيب محفوظ نموذجاً) وليشكو لي بصدق غريب ما يعانيه من ضيق الوقت , فأقول له جملة الغيطاني .. وأشبهها له بمبدأ البذرة التي لابد لها من غياب طويل حتى تظهر على حقيقها .. كما يُراد لها
ليصمت هو ويشكرني .. ويرفض أخذ قرش مني بعد التوصيل ..
تهاويم تصبح واقعية بنفس روعة السخاء
** ** ** **
سايبري الأثير إلى نفسي يغلق أبوابه قبل الإفطار .. يبدأ الترحيل الجماعي لنا معشر المقاطيع الذين يجلسون حتى الخامسة بلا أي مشاكل .. بإعتبار أن الأكل على الله ..
ولأشبه أنا في داخلي ما يحدث لنا بذئاب الجبل .. تحديداً أغنية الحجار البديعة في هذا المسلسل : (جالو علينا ديابا وأحنا يا ناس غلابة .. يا مغنواتي غني حكايتنا ع الربابة )
في يوم قلتها لصديقي مدير السايبر , ليغرق في نوبة ضحك .. وأجده يشكرني .. يشكرني فقط لأنه ضحك ..
تهاويم تصبح الآن , واقعية قدر فطرية إنفعال الضحك ..
** ** ** **
أنتهى رمضان .. وأنا سعيد
لو أننا شبهنا الأمر بموضوع (قبل) و (بعد) كما يفعلون في جراحات التجميل .. سيكون واضحاً جداً ما طرأ علي من تغيير ..
أنا تغيرت حقاً .. وتغييري الذي كنت أعتبره مستحيلاً في الواقع أصبح واقعاً .. كـ .. كـ .. كالواقع ..
** ** ** **
شكراً .. :)

الخميس، 27 سبتمبر 2007

Nostalgia

.. حنين غير مبرر لأشياء غير مفهومة
لعالم لا تعرف حتى أين يمكن أن يكون .. كل ما تعرفه أنك تنتمي هناك لا هنا .. كل ما تؤمن به أنك أصلاً من هناك , لكن لشيء لا تعرفه أنت .. أصبحت هنا ..
ربما يظهر هذا في بضعة أشياء من هناك .. من أناس يأتون كل حين وحين لك ليقولوا لك أنك هناك معهم تنتمي أصلاً , لكنك لابد أن تظل هنا .. ربما لكي تظل تحس بهم ..
لكنك تراهم ..
ربما تسمع (فيروز) وهي تتلاعب بصوتها , تفهم ساعتها الرسالة التي تود أن توصلها لك , لكنك لا تقول .. سرك الذي تحتفظ به في قلبك , ربما حتى لو حاولت أن تشرحه لن تفلح ..
ربما تراها في آهة من آهات (كاظم الساهر) ! .. تفهم الرسالة فوراً .. تعرف ماذا يقول .. تعرف ماذا يقصد .. لكنك لا تستطيع حتى ان تصف هذا لنفسك .. تعرف .. ربما المشكلة هي انك تعرف .
وتعرف أن المسألة ليست بهذه البساطة .. وليست بهذه السهولة .. قط مراوغ .. حينما تتحدث معه تشعر وكأنه يسمعك , ويفهمك .. فقط حاول أن تلفت أنظار الآخرين له .. ساعتها سيبدو كأغبى قطط الدنيا أمامهم .. وربما ينظر لك نظرة عتاب بعد أن يديروا ظهورهم بلحظات ..
قلت لها يوماً أن عود (مارسيل خليفة) يقتلك من الداخل , لم تتركك ساعتها أن تكمل كلامك .. فقط قالت لك لا تتحدث عنه , لا تفسد جماله .. ربما كانت هذه البداية .. لكن النهاية لم تترك لك فرصة للتفكير في كلمة (ربما)
جويدة .. محفوظ .. المخزنجي .. نزار .. تعبيرات الحجار .. موسيقى خيرت .. حتى صراخ linkin park الجنوني ..
حتى ضغطات محمد منير على حروفه .. كلها ذات الشيء .. كلها نفس الصورة .. فقط أزل الزخارف التي تحيط بكل منهم .. أحفر بأظافرك وحاول أن تصل للأصل .. ستجده شيئاً واحد .. ستجد علامة بسيطة تقول انه من هناك
كلهم يحدثونك .. كلهم يطلبون منك الصبر , وأنت كالطفل الذي يعرف أن الملاهي على بعد شارع من منزله , لكن الجميع يتصرفون وكأن عيونهم عميت عن الإدراك .. تكاد تصرخ في جنون , لكن وجهاً ما يظهر لك .. يضع سبابته أمام فمه المضموم .. ويطلب الصمت منك .. يطلبه لا بأمر جاف .. لكن و كأنه رجاء يعرف صاحبه أنك قادر على أداءه ..
تنتظر ..
في هدوء تنتظر ..
تنتظر و أنت تعي تماماً أن لا جدوى من الإنتظار .. أنت هنا الآن .. ولن يتغير الوضع ..
تستسلم في هدوء .. ومازال أقرباءك هناك يناوشونك كل حين وحين .. وتعرف أنهم يحبونك , كما تحبهم ..
فتنتظر في سكينة , و على وجهك بسمة تحمل كل المعاني .
لكن المعنى المؤكد .. أن في قلبك حنين غير مبرر , لأشياء غير مفهومة ..

الاثنين، 10 سبتمبر 2007

كوابيسي الجميلة

.. دائماً ما أحلم بكوابيس
ولكن كوابيس هذه الفترة بالذات من نوع خاص . تكون أحداث الكابوس هي نفس ما حدث في أمر من أمور حياتي , ولكن .. مع فارق بسيط , أنها تصبح أسوأ .. تتطور الأحداث بشكل غريب لتصبح أسوأ بكثير مما أعيشه .. أكثر تعقيداً .. أكثر صعوبة ..
بالطبع أصحو من النوم شاعراً بإنقباض , لكنه لا يلبث أن يتلاشى , بل ويحل محله شعور راحة غريب لأن حياتي كان بإمكانها بكل بساطة ..
أن تكون اسوأ ..

الثلاثاء، 24 يوليو 2007

.. كنت

وانا طفل صغير كان أبي يصطحبني إلى شوارع كثيفة الأشجار
كان الشجر يكاد يلامس الأرض من فرط ضخامته .. كنت أمشي منبهراً بما أراه أمامي , ومملوئاً بشعور أقرب للحسد على كل هؤلاء الرجال ضخام القامة الذين يحنون رؤوسهم حين يمرون من تحت تلك الأشجار ..
يومها تمنيت من الله يوماً أن أحني رأسي حين أمر من تحت شجرة .
الآن أمشي من تحت ذات الأشجار .. ذات الأشجار ربما .. هذه الأشياء تبقى دوماً كما كانت .. وأنا أحني رأسي الآن كلما مررت .. فوجئت بنفسي أدعو الله أن يعيدني كما كنت .. مجرد طفل أبلة يركض بين الأشجار بدون أن يضطر كل مرة لإحناء رأسه .. ولن أدعو الله ساعتها أن أحني رأساً كلما مررت من تحت شجرة .

الخميس، 3 مايو 2007

شكراً

تغيرت كثيراً_
تمتمت وهي تراني ..منذ فترة لم أعد أملك الرغبة حتى في تحديدها
_أنتِ على العكس تماماً ..لازال جمالك يقتل قتلاً
صمتنا .. تنهدتُ .. نظرت لها طويلاً .. لم أعرف حتى فيم أفكر ..شيء ثقيل يجثم على صدورنا في أوقات غريبة فيجعل مجرد الكلام فعلاً بطولياً ..فقط نظرت لها بدون أن أنطق بحرف .. تأملتها ربما للمرة الألف منذ وقعت عيناي عليها .. وجدت نفسي أقول دون تفكير في معنى كلامي حتى :
_ شكراً .. شكراً لأنك تذكرتني طوال هذه المدة ..
اختلجت شفتاها .. لمحت الدمع في عينيها يجاهد للظهور , وساد صمت أقوى من صمتنا الأول .. ثم قالت في لهجة كساها الدمع , فأصبحت وكأنها تخرج من شخص آخر غير الذي أراه أمامي :
_ لا تشكرني على شيء ليس بيدي ..
وانفجرت في البكاء

الثلاثاء، 3 أبريل 2007

.. بؤس

..أصاب فجأة بحالة من الملل المرعب
كنا في وسط سكشن في الكلية والدكتور مستمتع على ما يبدو بحالة البؤس والشلل والملل وكل الأمراض المتوطنة التي نعاني منها .
_ يبقا لما الـ T wave تبقى مقلوبة في الـECG (جهاز رسم القلب ) يبقا الراجل تعبان .. ما تقولش دي خلقة ربنا .
وتتصاعد الأصوات المكتومة من حولي :
_حرام عليك يا مفتري ..انت قلت الدوعابة دي خمسين مرة ومحدش فتح بقة عشان يكح بس مش يضحك ..
_الراجل دا فاكر نفسة يونس شلبي ولا إية ؟ إيه الخفة دي يا عم
_ لأ سيادتك الظاهر بس كان هو واقف على راسه فالموجة قلبت
_هو الراجل دة ليه ماما زينا
_إشمعنا ؟
_ماولعتش فيه لحد دلوقتي إزاي ؟!
تتصاعد حالة الملل العادي لملل مرعب ..أنهض من مكاني وأتقدم ناحية الدكتور ..أخترق جموع البشر أمامي وأنا حقاً في حالة القاع ..سأنصرف ..حرام يعني ..ولو رفض ..سأضربه ..حرام بجد ..
تتصاعد الضحكات : (أحمد يا مجنون ..أعقل بلاش تهور) ..(هاتروح بلاش يا وليدي ..ماتوديش نفسك في داهية )
_دكتور ..لو سمحت أنا هستأذن
_نعم يا اخويا ؟! ..
آآآآآآآآة ..انا هترفد من الكلية ..مش مشكلة ..متعة ضرب الراجل دة تعادل 100سنة شغل ..مش مشكلة
_هستأذن ..
أنطقها بهدوء لأريح ضميري .
_فاكر الكلية صالون ولا إيه ..يعني إيه تستأذن ..فيه إلتزام ..فيه ..
أقاطعه :
_معلهش أصل واحد عزيز عليا بيودع
تعلو الضحكات المكتومة لدرجة الوضوح ..ينظر لوجهي ويجد ملامحي جامدة في حين أمسك ضحكاتي بصعوبة ..
_حطيت الكارنية ؟!
بدأ يلين إذن ..
_آة
_هتتاخد غياب طبعاً ..
أكرر من وراءه بلهجة سخرية لا يمكن إمساكها : _طبعاً
_طيب ..
ثم يشيح بوجهه عني ..
علامة الهزيمة الأولى ..أكاد أرقص
أخرج وأتعمد ترك الاب من خلفي مفتوحاً ..الحرية .
أنزل من المبنى لـ(حوش المدرسة) كما أصر على تسميته ..المكان أتوبيس بلا وصف آخر ..أشق طريقي بصعوبة وسط جموع البشر كلاكيت تاني مرة ..أعبر كافيتيريا الكلية ثم أقرر أن أشرب فنجان قهوة قبل أن أفعل شيئاً آخر ..أذكر نفسي بأني سأقلع عن القهوة ..8 فناجين يومياً شيء غير لطيف ..بالتأكيد سأفعل ..لكن ليس اليوم ..آخذ كوب القهوة الورقي وأحاول الإبتعاد عن الكافيتيريا فالزحام بشكل عام ..
_أحمد ..أحمد
يقترب الصوت مني فأدير رأسي لأري إحدى زميلاتي ..لا أتذكر إسمها ..اللعنة .. مع أصدقائي هناك حلول ممتازة تتلخص في (ياباشا)..(يا معلم ) .. (يا كبير)
لكن الحل هنا يتمثل في طريقة أخرى ..الهجوم :
_إيه يا بنتي الغيبة الطويلة دي ..
_غيبة إيه ..أنا كل يوم هنا ..
أرسم على وجهي أفظع علامات الإندهاش : _ بجد ما بشوفكيش يعني ..
_لا والله باجي كل يوم
_غريبة .. ثم أهز رأسي متأملاً في حكمة الكون
_سمعت الي حصل ؟
_خير ؟
_الدكتور هيستلم الشيتات الأسبوع الجاي ..
_نعم ؟
_آة والله ..قال الكلام دا ف المحاضرة
_هو فيه حد بيحضر له أساساً ..
_طلع فيه ..
_مين المرضى دول .. ثم أهز رأسي متأملاً في حكمة الكون
تضحك هي فتظهر لها غمازتان ..أفكر أن الغمازات دوماً تظهر في أوقات سيئة رغم أني أحب شكلها
_طب وهنعمل إيه دلوقت ..أنا مكتبتش حرف في البتاع دا ..أنا أساساً معرفش هو فين
تضحك هي مرة أخرى : _ فيه ورق ممكن تصوره وتنقله
_مين الدحيح الي عامله ..
_الدكتور
_نعم ؟ !
_آة والله ..دا الي سمعته
_لحظة بس هنا ..يعني أحنا هنكتب شيت ونديهوله والأجوبة الي فيه هو منزلها لنا عشان نصورها
_إكزاكتلي
أهز رأسي متأملاً في حكمة الكون
_هشتريه وأمري لله ..هو مش ف المكتبة
_اه
_خلاص ماشي
_ماشي يا أحمد .. مش عايز حاجة
_الله يخليكي يا رب ..شكراً _ على إية ولا يهمك ..سلام
_سلام
تبتعد قليلاً فتمر في ذهني قائمة لطيفة من البشر .. ثم قائمة ألطف من الشتائم .. (الله يخرب بيت كدا)
أمر على المكتبة ..الورق ..كلام كلام كلام كلام ..ثم أقرر ..أنا همشي بقا ..كفاية كدة بقا عليا اوي
اتعمد في طريقي المرور على فرشة الكتب التقليدية كما أفعل كل يوم ..أمر على الرجل
_السلام عليكم
_وعليكم السلام ..إزيك يا دكتور .
_زي الزفت يا عم محمد ..زي الزفت
_لاحول ولا قوة إلا بالله ..ولا يهمك يابني ..كل الحاجات دي بتعدي ..
_غالباً إحنا الي بنعدي وهي بتفضل يا عم محمد ..
يسكت الرجل ولا ينطق ..لابد أن مئة ألف شخص قالوا له هذا الكلام قبلي .
أركع على ركبتي وأبدأ بتفحص الكتب مبتسماً كما أفعل كل مرة لأني أتذكر كلمة عم محمد التي قالها لي يوماً .."محدش بيركع وهو بيبص على الكتب إلا لو كان غاوي ..مع أن تحتيه الفرشة والبنطلون مش هيتوسخ ..بس محدش هينزل للكتب إلا لو كان غاوي"
استغرق تماماً في تقليب الكتب لولا أنه يخرجني _عم محمد_من الغيبوبة قائلاً:
_ أنا هروح أصلي الظهر بقا يابني ..لو خدت حاجة سيب تمنها تحت الكتاب الكبير دا ..
وأشار لكتاب محمد حسنين هيكل ..خريف الغضب .
أفكر للحظات ..هل سيترك الفرشة وحدها ..لم آت في هذا الوقت المبكر نسبياً ..ولم أره يترك الفرشة مع أي شخص كان ..أفكر ..هل يتركها معي أم ماذا ..لكنه قال لي بأن أترك ثمن الكتاب ..
_معلهش يا عم محمد ..أنا هضطر أمشي ..
_عادي يا بني ..بقولك لو خدت حاجة حط تمنها وخلاص ..
_وهتسيب الفرشة لوحدها ؟!!
ينظر لي بدهشة للحظات ثم يقول في لهجة غريبة :
_مين دا الي هيسرق كتب يابني ؟!
يضحك
أغتصب إبتسامة من فمي وأنا أراقبه يبتعد ..
ثم أهز رأسي متأملاً في حكمة الكون .

المتابعون