الثلاثاء، 30 سبتمبر 2008

خذني لأكبرَ , خذني لتصغرَ


قال لها: ليتني كنت أصغر...
قالت له: سوف أكبر ليلاً كرائحة
الياسمينة في الصيف
ثم أضافت: وأنت ستصغر حين
تنام، فكل النيام صغارٌ، واما أنا
فسأسهر حتى الصباح ليسودَّ ما تحت
عينيَّ. خيطان من تعب متقن يكفيان
لأبدو أكبر. أعصر ليمونة فوق
بطني لأخفي طعم الحليب ورائحة القطن.
أفرك نهدي بالملح والزنجبيل فينفر نهدايَ
أكثر /
قال لها: ليس في القلب متسع
للحديقة يا بنت... لا وقت في جسدي
لغدٍ... فاكبري بهدوءٍ وبطءٍ
فقالت له: لا نصيحةَ في الحب. خذني
لأكبرَ! خذني لتصغرَ
قال لها: عندما تكبرين غداً ستقولين:
يا ليتني كُنتُ أصغر
قالت له: شهوتي مثل فاكهةٍ لا
تؤجَّلُ... لا وقت في جسدي لانتظار
غدي!




( قال لها ليتني كنت أصغر .. محمود درويش )


الأحد، 21 سبتمبر 2008

.. ولا حتى


معرفش ليه تنحت للدنيا كدا
وفجأة لقيتني مسكون بالملل
لا عندي رغبة في البكا ولا في الكلام ,
ولا عايز أنام ,
ولا حتى بسأل إيه دا إيه ، و آخرتها إيه ، وإيه العمل ..
حالة كدا ..
وأخاف أقول لأي حد .
أحسن يقوم يقلبها جد ..
حد صاحبي ينزعج ,
يمد إيده جوا قلبه من باب الكرم ، عشان يشاركني الألم ..
أو يستلف لي من لئيم حبة أمل ..
حالة كدا .. معرفش إيه ..
حالة كدا , ملهاش معاد ..
ساعات تزورني في الشتا , في الربيع , في الحر ,
و في عز الشتا ..
وتجيب حاجات لا فيها روح ولا ميتة ..
حالة كدا ..
لا معاها ينفع كلمتين , ولا غنوتين
ولا لقطة من ألبوم صور ,
ألاقي قلبي في الهوا ويّا الكور ..
أخاف أقول لأي حد , أحسن يقوم يقلبها جد ..
حالة كدا , معرفش إيه
لكني برجع منها بعد السكات , فاكر شوية , فاهم شوية في اللي فات
حاسس أوي بحضن الصحاب ..
محظوظ انا ..
سعات بشاور يتفتح لي ألف باب ..
لكني برجع , وبغلط في الحساب ..


( حالة كدا .. علي سلامة )

السبت، 6 سبتمبر 2008

فـسـتـان وجيـبـونـة


كنت في غاية التعب , ربما لهذا لم ألحظ أن صديقي توقف فجأة عن السير إلا بعد أن تحركت مسافة لا بأس بها . لم يبد هذا غريباً , حين ينمو إرهاقي بشكل أسطوري , تصبح مسألة إدراكي لما يحدث حولي في حكم عجائب الدنيا ..
نظرت خلفي , وجدته واقفاً , يبتسم , وينظر عبر الشارع للناحية الأخرى , مددت بصري , وانتقلت لي مباشرة عدوى الابتسام هذه .
" ابتسام " .. هكذا تمتمت , وسط ضحكة صغيرة احتلت وجهي , وتركت بقايا ابتسامة بعدها , وأنا أتحرك لأعود للمكان الذي توقف فيه صديقي متابعاً إياها .
لفترة طويلة نسبياً , كنت أرى ابتسام بشكل يومي .. نقضي _كمجموعة عمل _ ما يقارب السبع ساعات . استمرت مجموعة العمل هذه ما يقارب الستة أشهر , ضحكنا فيها ما يقارب الخمس والنصف كما قال مديرنا في الجلسة الختامية , وهو يرمق الجالسين بنظرة لوم , قبل أن يثبت تلك النظرة على ابتسام تحديداً , بنظرة عتاب لم تفلح في إخفاء الضحكة المستترة خلفها , تلك التي انفجرت عندما قالت ابتسام بجدية شديدة أن نصف الشهر هذا هو الفترة التي قضاها هو في الخارج , وأننا أتممنا المدة بأكملها ضحكاً والحمد لله .
عند انفصال المجموعة , نالت هي أكبر كم ممكن من الهدايا يمكن تخيله .. لم أندهش كما فعل واحد منا وهو يرمق الهرم الصغير من العلب , زاهية التغليف , على مكتبها .
ابتسام كانت ملكة متوجة , لها حكمها الشامل علينا جميعاً , بلا أدنى شك ..
وقفت أنا وهو ننتظر عبورها الشارع .. ذلك العبور الذي تأخر قليلاً , ليس من كثرة العربات المارة , بل من خوفها الطفولي هذا . ضبطتها أكثر من وهي تنظر نحو اليمين مرة ثم نحو اليسار , رغم أن الشارع كان في الواقع ذو اتجاه واحد لا غير.
ضحكت , وصممت أن أقول لها هذا الأمر لأثبت لها أنني لازلت صاحب الملاحظات الذهبية كما كانت تطلق عليّ ..
ثم تحركت أخيراً , وبدأت تقطع الطريق .
كتمت ضحكتي بصعوبة , وأنا أرها تجري , فيرتج جسدها بوضوح , هي نفسها كادت أن تضحك .. كانت تضم شفتيها , وعلى وجهها ملامح ضحك لا شك فيه , وهي تنظر أثناء حركتها نحو السيارات ..
مباشرة , توقفت أمامنا .. وجهها مندى بالعرق الخفيف .. قالت وهي تصفق بيديها مرة واحدة , وكأنها تفاجئنا :
_ " أجمل من في الحفلة مين ؟ "
ضحكنا بصوت عال ٍ معاً , قال مغالباً ضحكاته :
_ " دبدوبة التخينة "
أكملت وهي تصفق ثانية , مرة واحدة كما الأولى :
_ " نطي نطة يا دبدوبة "
ثم أكملت سريعاً :
_ " إزيكو يا عيال "
_ " إزيك انتي ؟
_ " زي القمر طبعاً .. الحمد لله " .. قالت , ثم أكملت ضاحكة :
_ " بعمل ريجيم صحيح الأيام دي "
ضحكنا بشدة , وكأننا لم نفترق إلا لراحة الغذاء لا أكثر ..
قلت بعدها حين صمتنا ,وأنا أبتسم :
_ " إنتي كدا زي الفل .. كفاية الطلة "
كانت " الطلة " هي أحد تعبيراتها المعتادة عن الجمال كما تراه هي .. كنا نقضي ساعات سوداء معاً وهي تحاول أن تقنعني بجمال فتاة على حساب أخرى من مجرد الـ " طلة " .. ذلك التعبير الذي لم أفهمه حتى الآن , كما تراه هي ..
لكي أفهم أي شيء , لابد من تفهمه , وتخيله تماماً , وهي ترى هذا عبطاً , وتخلفاً عقلياً في دماغي , وهي الملاحظات التي تقولها لي بلا أي حرج أو تخوف ..
لكن المهم أنها ضحكت حين قلته ..
_ " الله يكرمك يا سيدي .. " قالت ..ثم أكملت :
_" وطلعتوا فيكوا الخير , وفاكرين أهو "
انخرطت بعدها في حديث باسم معه .. صمت أنا وشردت للحظات كالعادة ,
ولكني وجدتها فجأة تقطع كلامها معه , لاحظت هذا لأنه كان مستمراً في التحدث حين نظرت لي وقالت وهي تضيق عينيها :
_ " بس مفيش مانع يعني , أخس شوية كدا "




المتابعون