‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 23 أبريل 2009

فـي الـحـقـيـقـة


كان ملمس يدها شديد الاعتيادية , فكر بعدما أفلتها بثوانٍ أن اليد لا تختلف عن أي فتاة صافحها طوال حياته ..
كان يتوقع شيئاً مختلفاً في الحقيقة , ليس شيئاً شديد الرومانسية مع ذلك .. ليس مثلاً أن تنفجر الأزهار في يده , أو ينبثق نبع ماء يسيل حتى يقول في فزع شيئاً قريباً من "زُمّي زُمّي" , أو أن يهدأ الجو و يصفو , وتنتظر العصافير على الشجر ما سيحدث بينهما الآن .. أو تقرر فجأة أن تهبط لتشرب من نبع الماء هذا .. فتصاب هي بصدمة مما تراه , ثم تبتسم مثلاً وتقرر أنها لا يمكن أن تخاطر بالابتعاد عن شخص تشرب العصافير من يده .. متناسية مع ذلك _ أو لذلك _ أنها سبب وجود النبع من الأصل ..
كل الأشياء على مثل هذه الشاكلة , توقف عن التفكير فيها منذ فترة , ليس لأنه اقتنع بعدم واقعيتها , أو جدواها , ولكن لأنها لم تعد تنهال على رأسه كما كانت تفعل قديماً .. لم يكن يتوقع لأي من هذه الأشياء أن تحدث إذن , لكنه , في ذات الوقت , لم يتوقع أبداً أن تكون يدها بهذه الاعتيادية ..
ما حدث ببساطة ، أنها تركت يدها في يده بعض الوقت ، وحركتها صعوداً وهبوطاً ، ثم انتزعت يدها ببساطة ، ولم ينبثق نبع ماءٍ حين صافحها , ولم يجف حين تركت يده ، ببساطة .. وبالمناسبة , العصافير التي كان سيعتقد في أي ظروف أخرى أنها تراقبهم الآن ، لم تكن موجودة أساساً .. وشعر هو أنه يفتقد صوت الزقزقة جداً في تلك اللحظات دون تفسير .
في الحقيقة , كان الصوت الوحيد الذي يسمعانه هو صوت القطارات التي كانت تتوقف بجوارهما لبعض الوقت ، ثم تستمر في رحلتها .. فكر أن افتراقهما الأول في محطة قطارات هو شيء رومانسي جداً .. لن ينسى هذا أبداً ، كذلك أنه سيقول بعد ذلك أن افتراقهما هذا لم يكن صاخباً على الإطلاق .. وأنهما فعلاها كشخصين ناضجين .. ولكنه لم يستطع تحديد إن كانت كلمة "ناضجين" هو شيء يجب على المرء قوله أم إخفاؤه .
ما كان ينقص المشهد فعلاً هو المطر .. صحيح أن السماء كانت ممتلئة بالسحب نوعاً ما .. إلا أن هذا لا يكفي مطلقاً ..
لابد من المطر في أي افتراق لكي يكتمل المشهد بشكل صحيح .. وهو عندما فكر في هذا تساءل إن كانت هذه بشرى خير أم لا يمكن التعويل عليها .. وعاد ثانية للتفكير إن كانت الفكرة صحيحة أم أنها مجرد فكرة تقليدية في الأفلام ..
توقف عن الحديث لفترة تساءل فيها بداخله إن كان إتمام المشهد كما ينبغي يهمه أكثر ، أم عدم اكتمال عناصره بما يسمح بتغيير نوع المشهد أساساً ..
ربما يعني عدم الاكتمال أن الفراق لن يكون أبدياً لهذه الدرجة ، وأن لحظة ظهور طاقم عمل الفيلم ستتأخر بعض الوقت ..
ابتسم للفكرة الأخيرة ، فسألته لماذا يضحك .. عقد حاجبيه ، وشعر بثقل في لسانه وهو يقول أنه يبتسم فقط .. وهي هزت رأسها وكأنها لم تسمعه وسألته عن سبب الابتسام ، فعقد حاجبيه أكثر متسائلاً عن سبب تساؤلها ، قالت انها تتساءل لأنه من الغريب أن تتحدث هي بكلام ينز نكداً ، فيبتسم هو .. وهو قال أنه لم يلتقط نصف كلامها الأخير لأنه كان يفكر في أشياء جعلته يبتسم .. وهي أدارت وجهها ناحية المقاعد الرخامية التي كانت خالية تماماً وصمتت .. أراد أن يقول شيئاً ما ، ولكنه قرر أن يكتفي بتأمل وجهها الذي يطل عليه من منظور جانبي ..
عندما أدارت وجهها مرة أخرى ناحيته ، وبتزامن لا بأس به مطلقاً ، كان القطار قد بدأ في الظهور من بعيد .. ابتسم مرة أخرى ، وهو يفكر أن الأمر بدأ يتحول إلى فيلم متقن جداً .. المشاهد يتم التقاطها بعناية شديدة ، وبلا ذرة من العشوائية ..
فكر في أنه يجب عليه قول شيء ما .. البطل لابد أن يقول شيئاً ما حين يظهر القطار .. ولكن شعور الثقل هذا استمر في السيطرة عليه ، فقرر أن يصمت تماماً حتى تتحدث هي ..
وهي لم تفعل إلا بعد فترة طويلة .. قضتها في النظر إليه .. فكر هو أن هذا كذلك لابد أن يحدث .. لكنه لم يستطع تحديد إن كانت النظرات التي ترمقه بها الآن نظرات اشتياق بإعتبار ما سيكون ، أم غضب بإعتبار ما كان ..
فقط عندما تحدثت سألته إن كان يريد شيئاً ما.. وهو شعر بأن الأمر يفلت منه ، وأنه لابد فعلاً أن يتحدث الآن , حاول تحفيز نفسه بالتفكير أنه سيندم كثيراً على حالة الخرس تلك فيما بعد ، فشكرها .. ثم انتبه ان هذا هو أسوأ رد فعل يمكن تخيله على جملتها .. لكنه عندما حاول تصحيح ما قال ، تحركت هي بالفعل .. هزت رأسها ناحيته ، وبعدها أعطته ظهرها ، وتحركت ببطء .
نظر للحقيبة في يدها التي لم تكن ثقيلة ، وتساءل إن كان مخطئاً لأنه لم يعرض حملها .. فكر في أن يسرع الآن ، ويمسك الحقيبة منها ، وهذا أولاً شيء سيريح ضميره ، وثانياً سيمنحه حجة لا بأس بها للحديث ..
هو تحرك فعلاً لكنه قرر أن يؤجل هذا إلى اللحظة التي ستلتفت فيها نحوه مرة أخرى قبل الصعود إلى القطار .. اللحظة التي ستمسك فيها بالقائم المعدني وتتوقف لثوان تنظر فيها إليه بشجن .. قبل الاختفاء ،
ما بدا له غريباً أنها لم تفعل .. لم تتوقف ولو لثانية .. ولم تنظر له لا بشجن ولا بغيره .. و لم تمسك القائم المعدني إلا لكي ترفع جسدها لتدخل إلى القطار بمنتهى الهدوء ..
هو شعر بأن هذا خطاً ..
لكن ما بدا مهيناً ، كان أنه حينما قرر أنه سيرحل قبل أن يتحرك القطار ، كنوع من الاحتجاج الصامت ، وبدأ فعلاً في تنفيذ قراره ،
وبزاوية بدت مستحيلة .. سقطت قطرة مطر على راحة يده اليمنى .. قبل أن تتلوها أخريات سريعاً ..

الجمعة، 6 فبراير 2009

مـنـتـهـى الـضـعـف الأدبـي



كان هذا عندما كنت في الرابعة عشر من عمري ..
و" عندما كنت في الرابعة عشر من عمري " كنت مراهقاً تافهاً شديد التفاهة .. أفكر وأنا أقول هذه الأوصاف الآن ، أنني أبالغ قليلاً ، من لم يكن ؟ .. من لم يمارس في مراهقته سخافات وتفاهات بعضها جدير بذكره في كتب الأساطير .. من حرق أذيال القطط ، نهاية بإصابة المدرسات بالإنهيار العصبي .
المهم أنني كنت في الرابعة عشر من عمري ، وهي جملة سحرية يمكن للمرء أن يقولها في دفاعه عن نفسه ، فضلاً عن كونها عبارة تقريرية تهدف إلى إثبات الزمان ،
بالنسبة المكان ، كان مدرستي طبعاً .. لا مغامرات في الرابعة عشر إلا حينما تكون في مدرستك , أو حينما تفعل شيئاً ما تكون هي في خلفيته .. كل أحداث اليوم ستبدأ حين تهرب من المدرسة على بركة الله ، كل ما يمكن أن يحدث داخل المدرسة هو مهم كذلك ، ربما _عند بعض الناس فقط_ هو أهم كثيراً مما يحدث خارجها .. هؤلاء ليسوا أجبن أو أقل جرأة من الآخرين .. فقط ربما لم يهربوا في اليوم المشهود .. نوع من الحظ الذي يأتي ولا يضع في رأسه_الحظ_ المكان الذي توجد فيه.. وربما أقول هذا فقط لأنني منهم ، وأنا لم أهرب قط من المدرسة كذلك .
يمكننا هنا القول أن الحدث داخلي .. وأن المدرسة كانت هي المكان الأهم وقت الحدوث ..
تبقى إذن الحدث بعد ذكر المكان والزمان .. لأن الحدث هو أهم الأشياء ، فهو آخر ما يتم ذكره على الدوام . ولأنه أهم الأشياء ، فهو ككل الأبطال ، يمهد له الجميع لحظة الظهور ،
.. يكون الحدث، بشكل عام ، محصوراً في أربع خيارات على أقصى تقدير : مشاجرة / هروب / نجاح دراسي / فشل دراسي .. ويمكننا وضع (مشاجرة مع مدرس) على استحياء ، وإن كانت هذه المرحلة تنتمي أكثر لعالم الثانوي لا الإعدادي ، حيث مازلنا مراهقين عندنا 14 عاماً ، نتحسس طريقنا .
(محمد عاطف) لم يكن صديقي لأمزح معه بهذه الطريقة ، أعترف .. ولو أنه لم يكن غريباً كذلك عني .. حين يكون تعداد الفصل عشرون طالباً فمن المستحيل أن يكون هناك غريب .. فقط هو لم يكن صديقاً ..
وأجدني الآن مصراً على تكرار كلمة "مزاح" التي كانت التبرير الوحيد الذي كنت أقدمه كلما تكاثرت على الإتهامات .. مزاح أيها البشر ! .. أيها الأغبياء! .. ليس ذنبي أنه لم يفهم أنني أمزح (هل كنت أمزح فعلاً ؟) وبدأ في البكاء والنواح كالأطفال ( هل سأعود لإستخدام أساليب المراهقين في السخرية ؟) .. لا أفهم الآن ما الذي حدث بوضوح ، لكني أذكر أن الفتى كان مذعوراً .. كان منهاراً لدرجة أنه أخرجنا _نحن المهاجمين أو من نبدو كذلك _ من مرحلة الرغبة في مساعدته إلى الخوف من مجرد الإقتراب منه ..
أعتقد أن كلمة الـ"مهاجمين" توضح جلياً أنني لم أكن الحثالة الوحيد في هذه الليلة السعيدة .. وإن كان العقاب قد تركز على دماغي ، وحملت الطين كله ، لأن "أحمد حميد " (إسم أبلة ؟ أم أنني أبحث فقط عن الشماتة ؟) قد أتت أمه لإصطحابه مبكراً ، في حين أن أبي قد تأخر فأصطادته المشرفة ، التي كانت تكرهني لله في لله ، ولا تحتاج فعلاً إلى مجهود لكي تشرح لأبي كيف أنني مشروع سفاح واعد بالنجاح ..
كنت في هذا الوقت خارج مصر .. طفل مصري بريء في مدرسة تابعة للسفارة المصرية، يتعلم بنفس الطريقة التي يتعلم بها البشر هناك ، ويمتحن نفس الإمتحانات ، لأن أبويه أرادا له ألا يختلف عن قرناءه في مصر السعيدة ، ولكنه عندما يكبر يكتشف أن كل هذا كان إشتغالة كبيرة ، وأنك لكي تشبه شخصاً ما في مكان ما ، لابد أن تمر بنفس الظروف بالظبط .. وهذا ما لم يحدث ..
كل هذا الكلام عن المدرسة المختلفة عن مصر ، والأحوال التي تختلف عن الأحوال ، والظروف المختلفة عن ظروف مصر ، فقط لتبرير فكرة أن يأتي أب (في حالتي ) أو أم ( في حالة أحمد حميد) لإصطحاب إبنهما الطالب في الإعدادية .. و لكي يقابلا المشرفة _ التي تكره نفسها ، والبشرية كاملة _ في الأوقات التي يرتكب فيها النجل البريء ، المصائب الكبيرة ( في حالتي فقط .. وأعني مقابلة المشرفة لأبي دوناً عن امه)
سيبدو مبالغاً فيه أن أقول أنه في الوقت الذي كنت أقف فيه بجوار المشرفة _ أمام أمي ، خافضاً رأسي عاجزاً عن تخيل أن ما يحدث ، يحدث فعلاً .. وشاعراً بالمهانة من القميص الممزق الذي يكشف صدري كاملاً ، وجزءاً لا بأس به من بطني _ سيبدو مبالغاً فيه أنني كنت أفكر أن الأمر ليس بهذا السوء الذي كانت تشرحه المشرفة .. وأنني لم أفعل كل ما كانت تقول ، و عندما قالت أنني _ولم تذكر شخصاً آخر_ " حبسنا " محمد عاطف في الفصل ، وضربناه .. شعرت بالظلم ، وأنني على وشك البكاء من الإمتهان .. كنت أود ساعتها أن أقول لأبي بألا يصدق كلام هذه المجنونة لأني لم أحبس الفتى .. ربما أشعرناه (ونحن اثنان كذلك ، لست وحدي ) بالرعب والخوف ، لكننا لم نحبسه ، باب الفصل حتى لم يغلق ولو للحظة في الفترة التي استغرقها ما حدث ، لكي يحدث .. ولكنني لم أنطق بكلمة .. فقط ابتلعت كلماتي التي كنت أود قولها وصمت ..
أبي لم يسألني عما حدث .. وعندما جلست جواره في العربة ، لطمني بظهر يده اليمنى على قفصي الصدري ، لطمة أخرجت الهواء من أذني .. ودفعتني للبكاء ، وإن كنت قد تماسكت لفترة .. مدعياً أنني ، ربما ، هذه المرة ، لن أبكي ..
ليست هذه المصيبة بالمناسبة .. كان هذا شيئاً بسيطاً مقارنة بالعقاب الأسطوري الذي نلته من أمي ..
كان هذا يوماً خالداً بالفعل .. تم ضربي كمرتبة ..
الغريب هنا أن أمي كانت تضربني بهذا العنف الذي لم تمارسه من قبل ولا من بعد ، فقط لأنني كذبت عليها ، ولم أذكر الحقيقة كاملة .. وهي الشيء الذي عرفته هي من أبي ..
المشكلة هنا أن الحقيقة التي مع أبي ، كانت منقوصة ، وغير صحيحة .. نقلها هو لأمي بكل بساطة .. وهي صدقته بكل بساطة النقل ، في الوقت الذي معلومتي فيه صحيحة نسبياً ، من وجهة نظري ، ولكنها ظنت أن ما أفعله هو نوع من الكذب عليها ، وهو لم يكن كذلك من وجهة نظري ، وإن كان كذلك من وجهة نظر أي شخص غيري .
ربما لم أكن بهذه البراءة .. لا أعرف ..
ربما حبست الفتى فعلاً في الفصل ( ولست وحدي .. أحمد حميد كان معي ) ومارست عليه كل الأذى النفسي الممكن وغير الممكن .. ربما لهذا دافع ، كقط مذعور ، عن نفسه ، ومزق قميصي حين ملت عليه لأخبره بألا يخاف ، لأننا نمزح فقط ! .. وهو نفس الشيء الذي فعله مع أحمد حميد ، الذي هرب ، كقط مذعور ، هو الآخر من الفصل وتركنا أنا و محمد عاطف ، وأخت محمد عاطف .. هل ذكرت أخته ؟
حسناً أخته كانت موجودة .. وهي تكبرنا جميعاً ، وأتت لأصحطاب أخيها الصغير .. ودورها شديد الهامشية .. لأنها خرجت من الفصل سريعاً ، قبل أن نبدأ ما تم إعتباره مضايقة وحبساً للفتى ..
فكرت حينها ، أنها لو كانت موجودة حين حدث ما حدث ، ربما كانت ستقول ما حدث فعلاً ، وهو أننا لم نفعل شيئاً ، ربما كنا سخفاء قليلاً ، ربما أخفنا الفتى فعلاً ، لكننا أبداً لم نؤذه ..
الحدث المهم ، حين صمت ولم أتحدث ، ولم أدافع عن نفسي أمام سيل الإتهامات المبالغ فيها من المشرفة _ التي تكره نفسها ، والبشرية كاملة _ ، تم اعتبار صمتي الذي كان للذهول أقرب اعترافاً بخطأ لم أرتكبه كاملاً ..
هذا هو إجابه السؤال الأول الذي لم أفهمه في البداية ، عن كوني عدائياً مع الناس في الوقت الذي أشعر فيه بالإتهام من طرفهم ..
لا أعرف لم فكرتِ في هذا .. ربما هي حقيقة .. وربما كان تفسيرها الأمثل هو العودة لعقد الطفولة ..
ربما شخص ما ، يسأل (محمد عاطف) الآن ، عن سبب كونه جباناً جداً .. ويتذكر هو الموقف بأكمله ، ويكرهني أكثير ، ثم يعترف في النهاية بما حدث ، ويقول بحكمة أنها لابد : عقد الطفولة .
والحدث الأهم ، حين ضربتني أمي بعنف لأني كذبت ، ولم أصدق القول معها ، حتى وإن كنت مظلوماً بشكل حاسم في هذا الوقت .. هذا هو إجابة السؤال الثاني .. حين أرفض الكذب في كل مرة يتاح فيها أمامي ، ليس لأن الدين يأمرني بذلك ، ولا لأن أفلاطون يعتبره علامة على الضعف (إن كان هو من يفعل) ولا لأي شيء آخر ، حتى لو كان عصياًَ على التصديق .. مثل الرغبة المريضة في الظهور بمظهر الرائع ، غير أنني في كل مرة أوشك على إنكار الحقيقة ، أتحسس أوجاعي التي لم تهدأ من ساعتها
وهذا كله ، لا علاقة له بك ..
ولا بكونك غالية إلى درجة أنني أمنع نفسي من ممارسة العدائية المعتادة حين تتهمينني بإتهامات لا صحة لها .. ليس لأني أعترف بذنبي .. ولكن لأني أخاف من الضغط على البللور حتى لا ينكسر .. حتى لو ظلمني هذا البللور ، بسبب تأثير مكوناته الإنسانية ، وضغط عليّ .. وهذه الجملة بالمناسبة ليست من قبيل التعبير الجمالي البليغ .. بل هي منتهى الضعف الأدبي ، لأنني أذكر الواقع كما هو دونما تدخل ..
ولا علاقة له كذلك بكوني لا أكذب عليك ..ليس لأني أتحسس أوجاعي في كل مرة .. ولكن لأنني أخاف الصاعقة التي ستهبط من السماء مباشرة على رأسي لو كذبت على قديسة ..

الأربعاء، 24 ديسمبر 2008

The incredibles



كرد فعل شرطي لا يد لي فيه ، نظرت في ساعتي بطرف عيني ، حينما رأيتهما يتجهان نحوي .. ثم لمت نفسي .. النظر في الساعة علامة مؤكدة على الضجر ، إستعجال مرور الوقت ، كره اللحظة الحالية ، ولكي نكون منصفين .. لم أكن ضجراً ، ولم أستعجل مرور الوقت ، ولا حتى كنت أكره اللحظة الحالية لأني توقفت عن ملاحظتها من الأصل .. فقط هناك إمتحان ما ينتظر تشريفي ، والتغيب عن الإمتحان هو الخطوة التي أؤجلها حتى لحظة الإنحراف الكامل .
هناك أشخاص يفهمون المزاح .. لا يعني هذا أنهم أذكى ، أو أفضل ، أو حتى يمتازون بأي ميزة مرتبطة بكونهم على هذه الشاكلة.. هم فقط يفهمون المزاح ..
رفعت ذراعي اليسرى حينما أقتربوا مسافة كافية .. ونظرت في ساعتي بطريقة مسرحية وأنا أقول بصوت عال أن :
_ " شافوني .. يادي النيلة .. هنقعد بقا نتكلم ونحكي ، وعندي إمتحان لازم أتنفخ فيه بسرعة "
نظر أيمن إلى شادي مظهراً ملامح إمتعاض مسرحية ، ثم قال :
_ " هو مش دا ننوس عين أمه "
وشادي هز رأسه مظهراً تعبير الإشمئزاز ، برفع شفته السفلى حتى كادت أن تغطي على العليا قائلاً :
_ " كنا لسه بنقول أنه يوم أسود "
وانا ابتسمت في سعادة حقيقية قلما أستشعرها وتساءلت :
_ " إزيكوا يا بهايم "
أيمن كان يكتب الشعر . شادي كان يرسم . إستخدام الفعل الماضي "كان" وعدم الإقتناع بفكرة أن نتركه في حاله كما تنصح ليلى مراد ، تعني أنهما لا يفعلان الآن أياً من كتابة الشعر ، أو الرسم .
فكرت أننا الآن سنبدأ في سؤال بعضنا البعض عن أسئلة شديدة الخصوصية محاولين التظاهر في كل سؤال أننا نهتم فعلاً ، وأنني لو لم أعرف ماذا يفعل شادي هذه الأيام ، أو ما أخبار أيمن تحديداً وهو على شفا حفرة من التخرج _ أنني لو لم أعرف هذا فلن أنام الليل ..
شادي بدأ الحفلة متسائلاً :
_ " عامل إيه يا عم ؟ " .. وأكمل طبعاً :
_ " فينك كدا ؟ "
هذه الأسئلة بالذات لا حل لها سوى أن أبتسم إبتسامة دبلوماسية ، وأهز كتفي قليلاً ، ثم أثني برأسي قائلاً أنني :
_ " موجود .. " ثم ألقي الكرة في ملعبه مبتسماً من الداخل في خبث :
_ " إنت اللي مش باين "
_ " أنا موجود على طول .. إنت مش باين "
يُذكر إسم رامبو كلما ذكر التوقف عن الكتابة بشكل عام ، عن كتابة الشعر بصورة أخص .. رامبو انهى رحلته الشعرية وهو في سن العشرين لا غير .. توقف فجأة ! .. وقال كلاماً يليق بشاعر عن أن إلهة الشعر توقفت عن منح بركتها له عقاباً له على موبقاته .. توقف عن الموبقات آملاً أن ترضى عنه ، لكن يبدو أن إلهة الشعر بلهاء بشكل ما .. مات وهو يبلغ من العمر 37 عاماً .. ولم يكتب كلمة منذ سن العشرين .. وقال جملة شهيرة _سيستخدمها أيمن طبعاً_ : أنا أنتهيت .
حسناً .. أيمن لم يقل أنه أنتهى بالظبط .. في الحقيقة هو لم يخبرني مباشرة أنه توقف عن الكتابة .. في فترة ما كانت صداقتنا تسمح لي بسؤاله كل فترة عن الجديد .. وهو كان يهز رأسه بصمت .. وحينما تحدث أخيراً قال شيئاً عن كونه ليس ماكينة قهوة .. وأخبرني أن أطلع من نافوخه .. و في النهاية قال مشمئزاً من شيء ما كالعادة أن :
_ " جبت آخري من الليلة الوسخة دي " .. أخبرته أن هناك تشابه لا يخلو من فقر في الإبداع بين جملته تلك ، وجملة رامبو ، فقال لي :
_ " ملعون أبو رامبو "
ثم نظر لي وأكمل رافعاً حاجبه الإيمن :
_ " وبعدين رامبو مش بتاع ضرب النار والأكشن والجو دا ؟ .. كتب شعر إمتا بقا ؟
يسألني شادي عن ميعاد إمتحاني .. أخبره أن أمامي حوالي نصف ساعة .. يتساءل عن السبب الذي يدعوني للقدوم إلى الإمتحان قبل نصف ساعة ، فأخبره أنني أفعل هذا لأنني لو جلست في البيت فلن أذاكر ، ولو جلست في البيت ولم أذاكر سأشعر أنني حقير .. لهذا فالحل الوحيد هو الضياع في الطرقات حتى موعد الإمتحان السعيد ..
يهز رأسه ثم يسألني عن السبب الذي دعاني إذاًَ للنظر في ساعتي .. فأخبره أن هذا رد فعل شرطي لا أكثر ولا أقل ..
شادي أسبابه كانت أكثر إبهاماً بكثير .. ربما من درجة إبهامها ، يمكنك القول أنها ليس لها وجود منذ البداية .. فجأة ، قرر أن لا شيء يستحق أن يُرسم .. وعندما سمعت هذه الجملة للمرة الأولى شعرت أنها مستفزة .. وكنتيجة طبيعية دار جدل طويل ، ربما يمكن تسميته بالشجار المهذب .. انتهى بقوله لي أن "إنت مالك بقا .. أرسم ، مرسمش .. براحتي " .. وهي كلمة سحرية تخرس بها من أمامك بسهولة .. وللأسف لم أكن قد طورت رداً عليها بعد (وهو ما فعلته مؤخراً) .. لهذا قررت أن أخرس . وعرفت بعدها بفترة أنه لم يتخلص من لوحاته بعد ..
من تخلص من كل شيء ، كان أيمن .. عرفت بعدها أن غضبه كان حقيقياً .. "غضب" لأن هذه الكلمة الوحيدة التي يمكن بها وصف إعطاءه كل ما كتبه منذ البداية لبائع الطعمية على ناصية شارعهم .. أي كل ما كتبه منذ البداية .. شعر البدايات هذا المصاب بالكساح ، حيث القضية الأهم ، والحدث الأوحد هو فلسطين . والمصاب كذلك بحالة مرضية تجعل حروف القافية على صورة لا تتغير : ( الأولينا .. الآخرينا .. الأخسرينا .. الأفضلينا) ، ثم تخبطه ، ومحاولاته المتكررة في عدل الوزن ، أو استبدال صيغة غير شعرية بأخرى تقترب أكثر من الشعر .. ثم رسوخه النسبي ، وبدايات كفره بحروف الروي والقافية ، وهي تجارب بدت لي شديدة الجمال والحساسية .. ثم في النهاية امتلاكه للأدوات التي من خلالها يكتب ، والأهم : الرؤية .. منعني شيء ما من سؤاله وتحويل السؤال إلى شجار كما فعلت مع شادي ، وإن كنت عبرت له عن استغرابي ، كون الورق لن ينفع مع الطعمية المتشربة بالزيت .. فطمأنني أنه سيأخذ أكثر من ورقة واحدة طبعاً لصنع قرطاس .. ثم قال بلا أي تعبير :
_ " يعني القرطاس هيرسى على قصيدتين "
أخبرني بفخر أن بائع الطعمية فرح بهذا الكنز .. وإن كان أنقص من سعره قليلاً ،
_ " عشان مكتوب فيهم .. الورق الأببض أغلى مرتين تقريباً "
قلت له أن هذا التصرف يبدو لي غاضباً أكثر من اللازم ، وهذا يحوله إلى رومانسي أكثر من اللازم ، وبالتالي هناك شعور بعدم الأصالة في الأمر .. وكل هذا يحوله إلى مشهد تقليدي من فيلم عربي قديم .. البطل الحزين لابد أن يربي ذقنه ويكتئب في حجرته .. الشاعر المكلوم في قصيدته أو وحيه أو أي هراء من هذا القبيل لابد أن يبيع كتاباته لبائع الطعمية ، ثم يقول لصاحبه وهو بائس ان القرطاس سيحمل قصيدتين .." يا إلهي ! .. كل ما كنت أفعله سيتحول إلى قرطاس" .. يجب أن يقول هذه العبارة وهو ينتحب ولو دمعت عيناه : أفضل وأفضل..
في النهاية اعترفت أنني أجده أذكى من هذا التصرف .. وأكثر وعياً من تحويل شيء كهذا إلى مشهد سخيف من فيلم درجة ثانية ..
نظر لي بلا تعليق ، حتى أتمتت كلامي ثم قال ، أن الحياة ليست قصة قصيرة ، و أن الأبطال فيها _ على العكس من القصص _ أحياناً يفعلون أشياءاً لا مبرر درامي لها .. وأنا لم أستطع الرد ، لأن ردي كان هو نفس كلامي السابق .. كلامه عن الأبطال والحياة والقصص القصيرة ، هو في حد ذاته محاولة للتفلسف لم تنجح كثيراً .. وكذلك لم أستطع أن أقول له أنني محاط حالياً ببشر لا يفعلون شيئاً إلا قول : " الحياة هي " .. و " الحياة ليست " ..
يجذبني شادي من ذراعي ليبعدني عن مسار العربات المسرعة ، مزامناً هذا مع قوله :
_ " مش أيمن هيخطب ؟ "
_ " هذه أخبار جديدة أيها السادة الكرام" ..
_ " تخيل ! "
قالها أيمن وهو يلوي بوزه هازاً رأسه بمرارة ..
إسمها رهف .. وهذا يؤكد أن الأمور تسير بشكل غريب .. لماذا يرتبط الشعراء _ أو من كانوا _ بهذه الأسماء بكثافة .. يبدو هذا سراً ملحمياً يصعب كشفه .. لهذا ابتسمت وهنأته .. وهو تقبل التهنئة بهزة رأس متمتماً أن :
_ " عقبالك "
وأنا تذكرت الرد الذي يعجبني في مثل هذه الحالات وقلت :
_ " في حياتك "
أخبرني بعد أن ترك الرسم تماماً ، أنه يجدها من قبيل سخرية القدر أنني ، وأنا والوحيد الذي لم يأخذ أمر الكتابة بجدية ، مازلت مستمراً في فعلها .. أما هما ، من كانا يقرئان كلام سارتر عن الفنان الملتزم ، والفنان المنتمي ، تركا كل شيء ..
يتحدث هو عن الرسم ، وعن افتقاده لشعور الانتهاء من لوحة ، أكثر مما يفعل الشاعر .. يتصف الأمر ببراعة حين يقول أن أصابعه نظيفة على الدوام ، وهذا يبدو له من قبيل الإهانة ، بعد أن كانت فعلاً لا تختفي منها الألوان .
يسألني إن كنت لا أزال محتفظاً بالكاريكاتير القديم .. أهز رأسي .. وأحاول تذكر مكانه ..
أيمن بدا متململاً بعض الشيء .. سألته إن كان مشغولاً بشيء ما ، فهز رأسه بالنفي .. أقرر بما أنه يكذب أن أقول له ما كنت أفكر فيه من فترة :
_ " كنت بفكر أكتب عنكم من فترة . "
ينتبه ، يضيق ما بين حاجبيه .. ويهز رأسه بدهشة تقترب من الإستنكار متسائلاً :
_ " نعم ؟ "
_ " أنت وشادي "
_ " نعم ؟ "
_ " أي نعم "
_ " إزاي يعني ؟ "
قلت له رأيي مباشرة ، الحقيقة إنها فكرة تستحق .. الشاعر الذي انخرط وسط الناس ، لا يعرف مثلاً جاره في الأتوبيس أنه كان يكتب شعراً .. والرسام الذي لم يعد يرسم .. ولم تعد علامة الجودة الألوانية على أصابعه مثلما كان دائماً .. لا تنكر من فضلك أنها فكرة لا بأس بها أبداً ..
_ " مش قصدي إنها وحشة .. قصدي أنها مكررة .. نفس الفكرة الغريبة .. شفتها في مليون فيلم ومليون رواية "
فكرة فيلم The incredibles بالظبط .. الخارقون الذين منعهم المجتمع من الحياة فيه وهم مختلفون .. فعاشوا كخارقين في ثوب بشر معتادين .. فكرة فعلاً مكررة ..
و احتد قليلاً وهو يطلب مني أن أنضج ..
وشادي هز رأسه ثم رفع أصابعه أمامي قائلاً أنه الآن سعيد .. على الأقل أصابعه نظيفة ..
_ "الكلام عننا ملهوش أي فايدة "
وأنا قلت أنني سأكتب عنهما .. ثم أستخدمت السلاح المتميز :
_ " وانت مالك بقا " .. ثم ضحكت :
_ " هغير الأسماء . وأكتب زي ما أنا عايز .. ممكن حتى أسميك عبد العال .. واسمي الأخ دا حمودة .. وأطلعكم متخلفين عقلياً من صغركم .. أو من مجاذيب السيدة حالياً "
ثم هززت كتفي قائلاً أن الحياة على عكس القصة .. يفعل أبطالها أشياءاً لا يوجد لها أي معنى .. ككتابة القصص عن أصدقائهم .. وهي أفعال في الواقع لا مبرر درامي واضح لها .

الأحد، 30 نوفمبر 2008

سمّعنا صوتك


كنت أكره هذا الكلام بغرابة .. لا .. التعبير السليم ليس : "أكره" .. ولا حتى أشمئز .. ربما هو القليل من "أختنق" على الكثير والكثير من "أحتقر" .. والقليل من الأول هدفه التأكيد على حالة تخرج من كونها نفسية إلى الواقع الملموس وتستقر في حلقي مباشرة .. والكثير من الثاني هدفه طبعاً محاولة تفسير لإبتعاد نظراتي عن وجه من يحدثني .. وهو الفعل الذي يمكن تفسيره كذلك على أنه سمت التفكير . لكن لا ..
ابتسم في حكمة وهو يقول ، أن هناك لحظة يتوقف فيها ما يحدث ، ويحدث ما لم يكن يحدث ، وانا فكرت في هذا الكلام للحظات ، وتوصلت إلى أنه هراء لا أكثر ، أو هو محاولة بلهاء لإدعاء أنه ليس هراءً ..
لم أرد .. استمر في الحديث مصمماً ، أن الشاب مامي _مثلاً_ لم نعد نسمع له حساً منذ فترة لا بأس بها .. وتنهد وهو يقول ، حال الدنيا ببساطة ..هز رأسه بعد أن أنهى جملته وصمت .
بعد فترة تذكرت ان الشاب مامي سمعت حسّه منذ فترة لا بأس بها .. هو حتى غنّى أغنية لا بأس بها مع إليسا أستغل كونها مزة حقيقية لا بأس بها .. فكرت أن الأغنية كانت جميلة فعلاً لا (لا بأس بها) فقط . وأنني حتى سمعتها لفترة .. أينعم كنت أعرف أنني لن أستمر كثيراً في هذا لكن هذا لا ينفي أنها بدت مميزة للحظات ..
هو مثلاً ليس كرامي صبري الذي مازال عنده القدرة ، والشجاعة ، على ترديد كلام مثل "قولي ألاقي أنا زيك فين" ..
فكرت أن هذا هو مربط الفرس .. وأن الشاب مامي لا بأس به ، ورامي صبري شبة عمرو دياب ..
قلت له كل هذا الكلام ، استغربت أنني لم أبذل مجهوداً شديداً في إقناعه ، إنتهى الأمر بي منتصراً .. وأنا تساءلت بعدها عن معنى كلمة مربط الفرس التي فكرت فيها منذ ثوان ٍ .. فكرت في سؤاله عن معنى الكلمة .. لكنه ، وبصدفة غير مبررة منطقياً ، سألني هو عن مشكلة قول كلام مثل : "قولي ألاقي أنا زيك فين " ؟ .. وانا ابتسمت في حكمة وقلت له أن هذا هو ، ببساطة شديدة ، مربط الفرس .

الاثنين، 3 نوفمبر 2008

شـمـس الشـمـّوسـة


بالطبع تذكرين ذلك اليوم ..

واقفين كعادتنا نتبادل الحديث في هدوء , ربما بثقة الفلاسفة , وسكينة رهبان التبت , لهذا .. ولهذا فقط .. تصبح انفعالاتنا شيئاً ثميناً حين تحدث .. شيئاً يكسر الهدوء المخيم على كلينا , وعليّ أنا بالذات حين أكون معك ِ

كان اليوم مشمساً , تذكرين ؟!

أحيانا ً تغيب الشمس ، فقط لتعرف كم نفتقدها على الأرجح ، و أحياناً ، تفرض حضورها حتى يصبح مقيتاً ، كريهاً , غبياً بلا حد ..
كان اليوم مشمساً ، مقيتاًَ إذاً ..
ولا أعرف بالضبط لمَ لم ْ نقف في مكان أقل تعرضاً للشمس من هذا المكان المفتوح تماماًَ ، غير المحدد بأي شيء من أي اتجاه .. فقط الشمس من فوقنا هي الشيء الوحيد الذي يشي لنا ، بمعنى كلمة (فوق) ..
الشمس كانت تستعرض قوتها بشكل غير محتمل ، هذه القوة التي يجب أن تعرف أنها ليست بحاجة لإثبات من الأصل ..

كنت أنا واقفاً ، ظهري للشمس ، وجهي ناحيتك ِ .. ربما كما أفعل مع كل أزمة أمر بها .. أعطيها ظهري ، بكل بساطة .. قبل أن أحرك قدميّ طبعاً ، مستعداً للركض بعيداً عنها ..
وأنت ِ واقفة أمامي .. بالظبط أمامي .

والشمس تسقط عليّ ، فتصنع الظل ، الذي تعلوه كرة ما ، هي رأسي ، التي يسقط ظلها , هي تحديداً ، على وجهك ، فيصبح بإمكانك ساعتها أنا تفتحي عينيك مباشرة ، و أنت ِ تنظرين إلى وجهي ..

كنت سعيداً بالطبع ، لا أنكر هذا ، و أنا أتأمل وجهك ِ الناظر لي ، و الذي لم تحركيه لحظة ، عن وجهي ..
عدم التحريك هذا ، بدا لي غير طبيعي ، في البداية ، ثم تجاهلت هذا الخاطر سريعاً ،

لكني ، فجأة ، شعرت باستغراب ، أجرؤ أن أسميه خوفاً ..
الاستغراب كان لأنني تغاضيت , في البداية , عن عدم طبيعية أمر ما ، وهذه الأمور بالذات تصيبني بشعور يشابه شعوري حين أحك الفوم ببعضه ، أو أسمع صوت حركة أشياء صدئة على بعضها البعض ..

الخوف كان هو الأوضح ..والأمر كان سؤالاً بريئاً : هل تنظرين لأنك تريدين ذلك ، أم لأن نظرتك لأي شيء آخر تعني الشمس ؟!

أكره استغرابي هذا ، الذي أجرؤ أن أسميه خوفاً ، ولكن من المستحيل أن أتجاهله في هدوء ، وأفكر في شيء آخر ..
حينما يأتي ذلك الشعور اللعين ، لا يصبح بإمكاني إلا الانصياع في هدوء ، وبلا أدنى مقاومة ..

تحركت ببطء من مكاني .. درت نصف دائرة .. الغريب أنك لم تعلقي بأي شكل ، الغريب أنك تقبلت ما يحدث باعتباره شيئاً عادياً ، الغريب أن هذا أسعدني ..

لم تبدلي من وضع وقوفك على الإطلاق .. فقط كنت تدورين معي ، مستكملة حديثك بهدوء تام ، وأنت تنظرين لي ، وأنا أدور نصف دائرة قطرها أكبر من دائرة وقوفنا ..

الآن وصلت حيث كنت أرغب .. وظللت أنت مكملة حديثك دون أن تغيري من نبرة صوتك ..
تابعت حديثك ، الذي أضعت نصفه ، والذي بدا أنه مهم جداً ، من كلماتك المتلاحقة ، التي بدأت تمييزها ، ومن نبرة صوتك ، التي لم تتغير ، ولكني لاحظت أنها كانت عالية بعض الشيء ..

انتبهت أننا الآن نقف في وضع غير متعرض للشمس على الإطلاق ، وأنها أصبحت على جانبنا ، مستأنسة الضوء تماماً ..
لكني فجأة شعرت باستغراب أشد ، أجرؤ بثقة أكبر أن أسميه خوفاً ..

بدا لي أنك تتلفتين كثيراً حولك ِ ، وأنك تتكلمين ، وأنت تشيحين وجهك بعض الشيء .. ولم أعد أستطيع تمييز طريقتك الطبيعية في التعبير بالوجه واليدين ، عن حركاتك الغير طبيعية ، التي انتابني شعور أنها موجودة .. رغم عدم قدرتي على التمييز فجأة .. بالأحرى لم أعد أعرف ما هو الطبيعي وما هو الغير طبيعي .. والغير طبيعي دليلي القوي أنه موجود ، أنني اشعر بهذا بقوة ..

مباشرة فكرت فيما يجب فعله ، للتأكد من كونها طبيعية أو غير طبيعية ، وكيف يجب فعل هذا دون أن تشعر هي بما يدور في دماغي ، لأنها لو عرفت ، فالطبيعي سيتحول لغير طبيعي ، والغير طبيعي سيتحول إلى طبيعي طبعاً ، وهو ما يبدو غريباً ، كيف يتحول الغير طبيعي لطبيعي بهذه البساطة ؟ .. هكذا يتصرف الإنسان ببساطة حين يشعر أنه مراقب ربما ..

لم أسترسل في فكرة الطبيعي للأسف ، لأني لاحظت أنها توقفت عن الحديث ونظرت لي صامتة . انتبهت بعد فترة من الصمت ، أن ما يخيم علينا ، هو الصمت فعلاً ..
حاولت بطريقة مثيرة للشفقة أن أرسم بسمة بلهاء على وجهي ، لكنها لم تسمح لتلك البسمة بالاكتمال :
_ " أنت لست هنا نهائياً ؟ "

حاولت ، مرة أخرى أن أرفع ملامح وجهي ، وأن أحرك عضلات البسمة على وجهي ، لكنها أجهضت المشروع تماماً حين عادت تقول :
_ " انت أصلاً لا تنظر لي "

وأنا تذكرت هنا ، أنني كان لابد أن أنظر لها وأنا أفكر في كل هذه الأفكار ..
حين أكون غير طبيعي ، يجب أن أتظاهر أنني طبيعي ، هذه هي القاعدة ببساطة .. ياللغباء !

السبت، 6 سبتمبر 2008

فـسـتـان وجيـبـونـة


كنت في غاية التعب , ربما لهذا لم ألحظ أن صديقي توقف فجأة عن السير إلا بعد أن تحركت مسافة لا بأس بها . لم يبد هذا غريباً , حين ينمو إرهاقي بشكل أسطوري , تصبح مسألة إدراكي لما يحدث حولي في حكم عجائب الدنيا ..
نظرت خلفي , وجدته واقفاً , يبتسم , وينظر عبر الشارع للناحية الأخرى , مددت بصري , وانتقلت لي مباشرة عدوى الابتسام هذه .
" ابتسام " .. هكذا تمتمت , وسط ضحكة صغيرة احتلت وجهي , وتركت بقايا ابتسامة بعدها , وأنا أتحرك لأعود للمكان الذي توقف فيه صديقي متابعاً إياها .
لفترة طويلة نسبياً , كنت أرى ابتسام بشكل يومي .. نقضي _كمجموعة عمل _ ما يقارب السبع ساعات . استمرت مجموعة العمل هذه ما يقارب الستة أشهر , ضحكنا فيها ما يقارب الخمس والنصف كما قال مديرنا في الجلسة الختامية , وهو يرمق الجالسين بنظرة لوم , قبل أن يثبت تلك النظرة على ابتسام تحديداً , بنظرة عتاب لم تفلح في إخفاء الضحكة المستترة خلفها , تلك التي انفجرت عندما قالت ابتسام بجدية شديدة أن نصف الشهر هذا هو الفترة التي قضاها هو في الخارج , وأننا أتممنا المدة بأكملها ضحكاً والحمد لله .
عند انفصال المجموعة , نالت هي أكبر كم ممكن من الهدايا يمكن تخيله .. لم أندهش كما فعل واحد منا وهو يرمق الهرم الصغير من العلب , زاهية التغليف , على مكتبها .
ابتسام كانت ملكة متوجة , لها حكمها الشامل علينا جميعاً , بلا أدنى شك ..
وقفت أنا وهو ننتظر عبورها الشارع .. ذلك العبور الذي تأخر قليلاً , ليس من كثرة العربات المارة , بل من خوفها الطفولي هذا . ضبطتها أكثر من وهي تنظر نحو اليمين مرة ثم نحو اليسار , رغم أن الشارع كان في الواقع ذو اتجاه واحد لا غير.
ضحكت , وصممت أن أقول لها هذا الأمر لأثبت لها أنني لازلت صاحب الملاحظات الذهبية كما كانت تطلق عليّ ..
ثم تحركت أخيراً , وبدأت تقطع الطريق .
كتمت ضحكتي بصعوبة , وأنا أرها تجري , فيرتج جسدها بوضوح , هي نفسها كادت أن تضحك .. كانت تضم شفتيها , وعلى وجهها ملامح ضحك لا شك فيه , وهي تنظر أثناء حركتها نحو السيارات ..
مباشرة , توقفت أمامنا .. وجهها مندى بالعرق الخفيف .. قالت وهي تصفق بيديها مرة واحدة , وكأنها تفاجئنا :
_ " أجمل من في الحفلة مين ؟ "
ضحكنا بصوت عال ٍ معاً , قال مغالباً ضحكاته :
_ " دبدوبة التخينة "
أكملت وهي تصفق ثانية , مرة واحدة كما الأولى :
_ " نطي نطة يا دبدوبة "
ثم أكملت سريعاً :
_ " إزيكو يا عيال "
_ " إزيك انتي ؟
_ " زي القمر طبعاً .. الحمد لله " .. قالت , ثم أكملت ضاحكة :
_ " بعمل ريجيم صحيح الأيام دي "
ضحكنا بشدة , وكأننا لم نفترق إلا لراحة الغذاء لا أكثر ..
قلت بعدها حين صمتنا ,وأنا أبتسم :
_ " إنتي كدا زي الفل .. كفاية الطلة "
كانت " الطلة " هي أحد تعبيراتها المعتادة عن الجمال كما تراه هي .. كنا نقضي ساعات سوداء معاً وهي تحاول أن تقنعني بجمال فتاة على حساب أخرى من مجرد الـ " طلة " .. ذلك التعبير الذي لم أفهمه حتى الآن , كما تراه هي ..
لكي أفهم أي شيء , لابد من تفهمه , وتخيله تماماً , وهي ترى هذا عبطاً , وتخلفاً عقلياً في دماغي , وهي الملاحظات التي تقولها لي بلا أي حرج أو تخوف ..
لكن المهم أنها ضحكت حين قلته ..
_ " الله يكرمك يا سيدي .. " قالت ..ثم أكملت :
_" وطلعتوا فيكوا الخير , وفاكرين أهو "
انخرطت بعدها في حديث باسم معه .. صمت أنا وشردت للحظات كالعادة ,
ولكني وجدتها فجأة تقطع كلامها معه , لاحظت هذا لأنه كان مستمراً في التحدث حين نظرت لي وقالت وهي تضيق عينيها :
_ " بس مفيش مانع يعني , أخس شوية كدا "




الخميس، 21 أغسطس 2008

تـا فـا تـيـفـي تاتـتـي



و أنا أعتدلت فجأة من مكاني , وابتسمت إبتسامة الظافر أخيراً .. رفعت راحتي يديّ , بطريقة ( فلنهدأ قليلاً ) , هي صمتت للحظات , وانا وجدتها لحظات يجدر بي إستغلالها على أكمل وجة .. قلت مباشرة , رافعاً طبقات صوتي في مرحلة تقع بين (الصراخ) و (العادي) :
_ " إستني بقا عليا , هقولك أهو "
حركت ملامحها , ممتعضة بطريقة ( خليك مع الكداب , لحد باب الدار ) , وأنا حاولت ألا يؤثر هذا عليّ , وأنا أستخدم سلاح المثل :
_ " شوفي بس .. غالباً , لما تكوني عايزة تدوري على حاجة في النت , بس.. يعني .. حصل يعني .. "
وقطعت جملتي , وأنا أرفع كتفي , متزامنة مع حركة راحتي يدي قائلاً :
_ "عادي يعني , أنك كتبتي عنوان جوجل غلط في صندوق العناوين .. هيحصل إيه بقا .. صفحة النت بارك الله فيها , هتبعتك علطول على جوجل .. ليه بقا ؟! "
رفعت حاجبها الأيسر , وقالت بوجه مجتمد , وإن ظل به بعض الآثار من الطريقة السابقة :
_ " ليه يا فالح ؟! "
وأنا أفلتت مني ضحكة , فجأة , ندمت عليها بعض الشيء , لأنها أفقدتني مظهر حكيم القرية , ولكني تجاهلت هذا لأني , أشك أن هذا المظهر قد وصل لها أساساً منذ البداية , أكملت , مستجمعاً قواي حتى لا أضحك مرة أخرى وأنا أقول :
_ " علشان إنتي كتبتي العنوان غلط .. هو ملهوش دعوة إنتي عايزة تروحي فين .. مع إنك أساساً عايزة تروحي جوجل .. لكن الكمبيوتر مصمم على أساس إنك لما تكتبي عنوان غلط يوديكي على جوجل .. حتى لو كان العنوان اللي كتبتيه غلط .. هو أساساً عنوان جوجل "
بدا أنها إقتنعت للحظات بما أقول , لأنها عقدت حاجبيها , العلامة الأصلية على التفكير فيما أقول .. ونظرت ناحية الزاوية السفلى من اليسار , علامة المخ , ربما, على التفكير , وأنا ظهرت على ملامحي شيء من طراز : "هااااا ؟ "
أعادت هي نظرها لي وقالت :
_ " همممممم "
فأكملت :
_ " دلوقتي بقا , إنجاز الوصول إلى السيد المبجل (جوجل) بقا , من حقي أنا !! , ولا أقول : (شكراً للبرمجة الحديثة ؟ ) "
_ " شكراً للبرمجة الحديثة " .. هكذا قالت بهدوء , وهي لا توجه نظراتها لي ..
وأنا بحركة مسرحية إنحنيت قائلاً :
_ " نشكركم على حسن إستماعكم "
ولكنها عادت فعقدت حاجبيها , ثانية , وهي علامة سيئة للغاية بعد نهاية النقاش وقالت :
_ " بس الوصول لجوجل دا أساساً مش إنجاز "
وانا نظرت ببلاهة وأنا أفكر أن مشكلة أن تتحدث بالمجاز دوماً , أنك حين تقول شيئاً لا مجاز له , ولا شيء وراءه , ولا يوجد له معنى خفي , خلف كلماتك هذه .. لن يصدقك أحد في الغالب ..
لذا , قلت بعدها , بعد فترة من محاولة إستيعاب الهزيمة , كاسراً حالة الصمت :
_ " تيكي تم تيكي تم "
_ " معنى دا بقا إيه .. سعادتك"
_ " ولا حاجة .. أكيد , وبلا شك المرة دي , تيكي تم تيكي تم ملهاش أي معنى " .


الاثنين، 18 أغسطس 2008

الجري في المكان



لأسباب لا علاقة لها بالقصة التي سأرويها , قررت أن آكل في الخارج اليوم .. قررت هذا بمجرد النظر إلى قعر الحلة التي تحولت فيها" الشِعرية " التي من المفترض أن يتم تحميرها فقط وبما يشبة المعجزة , إلى كتل سوداء كريهة تطلق الدخان ..حسناً .. لم يبق هناك العديد من الخيارات ..خلال ثلث ساعة بالظبط , قياساً لحالة المجاعة التي أعيشها, كنت أدفع الباب الزجاجي الداكن للـ .. لا أعرف .. حسناً .. فلنبدأ من البداية . المكان الذي يقدم طعاماً , هو مطعم , والذي يقدم المشروبات , فهو مقهى في الغالب , أو بار بوجهة نظر , من زاوية أخرى ..
الآن السؤال المهم , ما هو إسم الشيء الذي يقدم النوعين , الأكل والشرب ..
" كافيتيريا " .. يصعد الجواب مباشرة إلى ذهني , ولا يستقر إلا ثلاث ثوان , لأنه يستدعي معه صورة ميرفت أمين غالباً , تجلس مع محمود عبد العزيز في الـ " كافيتيريا " لكي تشرب عصير الليمون , وتتتفق معه على طريقة الهروب من البيت ..
لا ..
هذا المكان لن يكون كافيتريا إلا على جثتي .. في روايات نجيب محفوظ تلعب هذه الأماكن دوراً أساسياً .. في الغرزة تعرف عاشور الناجي على فلة في رواية الحرافيش .. في البار كان عيسى الدباغ يجلس نادباً حظه في رواية السمان والخريف ..
ليكن ما يكن .. انا جائع ..
آتي هنا منذ فترة طويلة نوعاً ما .. وقد بدأت فعلاً في التعرف على تضاريسه , الأماكن التي يجب الجلوس فيها في الوقت الفلاني , متى أطلب إغلاق الستائر , متى أترك المكان لأنه على وشك الإغلاق .
كعادتي , أرتبط بالأشياء ربما بشكل لا يفهمه الكثير .. أقلامي , دفاتري , أوراقي المكرمشة على مكتبي , الطائرات و المراكب الورقية التي أصنعها بكثافة غير عادية .. كل هذه الأشياء من سيحاول أن يلمسها , غالباً , لن يكون رد فعلي تجاهه بالشيء المستحب .. لهذا أًتهم دوماً بالأنانية , وحب التملك . المشكلة أنني لم أدع العكس لحظة .. أنا أناني فعلاً , ومحب للتملك , لكن هذا في الأشياء التي تخصني فقط , ولا أكثر . لن أقترب من أي شيء يملكه شخص آخر , وبالمقابل , لا أريد لأحد أن يقترب من أشيائي .. في الواقع محب للتملك هي الصيغة المهذبة جداً للتعبير عما أنا فيه ..
أخطو عدة خطوات للداخل , ثم يظهر عماد ..عماد هو فتى مهذب للغاية , خريج هندسة , وهو يعمل هنا لأنه عاطل هناك ..
عماد كان لفترة ما , يناديني بحضرتك , وأنا في لحظة ما , لم أعد أحتمل أكثر من هذا .. طلبت منه الجلوس , وشرحت له بهدوء شديد أنني حتى هذه اللحظة لم أتخرج حتى بعد , معنى هذا أنني حامل ثانوية عامة , في حين أنه خريج جامعي .. وفي النهاية قلت له بوضوح :
_ " أرحمني يا أخي "
المشكلة أنني حتى هذه اللحظة لم أعرف مما يجب أن يرحمني . الجميل في الأمر أن عماد توصل لحل وسط , أصبح يناديني بـ " يا باشا " .. وأنا رددت له ذلك , وأصبحت أناديه بـ " يا نجم " .
كما قلت بعدها لأحد أصدقائي , ليس لأني متواضع , ولا لأنني أحب أن أنظر لنفسي بالإعجاب وأقول : "يختي عليا " , كما يفعل البعض , ولكن فعلاً جمل مثل "حضرتك", "سعادتك" , تثير أعصابي .. وكما قلت له بعدها أنني اكره إدعاء التواضع بنفس الدرجة التي أكره فيها الغرور ..
أجيل بصري في المكان وألحظ خلوه تقريباً من أي مظاهر الحياة .. أسأل عماد فيجيب في هدوء أن اليوم هو الخميس .. أرفع حاجبي بدهشة : " والله العظيم " .. وأتساءل عن العلاقة بين الخميس , وخلو المطعم \ الكافتريا \ الغرزة .. طيب , أياً كان .. أختار مكاناً منعزلاً نوعاً ما , يضعني أيضاً في مواجهة التلفاز , هذا هو المكان الوحيد في الكون الذي يجمع بين الإثنين .. تلفاز , وإنعزال .. ربما يكون السبب هو كثرة الأجهزة أصلاً , هناك حوالي 4 أجهزة هنا .. أجلس , وعماد يسألني عن الأخبار .. " ماشي الحال " هكذا أتمتم , وأنا أجلس .. وأسأله عن الأخبار , فيتمتم أنه : " تمام" ..
يسألني هل سأشرب أم آكل .. وتبدأ معنوياتي بالإرتفاع بمجرد الحديث عن الطعام .. أجيبه بإبتسامة واسعة أنني سأفعل الإثنين .. لكن فلنبدأ بالحديث عن الطعام الآن رجاء ..
أفكر قليلاً , ثم يظهر الجواب كإلهام :
_ " بيتزا بالمشروم " ..
يهز رأسه , وهو يكتب .. ثم يرفعه إلي في دهشة حين أكمل في هيام :
_ " ورز بسمتي "
يرفع حاجبيه وهو يسألني :
_ " نعم ؟! "
أنتبه ..
"ايوة فعلاً .. مينفعش .. خلاص , بيتزا بس "
يعيد حاجبيه إلى مكانهما الطبيعي ثم يعقدهما ,وهو يهز رأسه , ويمضي .. وأنا أحاول ألا أبداً سخيفاً ..
في الواقع لي تاريخ مشين في " العك " في الأكل .. في المعتاد أنا مشهور أنني " أستطعم " الأكل .. لا آكل أي شيء , وحينما آكل , آكل بمقدار حتى لا يضيع الطعم , والرائحة عامل مهم جداً بالنسبة لي ..
ولكن كل هذا سيتغير في اللحظة التي أجوع فيها , حينها أتحول للرجل الأخضر .. لا " أستطعم " الأكل .. آكل كل شيء , وحينما آكل لا يهم المقدار , سأتوقف حين أشعر بالشبع .. لا أهتم بالطعم ولا بالهباب الأسود حتى .. الرائحة ؟ .. لا أميزها أساساً ..
أتذكر أحياناً أنني كنت آكل "سندوتش ملوخية " حقيقة لا مجازاً .. كنت فعلاً أفعلها حتى لاحظت أن الجميع يقولونها بسخرية حقيقة , فأكتفيت بفعلها , دون التحدث عنها .. ناهيك طبعاً عن "العيش البلدي بالمايونيز و الفلافل .
لكن هذه كانت لها حالات خاصة بالجوع الشديد , في المعتاد أنا لا آكل إلا مقادير ضئيلة .. وحتى في الفترات التي آكل فيها بشناعة لا يتغير وزني بأي حال .أقطع أفكاري بالنظر في التلفاز .. مؤخراً بدأت علاقتي بهذا الشيء تضعف .. تضعف لدرجة أنني بدأت أشعر بعدم جدواه من الأصل .
رغم الإتساع الرهيب في القنوات , والحديث المتكرر عن أن الأمر أكثر مما نحتمل , وشكوى أصدقائي من تعدد المحطات الذي يجعلهم مشتتين جداً , إلا أنني لم أشعر بهذا أبداً .. نعم , القنوات كثيرة جداً , ولكن كلها تندرج تحت ثلاثة أو أربعة مجموعات , لا أكثر ولا أقل . ستجد وجوهاً جميلة في قنوات الأفلام .. تلك الوجوه التي ستكتشف بعد قليل أنها مصنوعة جداً , وأن هذا يؤذي العين جداً .. ثم ستجد وجوهاً متسهوكة ( من السهوكة ) , ووظيفتها في الحياة أن تقوم بتسبيل عينيها , وتخبر الحبيب , الذي يتخيل المشاهد المتخلف أنه هو , كم هو رائع.. لا أحتاج أن أقول أنها الأغاني بطبيعة الحال .. ثم تجد وجوهاً ممتعضة على الدوام , تشعرك أن الوضع مقرف مقزز مقيت مريض, وهو كذلك في الحقيقة , قنوات الأخبار تقوم بالدور طبعاً على أكمل وجه .. ثم تتفرع القائمة لتشمل الوجوه التي تعض شفتها السفلى طيلة الوقت , طبعاً جبهة ميلودي تونز تتفانى في تقديم وجبة شهية تسعد الروح العليلة .. طبعاً دون الحديث عن جبهة الذقون الطويلة , حتى لا يتم إتهامي بالكفر والإلحاد , وأكل مال النبي لو كانوا في حالة نفسية جيدة ..
مؤخراً قلت أنني أجد قناة " العفاسي " لعباً على وتر الربح , وهو شيء لا يصح .. فتم إتهامي بعد مناقشة دامت عشر دقائق , أنني أشجع الإباحية .. لأن هناك قنوات أخرى تلعب على وترها .. المشكلة أنني أجد الإثنين شيئاً مقززاً .. أن أستغل غريزتين من أقوى الغرائز عند الإنسان بهذا الشكل . سواء كان الأمر إستغلالاً للجنس أو الدين .طبعاً إستغلال الجنس والدين تقوم به قناة الناس بشكل يدعو للتأمل حقاً , بإعتبارها القناة التي ستأخدنا إلى الجنة عن طريق إعلانات المقويات التي ستجعل لك ذقناً تشبه الأخ الشيخ المناضل الفقية الداعية فخر الإسلام وحصن الأمة حسين يعقوب بارك الله فيه ..
حولت نظري عن التلفاز سريعاً , أخرجت كتاباً من حقيبتي , وبدأت في القراءة ..
أيام الإمتحانات هي تحديداً الفترة التي تزداد فيها معدل قراءاتي بشكل مروع .. انتهيت بالأمس فقط من روايتين كل منهما تتجاوز المائتين صفحة , كانت القراءة الثانية لرواية (إبتسامات القديسين) لإبراهيم فرغلي , و (تغريدة البجعة) لمكاوي سعيد .. الجميل أنني ذاكرت أيضاً .. هل هناك ضرورة للقول أنني لا أنام تقريباً ؟!
قطع أفكاري للمرة الثانية صوت عال ٍ بجواري .. أعتدت مؤخراً بطريقة أو بأخرى , أن البشر موجودون معنا في الحياة , رغم كون هذا ليس شيئاً لطيفاً على الدوام .. لهذا السبب لم ألتفت حتى , رغم أن الصوت _قياساً لهدوء المكان_ كان عالياً بعض الشيء .. لكن حين تكرر الأمر أكثر من مرة , رميت أذناً نحو الكلام الذي لم أستبنه في البداية .. ولم أستبنه أيضاً لاحقاً , أنخفض الصوت فجأة , وبدا أن النقاش يسير نحو الحل .. ولكني حين عدت مرة أخرى لقراءة أول كلمة تزامن هذا مع عودة الصوت أعلى من المرة الأولى , لهذا ميزت بوضوح أن : _ " هبة تتدخل براحتها .. هبة تتدخل براحتها " وأنا أفلتت مني ضحكة مفاجئة , فاجئتني انا نفسي في البداية : طبعاً هبة تتدخل براحتها .. هذه من حقائق الكون غير القابلة للنقاش من الأساس ..
هناك حقيقة أخرى تقول أن المشاجرة عندما تصل لقمتها , لابد أن تنخفض حدتها مباشرة , غالباً يكون هذا بقرار باتر من أحد الطرفين بالإنسحاب من حلقة الصراع , وغالباً , من حدة صوتها وهي تصمم على أن تدخل هبة هو حق دستوري , كانت هذه اللحظة هي القمة .. طبعاً لابد من وضع عوامل أخرى في الإعتبار .. المكان , هدوءه , أنها هي من تصرخ , وهذا غير معتاد .. كل هذا يؤكد أن الصوت لن يعلو ثانية .. فليستمتع البشر بالهدوء أخيراً .. وليعد من كانوا يقرأون إلى كتبهم .. لم أكن قد نظرت طيلة كل هذا الوقت حتى ناحيتهم .. وقررت أنني لن أفعل .. أكتفيت بتخمين أن الفتاة قد انصرفت , وأنه الآن يحاول أن يمارس دور شكري سرحان , بالتأكيد لو كنا في بار , لكانت كأس الويسكي (فقط لأن كلمة "ويسكي" نفسها ستبدو رائعة تحت تأثير اللسان المعوج , وهو يطلبها من البار مان_ حكيم الفيلم في الغالب ) في يده الآن , ولأغرق أحزانه في أحضان الراقصة ..
لم يمض الكثير من الوقت حتى سمعت صوته هو يعلو هذه المرة .. عرفت ذلك لأنني كنت قد تخطيت أربع صفحات فقط لا غير فيما أقرأ فيه , حين علا صوته , بدرجه أعلى منها طبعاً , مصمماً على :
_ " كلام عن ماما لأ .. كلام عن ماما لأ "
استغربت في البداية أنها يكرران في كل مرة نفس الجملة مرتين , واعقب إستغرابي تمتمٌ غاضب بلا صوت :
_ " الله يحرقك يا أخي أنت وهي "
وأعجبني جداً أن كلمة "هي" تمشي على الناحيتين .. أمه , و تلك التي تصر على تدخل هبة براحتها , والتي بعد صراخه , أخذت تجر ناعماً , سمعت صوتها الهامس وهي تحاول تهدئته بما لم أسمعه , ولكن تخمينه ليس بالشيء الصعب , وهو لم تدم غضبته أكثر من ثلاث دقائق .. انطلق بعدها في ضحك بصوت عال ٍ ..
_ " كدا كتير بقا "
تمتمت غاضباً _كالعادة_ بلا صوت .. وتلفتْ هذه المرة نحو الصوت وعلى ملامحي مكتوب حرفياً :
_ " أين حشرات الحقل القميئة التي تصدر كل هذه الضوضاء "
ولم يخيبا توقعاتي , كانا حشرتين في موسم التزاوج .. نظرت لطاولتهما بنظرة مقتحمة , رفعتها نحو وجهيهما , وتوقفت عند وجهه هو تحديداً .. ليس لأنه ساحر الجمال لا سمح الله , ولكن لأنه نظر نحوي بنظرة لزجة , بادلته بمثلها .. توقفت نظراتي بشكل فعلاً غبي على وجهه , "نعم أنا أستفزك يا صاحبي " .. وهو كان غبياً كالموت فاستمرت النظرات اللطيفة بيننا فترة , ثم عقد حاجبيه .. وأنا لم أعد أحتمل هذا الكم , فحولت رأسي عنه ..
هناك عشاق يثيرون الإشمئزاز , هذا لو كان من الممكن أصلاً أن نضع كلمة "عشق" مجاورة لكلمة "إشمئزاز".. وصدقاً أظن أنه يمكن ذلك ..
منذ فترة لا بأس بها , بدأت في محاولة تدريب دماغي على التفكير بطريقة لا تضع في إعتبارها المسلمات , المسألة صعبة بشكل لا يطاق .. لأن المسلمات بحد ذاتها قد تكون مهمة جداً , بإعتبارها فكرة في حد ذاتها لا تختلف عن أي فكرة أخرى إلا إنها غير قابلة للنقاش , لهذا قد تساعد في الوصول لشيء معين بسهولة أكبر ..
كنت مهتماً لفترة بروعة أن هناك شيء في الرياضيات يسمى "مسلمات" .. مسلمات إقليدس مثلاً أدهشني في البداية ألا برهان لها .. "هي صحيحة " كما أصر الجميع , وأنا كنت مصراً بغباء لا جدال فيه , أن هذا خطأ .. كيف أقبل شيئاً دون برهان .. كيف أسلم رقبتي لفكرة لا أعرف ما إحتمالات صدقها , أو عدم ذلك ..
وأنا عدت مرة أخرى للإيمان برأيي في رفض المسلمات , لكن هذه المرة بطريقة لا تلغيها تماماً .. تضعها في الإعتبار , تحترمها , لكن لو أمكن الوصول لما أريد بغيرها , فأهلاً وسهلاً ..
لهذا فكلمة "عشاق" , حين أسمعها , لا أسمح لدماغي بالتفكير في الورد , والزهور , والهمسات المتبادلة , وأغاني عبد الحليم , وكل هذا الكلام .. بالأحرى أصبحت أفكر في اللاشيء . ولهذا , يمكنني بكل سهولة أن أصف هاذين بإعتبارهما : " عشاق يثيرون الشفقة " .. بالظبط " يثيرون الشفقة " .. حين يتحول الأمر بقدرة قادر , من غضب مستعر , إلى شفقة لما وصلت إليه من حال ..
كان أصدقائي , في الثانوية العامة , يطلبون مني أن أكتب الشعر حتى يعيدون هم كتابته بخطهم , ثم يرسلونه , وهم يسبلون عيونهم للفتيات اللواتي يعشن في خديعة أن هذا الفتى الذي يخطيء في أبسط قواعد النحو هو منتبي عصره .. في الواقع لم يكن الشعر بهذه الجودة دائماً , وكان غالباً لا يُقرأ من أي طرف : المكتوب إليه , والمدعي أنه صاحبه .. المهم أنه كلام موزون غالباً , ويكتب على شكل الشعر الحديث .. هذا طبعاً يعيد للذهن إحتمال أن يصير هذا الأخ الذي يقف أمامها نزار قباني يوماً ما ..
مرة وقع واحد منهم في شرك مميت .. طلبت منه هي فجأة أن يكتب قصيدة حالاً , وأمامها , لأنها شكتْ أنه من يكتب هذا الكلام .. عندما حاول أن يقول أي شيء, طلبت منه أن يفكر حتى في واحدة , ثم أن يذكر لها فكرة آخر قصيدة كتبها .. والفتى للأسف الشديد لم يكن عنده براعة إستخدام تبريرات مثل : " الإبداع لا وقت له / وحي الشعر مغلق حالياً / وجودك امامي أكبر من أي قصيدة ".. وهو على ما يبدو لم يكن يقرأ أساساً ما أكتبه , ويرسله هو لها , وأعترف لها _الله يخرب بيته _ أن له صديقاً يكتب الشعر , وهو يسطو على قصائده بشكل منتظم .. المثير للإنتباة هنا أنها طلبت رقم هاتفي , وهو قال لها _مرتجفاً في الغالب_ أنني لا أملك هاتفاً خاصاً , يقول لي أنها مباشرة طلبت رقم بيتي , وطلبت منه أن يخبرني أن أنتظر أتصالا في الساعة الفلانية .. حسناً .. هناك عدة أشياء يمكن إستنتاجها , أنها تتمتع أولاً بشخصية قوية بدرجة مخيفة , وأنني أستمعت _ بلا نطق كلمة _ إلى حوالي ثلث ساعة من التهزيق المستمر , ما لا أعرفه هو من أين أتت بكل هذا الكلام ؟! .. والمشكلة أنها لم تستخدم حلولاً سهلة مثل الشتائم , أو الإستهزاء .. هي فقط أستمرت في سرد الأسباب التي من أجلها أنا غبي .. وفي الواقع كانت الأسباب منطقية لدرجة عالية .. لدرجة أنني فقط إكتفيت بالإستماع ..
لا أدري لماذا أرتبط هذا الموقف مع جملة لوجية غالي يقول فيها أنه حين ينتحر سيخبر صديقاً , ويترك ورقة يسجل فيها أنه أنتحر .. لأن الإنتحار هو الفعل الوحيد الحقيقي في حياته , وهو لا يريد أن يتم فهم هذا الفعل بطريقة خاطئة ..
ما العلاقة إذن ؟ بصراحة أنا كففت عن البحث .. هناك شيء عبقري في دماغ الإنسان , أنها أحياناً تعمل بشكل منفصل تماماً عن أي شيء في الكون كله .. وطالما قررت دماغي أن هناك صلة , فهناك صلة . مثلاً جملة : "كعب الغزال يا متحني بدم الغزال " من أغنية لمحمد رشدي بنفس الإسم تقريباً , ترتبط معي بشكل مرضي مع جملة شادية التي توجهها لفريد الأطرش : " حبتني صحيح ؟ " فيقول هو في نبرة نصف مستهزئة : " أومّال .. أومّال " فتقول هي ضاحكة ضحكتها المميزة : " أتاريني بقيت فرحانة " .. ما العلاقة ؟ .. الله أعلم
عندما انتهيت من التفكير في هذا الجزء تحديداً , كان عماد , يضع أمامي البيتزا , و زجاجة مياة معدنية لم أطلبها ( سيتم محاسبتي عليها طبعاً ) , ويقول لي " بالهنا والشفا " ..
** ** ** **
بالأمس قتلت صديقي الصرصار .. الأمر يستحق الإحتفال بجنون , وإراقة النبيذ حتى تسبح شوارع المدينة فيه ..
أخجل أحياناً , من الإعتراف بأنني أعتبر الصراصير والأبراص من الحيوانات الأليفة .. ليس هذا للسبب الرومانسي السخيف الذي يقول بأن كلنا نعيش في عالم واحد , وهي تشعر مثلنا , لكن لسبب رومانسي أسخف , وهو أنني أشمئز من منظر الدم الأبيض _ياللهول_ الذي ينز من الصرصار المهشم , ومن الذيل المقطوع الذي ينفصل ببساطة لا متناهية من البرص .
بالأمس , ظهر صديقي الصرصور فجأة في براد الشاي . كنت أملأ البراد صباحاً , نصف مفتوح العينين , محاولاً إبقاء رأسي في وضع رأسي , عندما إنتهيت من ملأ البراد تماماً بالماء , ظهر صديقي العزيز, على قمة الماء , سابحاً بأقدامه , ومثيراً دوائر في منتهى الصغر حول أقدامه التي تتحرك بعشوائية .. بلا لحظة تردد _أكون حاسماً عندما أستيقظ _ قمت بسكب الماء كله على الأرض , وهو بدا متخبطاً من تغير الوسط المحيط بصورة متتالية , ثم بلا رحمة _أكون قاسياً عندما أستيقظ _ رفعت قدمي عالياً , حتى أصبح فخذي يصنع مع قصبة رجلي زاوية قائمة تماماً , وبقوة متزايدة , نتيجة للعجلة التسارعية التي تتحرك بها قدمي _شكراً لطاقة الوضع_ هويت عليه لدرجة أنني لم أعد أشعر بثقله المادي تحتي .. فكرت أنه سيكون من الرائع لو ثبتّ قدمي في الأرض , وأخذت في تحركيها لليمين واليسار , حتى يتهشم تماماً _ أكون سادياً عندما أستيقظ_ ولكنني تراجعت عندما فكرت أنه غالباً ستكون هذه نهاية علاقتي بما أرتديه في قدمي أياً كان .. رفعت قدمي عن " الشيء " الذي كان حياً , وفكرت أين أضع المقشة والجاروف غالباً . ثم رميت البرّاد ممسكاً إياه من أطراف أصابعي , في صفيحة القمامة . التي كان كيسها البلاستيكي أبيض اللون على غير العادة , تزينه جملة ميزتها من وسط الفراغات المتعددة الصغيرة في السلة ذاتها , " نرجو ألا تكون زيارتكم الأخيرة لسوبر ماركتنا " , تساءلت للحظات عن صحة جملة "ماركتنا" من الناحية اللغوية حتى , ثم قررت العودة إلى النوم .. أكون مجنوناً عندما أستيقظ .
** ** ** ** **
المكان : أولى أول
الزمان : أولى إعدادي .. أول ..
الحدث : حتى أنت يا بروتس ..
دخلت مديرة المدرسة إلى الفصل مسلحة بثقل معنوي فظيع .. كانت أصلاً سيدة بدينة , عظيمة الحجم , فساد الصمت تماماً .
لا.. الامر لم يبدأ بهذا الشكل . فلنوقف المشهد للحظات وندرسه بشكل مفصل ..
هذه المدرسة التي تقف, امام السبورة , تشرح لنا أشياء غريبة عن خبر ( إن ) , مستغربة من دخول المديرة بهذا الشكل , وهو الإستغراب الذي سنعرف أنه ليس حقيقياً إلى هذا الحد .. هي كانت متوقعة أن تأتي المديرة , لكن الإستغراب أو الدهشة جاءا من التوقيت نفسه .. سنعطيها الإسم الكودي : وفاء
حسناً .. هذه المديرة , بالطبع هي لم تتغير , زادت فقط في الحجم , وأكتسبت حيزاً جديداً من الفراغ .. وهو الشيء الذي أثر على " ثقلها " المعنوي كذلك .. هناك أشخاص يكسبهم الوزن رقة كجاهين مثلاً , وهناك آخرون يزيدهم الوزن قرباً من مظهر الـ ( لبودي جارد ) .. غني عن الذكر إذن , إنها فقط تحتاج إلى أربعة كيلو جرامات لكي تتحول إلى ستيفن سيجال ..
هناك طبعاً , أنا , هناك .. في الصف الأوسط , الثالث ناحية اليمين .. طبعاً أنا الوحيد الذي يرتدي نظارة طبية تقريباً (لحقني في نهاية العام حسام الشهير بحسام فقط من غير إسم الأب . كان هو الوحيد الـ(حسام) في الفصل , وكان هذا يثير حسدي دوماً ) .. أحاول التظاهر بالإنتباة , وانا أفكر في ألف شيء آخر ..
هناك أحمد محسن .. وهو يجلس في الصف المجاور للنافذة .. يبتسم , ويكتب , يبتسم , ويكتب , ويكتب , ويكتب , ويكتب , ويكتب ..
أحمد محسن كان "موس" الفصل بلا جدال .. وهو لا يعني أنه كان الأول كل سنة على فصلنا الموقر , ولكنه يعني أنه "مبالغ فيه " من ناحية المذاكرة .. هو كذلك يملك شعراً يتطاير مع الهواء .. وانا طوال عمري كنت أحلم أن يحدث لي هذا .. كان شعري دوماً ثقيلاً بشكل لا يسمح لشيء بتحريكه إلا أصابعي فقط ,
لنقم الآن بتأخير الصورة لمدة سنتين ,
نفس المشهد تقريباً دون أي تغيير , لاحظ أننا كنا الفصل الوحيد الذي لا يتغير فيه أي شيء من أي نوع , نفس الشيء كل سنة , ولكن الوضع هنا ما أسميه بالرتابة الممتعة .. حيث أي تغيير , هو حتماً سيء .
كانت هذه هي وفاء منذ سنتين .. لم يتغير في وجهها الكثير .. لابد من ملاحظة الشامة الصغيرة عند طابع الحسن غير المكتمل , عند منتصف ذقنها بالظبط , وهي الشامة التي سأذكرها في الشعر المصاب بالعتة المنغولي , والذي سأكتبه بغزارة غير عادية في تلك الفترة تحديداً ..
في الواقع هذه الفترة رائعة الجمال , ومثالية بروعة خرافية ..
هل هناك حاجة للقول بأنني كنت هائماً في حب اللغة العربية , ومدرسة اللغة العربية , والهمزة في آخر إسم مدرسة اللغة العربية ؟!
حسناً . فلنقم بتقديم الزمن إلى بداية الحكاية :
قلنا أن المديرة دخلت الفصل .. ونظرت للجميع_بما فينا المدرسة_ نظرة إحتقار لا تأتي إلا بالخبرة والممارسة , ثم قالت شيئاً شبيهاً بـ :" جرى إيه يا حوش يا لمامة ؟ "
وأنا أنكمشت في مكاني ,
يحكون دائماً عن قادة الإنقلابات الذين يهربون في اللحظات الحاسمة , يحكون عنهم بإحتقار غالباً , بإعتبار أنهم يقومون بدور غاية في القذارة .. تحميض النفوس كما يقال , ثم الخلعان .
يقال كذلك أن السادات حينما قامت الثورة , كان في السينما , بملابس مدنية , يشاهد مع جيهان ومن سيصبحون "أولادي يا جيهان" , فيلماً لابد أنه لم يدقق في إختياره ..
رغم أن السادات على ما يقال , لم يكن من القادة المباشرين , إلا أنني لم أستطع حتى هذه اللحظة القول بأن ما فعله صواب , أو خطأ .. كل شيء في الدنيا له أكثر من وجه .. المسألة ليست فقط وجهين للعملة وكفى .. هناك عملة عملاقة لها مئات الأوجة , كل شيء ليس غالباً كما تراه , وليس غالباً كما يراه غيرك , وليس في الأغلب كما يراه من يحبك , وربما يكون كما يراه من تكره , كل شيء , حتى الوجة الذي تراه , ربما له أكثر من وجة , وهو غالباً لا يعيش وحده , بل يتأثر بوجة آخر من مئات الأوجة التي تمارس تأثيرها عليه , من عمله أخرى تماماً ..
بمناسبة الحديث عن الإنقلابات , انا كنت قائد الإنقلاب _ الذي سأنقلب عليه بدوري بعد قليل _ الذي يدور الآن .
الأمور تتغير , هذه قاعدة لا بأس بها لتفسير كل شيء , ربما حتى لتفسر أن والمُدرسة التي كنت أكتب فيها الشعر منذ فترة , إنقلبت علينا , فجأة تحولت إلى كائن آخر .. يعامل الجميع بأسلوب في غاية السوء .. ترفض حتى التعامل معنا .. بدأت الخلافات تظهر , وبدأت الأمور تتطور بشكل غريب من من يفترض بهم أن يكونوا تلاميذا , وأطفالاً فقط ..
هذا خطؤها , هي أرتنا ما يمكن للعلاقة بين طرفي الدراسة أن تكون .. أرتنا أننا يمكن لنا أن نستمتع بما نفعل , بدلاً من إعتبار كل شيء كمصيبة ندعو الله يومياً ان تنتهي ..
اختفت فترة , وجاءوا خلال الفترة _ شهرين تقريباً _ بأخرى سندعوها بـ :( س ) .. يكفيها حرف واحد على أي حال .. هل لم تفدنا في أي شيء .. وتركتنا بلا أي أثر يذكر ..
ثم عادت بعد مرور الشهرين , مدرستنا القديمة التي أصبحت "مختلفة " ,
وأنا , من كنت الفتى المدلل بالنسبة لها , أصبحت لا شيء .. لا يعني هذا أنني أصبحت مضطهداً, بل على العكس ربما , أصبحت طرفاً محايداً .. عاملتني هي كطرف محايد , وبدا هذا بالنسبة لي ألعن مئة مرة من الإضطهاد في التعامل ..
الآن , في هذه اللحظة الغريبة بكل المقاييس , بدأ الجميع يستعد لمشاهدة آثار ما فعلوا ..
مدرستنا (القديمة / الجديدة ) تتوقع دخول المديرة الآن , ولكن التوقع على الأرجح لم يكن بقوة الحدث نفسه , بدت مرتبكه بعض الشيء وهي تنظر لنا ثم للمديرة الشهيرة بـ ( فتكات ), ثم تدير ظهرها لنا وتتظاهر بأنها لا تهتم بكل هذا , بل وتبدأ في كتابة أشياء عن (خبر إن) , وكأنها ترفض تضييع الوقت في مثل هذا الهراء ..
كنا جميعاً , نتظاهر بهدوء القديسين .. وننظر ببراءة شديدة كما يفترض بطلبة يعانون , لكنهم يتحملون ما يحدث , فهم صغار يستنجدون بالمديرة (وهي كانت بالفعل كبيرة جداً في كل شيء) ..
بعد جملة المديرة التي تتحدث عن "الحوش" و "اللمامة" , سألتنا :
_ " إيه اللي حصل يا بهايم .. فاضية لكم أنا ؟ "
كان هذا بمثابة إشارة للجميع ليبدأوا الحديث عما أتفقنا عليه جميعاً .. تم تحديد الخطة , وكتبت أنا بيدي قائمة الأشياء التي تفعلها مدرستنا , والتي نكرهها . ولم يبق إلا التنفيذ فقط
قام الجميع بأدوار ممتازة بالفعل , تجعلني أنا الآن فخوراً بنفسي , أعتبر أنني أديت دوري كقائد لإنقلاب ناجح , يكفي حتى لخلخلة نظام الفصل , وهو المطلوب لا غير ..
كل واحد كان يقوم ليذكر حدثاً معيناً , بالوقائع , والتفاصيل , وبشكل بدأ فعلاً يتحول لحفلة إدانة جماعية ..
أحمد محسن تحديداً , وهو من يفترض به أن يكون "الموس" لا غير .. قام هو نفسه وقال حدثاً معيناً , جعل المديرة تعقد حاجبيها , وهو لم يكن بالمنظر المستحب , حتى بالنسبة لنا , وتهمهم .. مفكرة على ما يبدو في كل هذا الكلام , وكل هذه الإعتراضات المتلاحقة ..
جاء دوري ..
قمت بكل قوة , وقلت أن كل ما يقولونه كذب .. هذه ثاني قاعدة للإنقلاب على الإنقلاب .. الأولى طبعاً أن تكون قائده , الثانية هي أن تقول كل ما تقول بثقة شديدة ..
قلت أنها مدرستنا , وأنها معنا منذ مدة طويلة , وأنها رائعة في التدريس , وأنها لا غبار عليها من ناحية معاملتنا , وأن ما قاله أحمد محسن من أنها تتعامل مع الجميع بطريقة في غاية السوء , غير صحيح مطلقاً , وشككت في نية أحمد نفسه ( القاعدة الثالثة) في سبب ما يقول , وأنه ربما يقول هذا , لأنه لا يقوم بالمطلوب منه على ما يرام ..
ثم ذكرت حادثة عشوائية إستثنائية تثبت وجهه نظري (الرابعة) , قلت أنها عندما تأخر أحدنا في الحضور , قامت هي بإعادة الشرح كاملاً , له هو فقط , وأننا جميعاً إستفدنا ..
كان وقع كلامي رائعاً .. أشرق وجه المديرة , وهو لم يكن بالمنظر المستحب كذلك .. وأصبح وجه مدرستنا , شاحباً , وأنا تذكرت أن القصيدة التي كتبتها فيها , قد ألقيتها في القمامة , وأنني قد نسيت تماماً كل شيء فيها , وأنني لم أعد منبهراً بحرف الهمزة في نهاية إسمها , لأنه في بداية إسمي ..
بعد أن ألقيت قنبلتي الصغيرة .. ساد الصمت بين جميع زملاء الإنقلاب .. كادوا يلتهمونني فعلاً , ولكن سبب عدم فعلهم هذا , يبدو ضبابياً جداً ..
بعد أن أنتهت الحصة .. قام أحمد محسن من مكانه .. عرفت ساعتها أنني خائف .. وعرفت أن للموس قدرة على القطع كذلك . كان يسير نحوي بخطوات واسعة , وقفز من على دكة خشبية ليصل لي , وقال لي مباشرة , وشعره يتطاير في الهواء من المجهود :
_ " شرحت له بعد ما جه متأخر يا حيوان .. وعامل لي فيها كريستوفر كولومبس في الأول " ؟
توقعت أنه سيشتبك معي جسدياً , وأنني غالباً سأضربه , لكنه لم يفعل , للأسف , وأبتعد عني بعدها , وأنا جلست وأنا أشعر أنني حيوان بالفعل , وإن كان هذا لم يغضبني .. القاعدة الخامسة .
** ** ** **
كنت قد انتهيت من طعامي .. ناديت عماد الذي جاء لي وهو يبتسم , ويقول لي مرة أخرى :
_ " بالهنا والشفا "
وأنا أبتسمت , ونظرت لصراصير الحقل , فوجدتهما صامتين تماماً , يأكل كل منهما من طبقه في صمت شديد ..
** ** ** **
هناك شيء غير منطقي في جملة : " مدرسة العربي هتديكم حصة الألعاب " .. لكن غير المنطقي جداً أن تقوم "مدرسة الألعاب" بإعطائنا حصة " الألعاب " وهي تلد مولودها الرابع .. قدرات الإنسان المادية تتوقف عند حدود معينة .
مدرسة العربي التي تدرس لنا حصة الألعاب الآن , هي نفسها مدرسة العربي التي إنقلبت على زملائي من أجلها .. أو من أجل أي شيء في الواقع .. أو من أجل أي شيء إلا الأشياء التي تتعلق بها .
"أجروا في المكان " .. قالت هي في بداية التمارين السويدية التي نمارسها قبل عملية اللعب نفسها ..
الجميع بدأ فعلاً في الجري بهذه الطريقة اللعينة .. لم أكن قد مارست هذا التمرين من قبل , وأستغربت أن الجميع يستمتعون بفعله .. كان معنى هذا أن أحرك رجليّ بطريقة تشابة الركض , لكنني لا أتحرك من مكاني .. فقط أحرك قدمي ..
وأنا وقفت عاجزاً عن البدأ ..
توقفت عندي , وطلبت مني أن أفعل مثلما يفعل الجميع
قلت أنني لا أريد أن أجري ولا أتحرك .. أريد أن أجري
طلبت مني أن "أخرس" وأن أفعل مثلما يفعل الجميع
قلت أنني لن أفعل , وأنني سأركض مثلما يركض الناس الطبيعيون ..
قالت لي مباشرة أنني لن ألعب لو لم أركض ..
كنت قد أعدت علاقاتي مع الجميع , لهذا نظروا لي بإشفاق شديد ..
وأنا قلت , وبدايات دموع تظهر , أنني سأركض , ولن أركض في المكان ..
تحركت بضع خطوات لأنني حركت قدمي راغباً في الحركة .. ومباشرة ,
مدت هي قدمها , أصطدمت بها , ووقعت ,
قالت لي هي أن أقوم , "يا حيوان " , وأن أبدأ الركض في المكان ,
وإلا فلأجلس في " أي داهية" ..
وأنا قمت من مكاني , وبنطالي الأسود مغبر , وبدأت الجري في المكان .

الأربعاء، 4 يونيو 2008

لـيـلى


تصعدين _ كالمعتاد _ بعد الفتى ذي العينين الدامعتين بثلاث محطات . تجلسين في مكانك المعتاد , الكرسي وراء النافذة , وتحولين رأسك نحوه , ثم تلقين بتحية الصباح في خفوت , ويرد عليك هو بهدوء مماثل .
يفتح فمه بعدها _ بلا صوت _ مقرراً قول أي شيء , ثم يغلقه , كما يفعل يومياً , وهو يسب نفسه , بهدوء شديد .
تلبسين _ كالمعتاد _ ذات الملابس , تلك التي تشي , ولا تترك مساحة للاحتمالات :
( قميص أبيض اللون , مغسول جيداً كما هي العادة . جيبة كحلية , تدخلين فيها أطرف القميص , الذي تحتل ياقتاه كرافات من نفس لون الجيبة تلك )

يفصل بينكما من العمر , سنتان . ونصف متر هو كل ما يجعلك هناك , ويجعله هنا .

تركبان معاً على الدوام .

كلاكما تنتميان لمكان ناء ٍ نوعاً ما .. يعتبره أغلب السائقين منطقة ميتة ولا جدوى من محاولة بعثها , والبحث عن زبائن فيها .
حتى السائق البائس , الذي يقود بعينين مغمضتين , يتحرك من محطة بدايته _ تلك التي تقع قبل محطة ذي العينين الدامعتين بمحطة _ فقط لأنه لا يجد مكاناً يترك فيه "حبيبة قلبه" , ولأنه لن يأتمن أحداً عليها , حتى لو وجد ذاك المكان الآمن .. هذا من حسن الحظ على أي حال

بعد صعودك ِ بمحطة تصعد الفتاتان الضاحكتان . تجلسان في الكنبة الخلفية ,و تبدأن في "الكركعة" . لا أعرف ما الذي يمكن أن يجعل المرء يضحك بهذه الهستريا , لكنهما سعيدتان على الأقل , وهذا يكفي لينقل بضع ضحكات للسائق , الذي يكون قد أستيقظ , وله . أما أنت ِ , فلا تتحرك ملامح وجهك مهما حدث .

بعد صعودك ِ بمحطتين , يصعد الفتى السخيف .. يجلس وراءك ِ مباشرة , في الكرسي المنفرد , وأحياناً _ القذر _ يدفن ركبته في ظهر كرسيك ِ .. ينظر هو للفتى نظرة احتقار لا لبس فيها حين يلاحظ ما يحدث , لكن السخيف لا يفعل شيئاً , لا يغير من مكانه حتى بأي شكل , ربما لأنه يعرف يقيناً أن ذي العينين الدامعتين أجبن من أن يفعل أي فعل . فيبادله النظر ببرود .

أنت ِ لا تتخذين أي رد على أي شيء . انفعالاتك بسيطة لدرجة الندرة , ونادرة لدرجة العدم .. أحياناً يتمنى ذو العينين لو تتغير ملامح وجهك فقط .. أن تظهري امتعاضا فقط .. عندها ربما يصبح بإمكانه قول أي شيء .. فعل أي شيء .. لكنك لا تفعلين .

مرات نادرة تلك التي تحدثت معه فيها :
المرة التي كان يمسك فيها كماً رهيباً من الكتب , قبل الامتحان بساعات , محاولاً أن يضع أي شيء قي أي مكان في رأسه , وحين أوشكت على النزول , بعد أن قمت ِ من مكانك ِ , نظرت نحوه ثم قلت ِ :
_ " ربنا معاك "
ونزلت ِ تاركة فمه مفتوحاً من الذهول .

والمرة التي تحدث هو فيها , حين رأي حيرتك بين موضوعين في الفيزياء , قبل امتحانك ِ أيضاً .. ويبدو جلياً أنك لا تعرفين كليهما , لأنك كنت لا تثبتين على شيء معين , بحالة تشابه الذعر كثيراً .. وقال لك هو بعد أن أختلس النظر :
_ " الأول أهم بكثير " . ابتسمت ِ وشكرته , ولكن دونما تردد , بدأت استذكار الثاني ..

تهبطين _ كالمعتاد _ قبل ذي العينين بمحطة , تقومين من مكانك ِ بهدوء شديد , تنظرين بطرف عين ليسارك , وتقولين :
_ " السلام عليكم " , لشخص غير محدد , لكن ذي العينين هو _ كالمعتاد _ الوحيد الذي يرد سلامك ِ في خفوت مماثل .

ينظر هو دوماً ليمينه ناحية باب العربة نصف المفتوح , وهو يتأمل من خلاله , باب المدرسة المفتوح كذلك , يقرأ اللافتة التي تقول أن المدرسة نظيفة , جميلة , متطورة , منتجة , ثم ينظر ليمينه , فيجد اللافتة التي تقول أن هذه هي مقابر ( آل غنّام ), قد يبتسم هنا , وهو يحاول البحث عن السبب الذي يدعو لبناء مدرسة_ نظيفة , جميلة , متطورة , منتجة _ أمام المقابر

آخر مرة تغير الأمر بعض الشيء . قبل أن تهبطي بفترة , غيرت ِ من وضعك فجأة . نظرت نحو الفتى السخيف الذي يجلس خلفك , قلت مباشرة , وبلا مقدمات :
_ " أقعد عدل "
ذعر الفتى , وجلس مباشرة وهو يبتعد بركبتيه عن ظهر الكرسي .. وحاول أن يبدو ثابتاً , بوجه بدا شديد الشحوب . الحق أنك كنت مخيفة جداًَ .

أما صاحب العينين الدامعتين , فقد كاد يتدخل فوراً , موقناً أن أمنيته التي كان يظنها حمقاء مستحيلة الحدوث , قد تحققت أخيراً , وأنك ِ _ أخيراً _ تحركت ِ , لكنه عاود الجلوس في هدوء , وهو ينظر ليدك اليمنى , التي بدت جميلة حقاً تحت تأثير الذهب في بنصرك ِ

حين استعددت للهبوط , وقلت :
_ " السلام عليكم " . لم ينبس ذو العينين الدامعتين بكلمة , وإن كان قد سمعك بالتأكيد . وحين قال فجأة :
_ " وعليكم السلام " , وكأنه يستيقظ من النوم .. كنت ِ أنت ِ قد نزلت فعلاً , ولم يلمح إلا ياقة القميص الأبيض الذي تلتف حوله كرافات من نفس لون الجيبة

نظر ناحية اليسار , دون أن يسأل سؤاله المعتاد عن المقابر , وقرأ الفاتحة .




الخميس، 29 مايو 2008

المطيباتي لا يجد من يساعده


أنا أفشل بشري على وجه الكرة الأرضية يلعب دور "المطيباتي "
لهذا السبب لم أجد شيئاً أقوله , بعد أن انتهت من الشكوى المرة.. لم أجد إلا زم فمي , وعقد حواجبي , في إشارة كنت أدعو الله أن تلتقطها , أنني أفهمك , أنني أفهم ما تعانينه , وأنا في الواقع , لا هذا , ولا ذاك ..
_ "حاسّة بمرار"
هكذا قالت .. أنا شعرت أنني حزين فعلاً من أجلها .. طالما تحس بمرار , فالأمر خطير فعلاً..
أكملت :
_ " كل ما أبلع ريقي .. إحساسي ساعتها اني بالعة علقم "
وأنا , في هذه اللحظة , فكرت أن قليلاً من المزاح , الآن وحالاً , سيكون له أثر إيجابي لا بأس به مطلقاًَ , و ربما تتحقق المعجزة ويزول المرار اللعين .
لهذه الأسباب أبتسمت وأنا أقول :
_ " غالباً عندك زكام "
ولما رفعت لي عينيها , بعدما كانت تضعهما في الأرض , هززت كتفي مستمراً في المزحة :
_ " أو حصبة "
وهي ثبتت نظرها عليّ دونما حركة واحدة , ثم أزاحت عينيها بحركة حادة , تطاير خلالها بعض الماء من العين , بطريقة أثارت ذهولي .. فتحت فمي , غير قادر على قول أي كلام .. وثبتْ عيني على بقعة صغيرة للغاية , ما سببتها قطرة ماء , كانت منذ لحظات في عينيها ..
وفكرت أن الزكام , لا علاقة له غالباً بالأمر .
** ** ** **
العنوان مستوحى من عنوان رواية ماركيز : " الجنرال لا يجد من يكتب له "

الجمعة، 23 مايو 2008

إكتئاب أحادي البؤرة


_ " هو أحنا معقدين زيادة عن اللزوم ؟ "
ولما صمتت طويلاً أيقنت أنها تسأل .. لا تقول جملة تقريرية .. أضفت علامة الإستفهام في رأسي , وأنا أكاد أتكلم , ثم أصمت , وأحرك رأسي قليلاً لأتيح لدماغي التفكير في السبب الذي يدعوها لتسأل السؤال بـ " إحنا " , في حين أنني لست من يشكو منذ نصف ساعة ..
ارتديت سمت الحكيم .. استطالت لحيتي البيضاء كثيراً , وأصبحت أرتدي الآن هلاهيل بيضاء ..
ثم قررت أن هذا سخيف جداً .. بل وتقليدي .. لماذا لا يرتدي الحكيم ملابساً أنظف قليلاً , دعنا من الصوفية الآن رجاء ..
عدت لملابسي السعيدة , ابتسمت بسمة الحكماء , وأنا أقول :
_ " شوفي .. "
ثم أضع قدماً فوق قدم , بإعتباري مثقف تقدمي , ما بعد حداثي , حيث هذه الجملة تحديداً توحي بالكثير من الكلام غير المفهوم ..
ولما نظرت لي منتظرة .. بدأت أحرك يدي حركات دائرية وأنا أمط شفتي , كثيراً كثيراً .. وأبحث عن شيء أقوله ..
طال البحث أكثر مما توقعت , عندها قلت لها في إستسلام وأنا أنظر بعيداً :
_ " في حاجة غلط " .

الخميس، 22 مايو 2008

رمال متحركة


بعد أن انتهت من عزف لحن أغنية (whenever i say your name ) لـ Sting .. إبتسمت مربتة على الجيتار رائع اللون, وهي تقول لي :
_ " أي خدمة يا زعيم "
وانا شكرتها , تأملت الجيتار مرة أخرى , في حين ابتسمت هي مرة أخرى محتضنة الجيتار , وكأنها تشكره قائلة :
_ " أنا أقدر أعمل بدا أي حاجة "
وأنا غلبتني رغبة سخيفة في قول كلام أبلة :
_ " أي حاجة ؟ "
_ " أي حاجة "
_ " أي أي حاجة ؟ "
_ " أي أي حاجة "
_ " حتى البتنجان ؟ "
تراجعت برأسها , بحركة رأيتها قريبة من الفزع .. عقدت حاجبيها , في ثوان , عادت تبتسم , ثم قررت _ على الأغلب _ أن تشاركني العبث , فقالت :
_ " حتى البتنجان "
لكنها للأسف .. لم تلحظ حين قالت ما قالت أنني لاحظت أنها حركت عينيها نحو اليسار أولاً , وحكت أنفها ثانياً .. ورمشت بعينيها ثالثاً , كلها علامات على الكذب ..
ابتسمتُ , ولم أعلق .. أنتظرت هي بضع دقائق ثم عادت تقول :
_ " والله أقدر "
وأنا لم أعلق .. بدت هي بائسة حقاً , وهي تحاول إقناعي , وتقول :
_ " والله بجد أقدر .. "

السبت، 17 مايو 2008

هزة رأس


أجفل , فأستيقظ ..
نغمة الرسائل تتصاعد برتابة من هاتفي , فأفكر أنني لابد أن أغيرها قريباً .. أنظر بطرف عيني نحو الزاوية اليسرى العلوية من الشاشة .. الثامنة .. نمت عشر دقائق , ياللسعادة .
أقرأ الرسالة وأبتسم .. "kol 3am w enta haik" .. أنا مستغرب أصلاً انه يتذكرني , فما بالك حين يتذكر عيد ميلادي ..
لعل رسائلة هي الوحيدة التي أقرأها بلغة الفرانكو آراب المقيتة ولا أمتعض , اعترفَ هو أن من الغباء أنه أشترى هاتفه من هناك , حيث يتحدثون الإنجليزية بصعوبة أصلاً ..
كنا قد أتقفنا قبل أن يسافر , أنه حين يبعث لي برسالة , مهما كان الوقت , ومهما كانت حالة رصيدي , فأني سأبعث الرد ..
يقول أن غربة اللغة مقيتة فعلاً , وأصدقه ..
يقول أن من معه في الغرفة هناك , فتى عربي ولكنه لا يتحدث بكلمه ,
يقول أن الفتى من أغرب ما رآي .. يقضي ليله بالكامل بالخارج , يعود مترنحاً , فيلقي بنفسه على السرير لينام كالبغال القتلى , ثم يستيقظ , فيمسك كتابه , ويبدأ الإستذكار دون كلمه ..
كنت سأتقبل هذا الحديث حين يصدر عن غربي لأني أعتدت هذا منهم , لكن عن عربي ؟ .. يبدو الأمر غريباً بعض الشيء ..
رصيدي متوفي تقريباً منذ فترة , لكن ما تبقى يمكنه التكفل بأمر رسالة .. أتمنى ..
أشكره على رسالته , وأقول له أن يدعو لي لأن اليوم إمتحاني الشفوي ..
بعد وصول رسالتي بدقيقة , وأنا أغسل وجهي , سمعت صوت هاتفي .. خرجت مبلل الوجة وأنا واثق أنه هو ..
_ " ألو "
_ " كيفك يا ( .... ) "
_ " إحم .. الله يكرمك .. اخبارك إيه "
_ " ماشي الحال " ثم صمت للحظات :
_ " معي دقيقة واحدة .. إسمع "
فأسمع ..
ينتهي قبل الدقيقة فيقول لي مباشرة :
_ " معك 20 ثانية .. اتكلم "
فأتكلم ..
يُقطع الخط فجأة .. حسناً .. لا بأس .. هو بخير .. لن يتزوج من الفتاة التي قال انه سيتزوجها .. الوضع خانق , وهو يفكر في العودة ( لن يفعل ولو رقصت الأسود الفالس وهي تأكل الفشار ) ..
لا بأس .. قلت له أنني بخير ( ولست ) وأن أمور تسير على ما يرام ( وليست ) , وأنني أقرأ بشكل مهول هذه الأيام .. وإن إمتحان مهم للغاية قطم وسطي بالإمس .. وأنه يجب أن يقرأ رواية 1948 .. وأنني سأموت من الحنين في أقرب فرصة ..
قال هو في نهاية الحوار :
_ " خليك جد .. "
وهي ما تعني طبعاً " جدع " ولكنها من الممكن أن تقبل كـ " جد " لأنني لست كذلك أيضاً ..
بعد أن أعود لغسل أسناني .. أسمع صوت الهاتف مرة أخرى .. الهاتف الأرضي لا يرن إلا لثلاث أسباب ..
الإحتمال الثاني يكون هو الصواب :
_ " أنت لسه نايم ياض "
أقول :
_ " صحيت من شوية يا متخلف .. وبلاش ياض عشان بكرهها الله يكرمك "
يقول هو لأنه متخلف :
_ " ماشي ياض "
وينفجر في الضحك .. سمعت هذه الدعابة ما يقرب من الألف مرة .. أصارحه بهذه الحقيقة ويقول لي أن هذا أجمل , لأنه يتفوق في المقارنات دوماً ..
أستعوض الله في أصدقائي ..
_ " هتنزل الإمتحان ولا مش ناوي "
_ " هتعدي عليا أمتا "
_ " اممم .. ربع ساعة كدا "
حسناً .. هذا يعني أن أمامي نصف ساعة لأجهز .. أغلق الخط ..
ماذا ستفعل في يوم عيد ميلادك يا فتى ؟
لماذا لا نبدأ بالشوكولاتة .. أو بقراءة شيء ما .. أو بالنظر في النافذة .. أو بإرتداء ملابسي .. أو بسماع مارسيل خليفة .. أو فيروز .. ربما ماجدة الرومي .. ربما لا شيء من هذا ..
افتح التلفزيون فتظهر ( ميريام فارس ) .. أفكر في أي سنة لعينة هذه التي تبدأ بـ( ميريام ) .. امممم .. ليس الوضع بهذا السوء لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى ..
أحاول أن أتذكر كليبها الأخير .. ذلك الذي تستعرض فيه قدرتها على إعطائنا أكبر كم ممكن من زوايا الرؤية .. حسناً .. هل أنا أتخيل أم أنها تحاول التركيز على " رسالة " معينة .. عموماً دع الخلق للخالق .. يارب يكون في الثلاجة شوكولاتة .. وتكون مفاجأة عيد ميلادي السعيدة , " فلوتس " ولنسجد لله شكراً , أشتريت هذه الشوكولاته منذ شهر تقريباً , وهي الوحيدة المتبقية .. أفكر وأنا أستشعر الطعم المحبب ..
أفكر أنني مرهق حقاً .. فلنر ما أخبار السرير الآن .. لكن .. فلنبدأ العام الجديد بالإستحمام .. بالظبط .. فضلاً عن روعة المياة في حد ذاتها يمكنني الآن التحدث عن التطهر , وعن البعث , والولادة من جديد .. يبدو هذا رائعاً فعلاً . لا , لا يبدو .. لا توجد مياة ساخنة !
أنا غبي .. أنا غبي .. أطفأت السخان بالأمس لأن فاتورة الكهرباء جعلتني أحسد الإنسان البدائي .. قال لي محصل الكهرباء أن السبب _لامؤاخذة حضرتك_ هو السخان .. وأن الحل _ لامؤاخذة حضرتك _ أن أطفأه هذه الأيام , لأن هذه الأيام _لامؤاخذة حضرتك_ صيف ..
بالطبع يمكنني الآن أن أتحدث عن الترف اذي أعيش فيه و عن الرجولة الضائعة في هذا الزمن , لو كان أبي موجوداً كان سيتحدث بالطبع عن جدي الذي كان يستحم بمياة باردة في عز الشتاء .. لكني للأسف لست رائق البال لكل هذا الكلام .. هناك مصيبة عدم وجود مياة ساخنة الآن ..
مياة باردة ؟ .. لم لا ؟ ..
** ** ** **
يا نهار أسود !
لم أتخيل أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة .. أفكر وأنا أرتجف , وأجفف جسدي بفوطة مرسوم عليها عصفورة , وشمس , أن الأمر قاسي فعلاً .. قاسي لدرجة لا يمكن تخيلها , ثم أفكر أنني سخيف فعلاً .. أنا أصف الإستحمام تحت مياة باردة بالقسوة .. هذا سخيف .. سخيف لدرجة أنه حقيقي .
قضيت وقتاً لعيناً تحت المياة الباردة أقوم بحركات خرقاء لبعث الحرارة , وأصدر أصواتاً مثل : " اوووووف .. اوووووف "
أبتسم , وأقرر أن أسمع ماجدة الرومي .. نعم .. بداية عامي العشرين ستكون بماجدة الرومي ..
لحظات , ويتصاعد صوتها صادحة : " لا بدي تراضيني , ولا بدي تحاكيني .. لا تصبحني ولا تمسيني " .. يصلني وأنا أحضر النسكافية من الداخل ..
أسمع صوت هاتفي المحمول , وأنا أخرج من باب المطبخ .. أرتدي ملابسي دون الإلتفات له , وعندما يستمر في الرنين , أضغط رز "صامت " دون أن أنظر حتى من الذي يتصل .. أستمع لها وهي تقول : " إنساني أعمل معروف " , وأنا أشرب بهدوء .. لماذا لا تستمر هذه اللحظات للأبد ؟! .
بعد أن تنتهي الأغنية .. أقرر أني سأسمع " سمراء النيل " .. أحب هذه الأغنية , كانت هذه هي أول أغنية أتعرف فيها على كيان يسمى ماجدة الرومي .. قبلها كنت أسخر أنا وأخي منها .. كنا نغني ( كن صديقي ) بضحك هستيري بعد ان ننطقها ( كون صديكييي ) ..
" كرقص الريح بفستان"
مين أين يأتون بهذا الكلام ؟
أتحدث مع صديقي حين يتصل مرة ثانية , يسألني إن كنت قد نمت , أبتسم للحظات , وانا أقول له أنني غفوت قليلاً .. يقول لي أنه ينتظرني في الأسفل .. أقول له أن ينتظر عشرة دقائق .. يخبرني أن الإمتحان تبقى عليه ربع ساعة .. وأعيد طلبي .. أقول له أن الإمتحان شفوي لهذا يمكننا الذهاب متأخرين قليلاً ..
_ " هتعمل ايه يعني في العشر دقايق دول ؟ "
_ " هسمع سمراء النيل بتاعة ماجدة الرومي "
يضحك هو .. حسناً , من الجميل انه ظن أنني أمزح , لأنني لا أحب أن أًشتم مرتين في يوم واحد .
أعود للكاسيت , ما زلت أتعامل مع هذا الجهاز في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن ( الإم بي ثري) ومشتقاته .. ما زلت أجد الكاسيت حميمي جداً , مقرب جداً ..
أترك ماجدة تكمل :
" كالأرض حميمة وبهية , كالشمس قديمة و صبية "
وأعيد الأغنية من بدايتها .
** ** ** **
أول ما ألاحظه وأنا أهبط السلم أنني أشم رائحة التقلية .. رائع .. رائع رائع رائع رائع .. عيد ميلادي حتى الآن يحقق أرقاماً قياسية في إسعادي .. يمكنني الآن أن أضيف التلقية للموضوع ..
من يا ترى قرر أن اليوم مناسب للملوخية ؟! .. وهو مناسب فعلاً ..
أقترب من كل باب لبعض الوقت , أغمض عيني و وأشم بعمق .. بعمق .. أركز .. لا .. ليس من هنا ..
حتى أجد مركز الرائحة .. الله الله .. لا أذكر الإسم .. لكن هذه المرأة نًفًسها في الطبيخ عبقري السحر .. يا خرابي ..عبقري بمعنى الكلمة ..
أمنع نفسي بصعوبة من الإبتعاد .. هناك قصة بديعة لجحا حين قام بأكل الخبز على رائحة الشواء .. فطالبه البائع بثمن الرائحة .. أحببت هذه القصة فعلاً .. أذكر حتى أين قرأتها أول مرة .. ماجد .. قصة مصورة .. الصفحة قبل الأخيرة .. بعدها بصفحة كانت موزة الحبوبة وشقيقها رشود غالباً .. ياااااه .. منذ فترة لم أشتر مجلة ماجد .. أقرر أنني سأشتريها اليوم ..
كان أبي يفضل أن يشتري لي ماجد عن ميكي .. كان ينظر للأمر من نظرة تعليمية بحتة .. ميكي لم يكن فيها غير المغامرات لا أكثر .. لكن ماجد , كانت مجلة شاملة حقاً .. لكن مغامراتها كانت مملة نوعاً ما .. أصلاً أي شيء ممل لو قورن ببطوط ..
أرى صديقي واقفاً ينتظر في هدوء , أشكر له هذا في سري , وأقرر أنني مدين له بشيء حين يطلب مني خدمة ..
_ " كل سنة وانت طيب يا زعيم "
أبتسم :
_ " وأنت طيب .. عرفت منين ؟ "
_ " الفيس بوك ! "
_ " الله يخرب بيت الفيس بوك ياسيدي "
وأتذكر :
_ " ثم أنت أصلاً مش عندي "
يقول هو في هدوء :
_ " ايوا .. بس غيري عندك .. وغيري عرف .. وغيري قالي "
أهز رأسي ..
_ " عملت إيه إمبارح في الإمتحان النظري ؟ "
أهز رأسي .. لماذا تصر الدنيا على أن تنكد علي بشكل أو بآخر .. أقول :
_ " يعني .. "
يصمت هو للحظات :
_ " يعني إيه ؟ "
_ " يعني يعني "
يصمت هو للحظات أطول :
_ " واضح فعلاً "
_ " أي خدمة "
ثم أتذكر شيئاً ما :
_ " كلمني عن الـ jaundice .. (الصفراء) "
_ " إشمعنا "
_ " عشان ما أعرفش عنها حاجة .. خالص تقريباً "
_ " إسمع "
فأسمع ..
حسناً .. الأمر بسيط .. الصفراء هو إصفرار لون الجلد , خصوصاً الوجة .. حين تحدث مشكلة في العصارة الصفراوية التي يتم إفرازها من المرارة ..
_ " جميل ؟ "
_ " جميل "
يسألني عن العصارة الصفراوية من أين تأتي أصلاً .. أجيبه أنها من تكسير خلايا الدم الحمراء حين تصل للشيخوخة .
_ " كدا فل "
الآن هناك ثلاث أسباب لحدث الصفراء .. مشاكل في خلايا الدم .. أو مشاكل في الكبد الذي يقوم بتكسير خلايا الدم هذه .. أو مشاكل في المرارة , التي تقوم بإفراز هذه المادة ..
_ " جميل ؟ "
_ " جميل "
حين ينتهي ينظر لي ضاحكاً ويقول :
_ " إحنا في جامعة يا ريس .. المفروض نحصّل معلومات , مش نلم في آخر شهرين "
أضحك أنا وأقول :
_ " قصدك عليا يا حقير "
_ " لا يا عم .. انت بتلم في آخر ساعتين "
أضحك وأنا مستمر في السير ..
** ** ** **
يتم النداء علي أخيراً , أمسك الورقة التي سيُكتب فيها الأسئلة .. يتم دفعي نحو غرفة ما .. أتمتم أن " ربنا يستر " .. تشير لي المعيدة نحو مكتب ما تجلس خلفه دكتورة مبتسمة .. صبوحة الوجة .. أفكر أن بها لمسة طفولة واضحة , ربما ما جعلني أقول هذا , هو ذيل الحصان الذي تربطه بتوكة ميزت لونها حين ادارت وجهها للحظات ..في أوائل الخمسينات تقريباً .. المعيدة همست لي " يا بختك " , وأنا كررت "ربنا يستر " بقوة أكبر .. لم يقل لي أحد " يا بختك " وسارت الأمور على خير ... " ربنا يستر " بقوة أكبر .
حين جلست أمامها , إتسعت إبتسامتها .. قالت لي في هدوء :
_ " صباح الخير يا ..
نظرت في الورقة ثم نطقت إسمي , وهي تسألني عن إسم أبي الذي لم يكن واضحاً . قلت لها , فأبتسمت وقالت :
_ " عاشت الأسامي "
" ايه الناس اللي زي العسل دي " .. فكرت .. ثم هززت رأسي وأنا أكرر " ربنا يستر " ..
سألتني :
_ " تحب أسألك في إيه ؟ "
وأنا بدأت أستشعر الخدعة .. النصائح لا تعرف المزاح .. حين يسألك الممتحن عن الشيء الذي تحب أن يسألك فيه , لابد أن تبتسم بملائكية , وتحني رأسي في خفر , ويكون من الرائع لو تورد وجهك , ثم تقول في خفوت :
_ " اللي تشوفه "
ابتسمت بملائكية , وحنيت رأسي في خفر , وكان من الرائع حقاً أن وجهي تورد , وقلت في خفوت :
_ " اللي تشوفيه "
ابتسمت هي وقالت :
_ " تعرف تكلمني عن ال jaundice "
فتحت فمي في بلاهة .. لا يعقل .. لا يعقل .. لا يعقل ..
نظرت لها , وكدت أرى الجنية التي تهديني قبلة وهي تقف على كتفها الأيمن ..
إبتسمت في ثقة .. وأنا أكاد أقول : " الjaundice دي لعبتي أصلاً "
شرحت لها ما سمعته دون زيادة كلمة .. ابتسمت في رضى , وسألتني عن وظيفة القزحية , الجزء الملون من العين , وأنا أبتسمت , وأنا ألمح الجنية ترقص السامبا الآن , شرحت لها ما أعرفه , وهي أبتسمت في رضى ثم قالت :
_ " عملت إيه في إمتحان النظري إمبارح "
وأنا لم أنظر لها , وأنا أقول :
_ " يعني "
كانت الجنية توقفت عن الرقص , وبدأت تلم حاجياتها أستعداداً للرحيل .. كان هذا حين أبتسمت وهي تقول لي :
_ " ربنا يوفقك .. "
وقلت أنا :
_ " شكراً "
وحين خطوت خارج الحجرة , بعد إنتهاء لجنة الشفوي الثانية كنت أبتسم وأنا أغني :
_ " ورينا القوة .. يا بني أنت وهوا .. مين عنده مروّة .. وعاملي فتوة "
وأفكر أن صلاح جاهين عبقري .. وأن الشيخ سيد , لن يتكرر
** ** ** **
" مسا التماسي .. مسا التماسي .. يا ورد قاعد على الكراسي "
ثم أنتظر حتى أبتلع ما في فمي وأكمل :
_ " يااااااااا ليييل "
كنا جالسين أمام معرض أثاث يبدو رائعاً فعلاً .. المعرض في الدور الثاني , وأنا وجدت هذا غريباً قليلاً ..أشار واحد من أصدقائي نحو كنبة سوداء , أطرافها مطرزة باللون الفضي وقال :
_ " حلوة جداً "
وأنا وافقته , وأنا أنتهي من سندوتش الطعمية رائع الطعم ..
قال , أستعرف متى ستصبح رائعة فعلاً .. سأله واحد من مجموعتنا السعيدة الجالسة على الرصيف مستفسراً .. فأكمل هو :
_ " جمب البيانو كدا .. يعني مش تبع الصالون .. لا .. تكون كدا في المنطقة المحيطة بالبيانو .. بس انا مش هحط بيانو غالباً لأنها بتقول أنه هيزحم البيت "
_ " والنبي أنت وهي عسل "
هكذا صارحته , وأنا أبدأ سندوتش الفول ..الذي أكن له تقديراً أقل من الطعمية لكنه محترم طبعاً .. بطريقته الخاصة .
قبل أن أنتهي من سندوتش الفول الذي أكن له تقديراً أقل من العطمية .. مر علينا فتى قصير القامة يوزع أوراق إعلانات .. أعطى كل أعلاناً .. أمسكت الإعلان الخاص بي بأطراف أصابع ملوثة بالفول . ثم أنفجرت في الضحك وأنا أقرأ الإعلان الذي يقول بوضوح تام :
_ " ليه تعمل فرحك أغلى .. لما ممكن تعمله أرخص " ثم يؤكد قائلاً أن القاعة تقدم أرخص الإسعار في مصر كلها .. وأن الفرح سيكون من ليالي ألف ليلة وليلة ..
وهو أمسك الإعلان قائلاً أنها علامة من المؤكد .. وأنا وافقته ..هز رأسه , تنهد وصمت , وأنا بدأت أصنع المركب الورقي كعادتي مع هذه الأوراق .
** ** ** **
الفجر أخيراً ..
أجلس على الكرسي منذ التاسعة مساءً , وحتى هذه اللحظة .. الساعة الخامسة صباحاً .. أنتبه لأنها الساعة الخامسة لا لأن معي ساعة لا سمح الله , ولا لأني نظرت في واحدة .. بل لأن الأذان في هذا الوقت لا يعني إلا الفجر لا أكثر ..
حين أفكر أنها الخامسة .. أحاول أن أصرف هذه الفكرة عن رأسي .. لا يعقل أنني قضيت ثمان ساعات لا أفعل شيئاً إلا محاولة عد المربعات الرخامية في أرضية حجرتي , بطريقة تختلف عن ضرب عدد هذه المربعات الطولية في تلك التي بالعرض ..

المتابعون