السبت، 17 مايو 2008

هزة رأس


أجفل , فأستيقظ ..
نغمة الرسائل تتصاعد برتابة من هاتفي , فأفكر أنني لابد أن أغيرها قريباً .. أنظر بطرف عيني نحو الزاوية اليسرى العلوية من الشاشة .. الثامنة .. نمت عشر دقائق , ياللسعادة .
أقرأ الرسالة وأبتسم .. "kol 3am w enta haik" .. أنا مستغرب أصلاً انه يتذكرني , فما بالك حين يتذكر عيد ميلادي ..
لعل رسائلة هي الوحيدة التي أقرأها بلغة الفرانكو آراب المقيتة ولا أمتعض , اعترفَ هو أن من الغباء أنه أشترى هاتفه من هناك , حيث يتحدثون الإنجليزية بصعوبة أصلاً ..
كنا قد أتقفنا قبل أن يسافر , أنه حين يبعث لي برسالة , مهما كان الوقت , ومهما كانت حالة رصيدي , فأني سأبعث الرد ..
يقول أن غربة اللغة مقيتة فعلاً , وأصدقه ..
يقول أن من معه في الغرفة هناك , فتى عربي ولكنه لا يتحدث بكلمه ,
يقول أن الفتى من أغرب ما رآي .. يقضي ليله بالكامل بالخارج , يعود مترنحاً , فيلقي بنفسه على السرير لينام كالبغال القتلى , ثم يستيقظ , فيمسك كتابه , ويبدأ الإستذكار دون كلمه ..
كنت سأتقبل هذا الحديث حين يصدر عن غربي لأني أعتدت هذا منهم , لكن عن عربي ؟ .. يبدو الأمر غريباً بعض الشيء ..
رصيدي متوفي تقريباً منذ فترة , لكن ما تبقى يمكنه التكفل بأمر رسالة .. أتمنى ..
أشكره على رسالته , وأقول له أن يدعو لي لأن اليوم إمتحاني الشفوي ..
بعد وصول رسالتي بدقيقة , وأنا أغسل وجهي , سمعت صوت هاتفي .. خرجت مبلل الوجة وأنا واثق أنه هو ..
_ " ألو "
_ " كيفك يا ( .... ) "
_ " إحم .. الله يكرمك .. اخبارك إيه "
_ " ماشي الحال " ثم صمت للحظات :
_ " معي دقيقة واحدة .. إسمع "
فأسمع ..
ينتهي قبل الدقيقة فيقول لي مباشرة :
_ " معك 20 ثانية .. اتكلم "
فأتكلم ..
يُقطع الخط فجأة .. حسناً .. لا بأس .. هو بخير .. لن يتزوج من الفتاة التي قال انه سيتزوجها .. الوضع خانق , وهو يفكر في العودة ( لن يفعل ولو رقصت الأسود الفالس وهي تأكل الفشار ) ..
لا بأس .. قلت له أنني بخير ( ولست ) وأن أمور تسير على ما يرام ( وليست ) , وأنني أقرأ بشكل مهول هذه الأيام .. وإن إمتحان مهم للغاية قطم وسطي بالإمس .. وأنه يجب أن يقرأ رواية 1948 .. وأنني سأموت من الحنين في أقرب فرصة ..
قال هو في نهاية الحوار :
_ " خليك جد .. "
وهي ما تعني طبعاً " جدع " ولكنها من الممكن أن تقبل كـ " جد " لأنني لست كذلك أيضاً ..
بعد أن أعود لغسل أسناني .. أسمع صوت الهاتف مرة أخرى .. الهاتف الأرضي لا يرن إلا لثلاث أسباب ..
الإحتمال الثاني يكون هو الصواب :
_ " أنت لسه نايم ياض "
أقول :
_ " صحيت من شوية يا متخلف .. وبلاش ياض عشان بكرهها الله يكرمك "
يقول هو لأنه متخلف :
_ " ماشي ياض "
وينفجر في الضحك .. سمعت هذه الدعابة ما يقرب من الألف مرة .. أصارحه بهذه الحقيقة ويقول لي أن هذا أجمل , لأنه يتفوق في المقارنات دوماً ..
أستعوض الله في أصدقائي ..
_ " هتنزل الإمتحان ولا مش ناوي "
_ " هتعدي عليا أمتا "
_ " اممم .. ربع ساعة كدا "
حسناً .. هذا يعني أن أمامي نصف ساعة لأجهز .. أغلق الخط ..
ماذا ستفعل في يوم عيد ميلادك يا فتى ؟
لماذا لا نبدأ بالشوكولاتة .. أو بقراءة شيء ما .. أو بالنظر في النافذة .. أو بإرتداء ملابسي .. أو بسماع مارسيل خليفة .. أو فيروز .. ربما ماجدة الرومي .. ربما لا شيء من هذا ..
افتح التلفزيون فتظهر ( ميريام فارس ) .. أفكر في أي سنة لعينة هذه التي تبدأ بـ( ميريام ) .. امممم .. ليس الوضع بهذا السوء لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى ..
أحاول أن أتذكر كليبها الأخير .. ذلك الذي تستعرض فيه قدرتها على إعطائنا أكبر كم ممكن من زوايا الرؤية .. حسناً .. هل أنا أتخيل أم أنها تحاول التركيز على " رسالة " معينة .. عموماً دع الخلق للخالق .. يارب يكون في الثلاجة شوكولاتة .. وتكون مفاجأة عيد ميلادي السعيدة , " فلوتس " ولنسجد لله شكراً , أشتريت هذه الشوكولاته منذ شهر تقريباً , وهي الوحيدة المتبقية .. أفكر وأنا أستشعر الطعم المحبب ..
أفكر أنني مرهق حقاً .. فلنر ما أخبار السرير الآن .. لكن .. فلنبدأ العام الجديد بالإستحمام .. بالظبط .. فضلاً عن روعة المياة في حد ذاتها يمكنني الآن التحدث عن التطهر , وعن البعث , والولادة من جديد .. يبدو هذا رائعاً فعلاً . لا , لا يبدو .. لا توجد مياة ساخنة !
أنا غبي .. أنا غبي .. أطفأت السخان بالأمس لأن فاتورة الكهرباء جعلتني أحسد الإنسان البدائي .. قال لي محصل الكهرباء أن السبب _لامؤاخذة حضرتك_ هو السخان .. وأن الحل _ لامؤاخذة حضرتك _ أن أطفأه هذه الأيام , لأن هذه الأيام _لامؤاخذة حضرتك_ صيف ..
بالطبع يمكنني الآن أن أتحدث عن الترف اذي أعيش فيه و عن الرجولة الضائعة في هذا الزمن , لو كان أبي موجوداً كان سيتحدث بالطبع عن جدي الذي كان يستحم بمياة باردة في عز الشتاء .. لكني للأسف لست رائق البال لكل هذا الكلام .. هناك مصيبة عدم وجود مياة ساخنة الآن ..
مياة باردة ؟ .. لم لا ؟ ..
** ** ** **
يا نهار أسود !
لم أتخيل أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة .. أفكر وأنا أرتجف , وأجفف جسدي بفوطة مرسوم عليها عصفورة , وشمس , أن الأمر قاسي فعلاً .. قاسي لدرجة لا يمكن تخيلها , ثم أفكر أنني سخيف فعلاً .. أنا أصف الإستحمام تحت مياة باردة بالقسوة .. هذا سخيف .. سخيف لدرجة أنه حقيقي .
قضيت وقتاً لعيناً تحت المياة الباردة أقوم بحركات خرقاء لبعث الحرارة , وأصدر أصواتاً مثل : " اوووووف .. اوووووف "
أبتسم , وأقرر أن أسمع ماجدة الرومي .. نعم .. بداية عامي العشرين ستكون بماجدة الرومي ..
لحظات , ويتصاعد صوتها صادحة : " لا بدي تراضيني , ولا بدي تحاكيني .. لا تصبحني ولا تمسيني " .. يصلني وأنا أحضر النسكافية من الداخل ..
أسمع صوت هاتفي المحمول , وأنا أخرج من باب المطبخ .. أرتدي ملابسي دون الإلتفات له , وعندما يستمر في الرنين , أضغط رز "صامت " دون أن أنظر حتى من الذي يتصل .. أستمع لها وهي تقول : " إنساني أعمل معروف " , وأنا أشرب بهدوء .. لماذا لا تستمر هذه اللحظات للأبد ؟! .
بعد أن تنتهي الأغنية .. أقرر أني سأسمع " سمراء النيل " .. أحب هذه الأغنية , كانت هذه هي أول أغنية أتعرف فيها على كيان يسمى ماجدة الرومي .. قبلها كنت أسخر أنا وأخي منها .. كنا نغني ( كن صديقي ) بضحك هستيري بعد ان ننطقها ( كون صديكييي ) ..
" كرقص الريح بفستان"
مين أين يأتون بهذا الكلام ؟
أتحدث مع صديقي حين يتصل مرة ثانية , يسألني إن كنت قد نمت , أبتسم للحظات , وانا أقول له أنني غفوت قليلاً .. يقول لي أنه ينتظرني في الأسفل .. أقول له أن ينتظر عشرة دقائق .. يخبرني أن الإمتحان تبقى عليه ربع ساعة .. وأعيد طلبي .. أقول له أن الإمتحان شفوي لهذا يمكننا الذهاب متأخرين قليلاً ..
_ " هتعمل ايه يعني في العشر دقايق دول ؟ "
_ " هسمع سمراء النيل بتاعة ماجدة الرومي "
يضحك هو .. حسناً , من الجميل انه ظن أنني أمزح , لأنني لا أحب أن أًشتم مرتين في يوم واحد .
أعود للكاسيت , ما زلت أتعامل مع هذا الجهاز في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن ( الإم بي ثري) ومشتقاته .. ما زلت أجد الكاسيت حميمي جداً , مقرب جداً ..
أترك ماجدة تكمل :
" كالأرض حميمة وبهية , كالشمس قديمة و صبية "
وأعيد الأغنية من بدايتها .
** ** ** **
أول ما ألاحظه وأنا أهبط السلم أنني أشم رائحة التقلية .. رائع .. رائع رائع رائع رائع .. عيد ميلادي حتى الآن يحقق أرقاماً قياسية في إسعادي .. يمكنني الآن أن أضيف التلقية للموضوع ..
من يا ترى قرر أن اليوم مناسب للملوخية ؟! .. وهو مناسب فعلاً ..
أقترب من كل باب لبعض الوقت , أغمض عيني و وأشم بعمق .. بعمق .. أركز .. لا .. ليس من هنا ..
حتى أجد مركز الرائحة .. الله الله .. لا أذكر الإسم .. لكن هذه المرأة نًفًسها في الطبيخ عبقري السحر .. يا خرابي ..عبقري بمعنى الكلمة ..
أمنع نفسي بصعوبة من الإبتعاد .. هناك قصة بديعة لجحا حين قام بأكل الخبز على رائحة الشواء .. فطالبه البائع بثمن الرائحة .. أحببت هذه القصة فعلاً .. أذكر حتى أين قرأتها أول مرة .. ماجد .. قصة مصورة .. الصفحة قبل الأخيرة .. بعدها بصفحة كانت موزة الحبوبة وشقيقها رشود غالباً .. ياااااه .. منذ فترة لم أشتر مجلة ماجد .. أقرر أنني سأشتريها اليوم ..
كان أبي يفضل أن يشتري لي ماجد عن ميكي .. كان ينظر للأمر من نظرة تعليمية بحتة .. ميكي لم يكن فيها غير المغامرات لا أكثر .. لكن ماجد , كانت مجلة شاملة حقاً .. لكن مغامراتها كانت مملة نوعاً ما .. أصلاً أي شيء ممل لو قورن ببطوط ..
أرى صديقي واقفاً ينتظر في هدوء , أشكر له هذا في سري , وأقرر أنني مدين له بشيء حين يطلب مني خدمة ..
_ " كل سنة وانت طيب يا زعيم "
أبتسم :
_ " وأنت طيب .. عرفت منين ؟ "
_ " الفيس بوك ! "
_ " الله يخرب بيت الفيس بوك ياسيدي "
وأتذكر :
_ " ثم أنت أصلاً مش عندي "
يقول هو في هدوء :
_ " ايوا .. بس غيري عندك .. وغيري عرف .. وغيري قالي "
أهز رأسي ..
_ " عملت إيه إمبارح في الإمتحان النظري ؟ "
أهز رأسي .. لماذا تصر الدنيا على أن تنكد علي بشكل أو بآخر .. أقول :
_ " يعني .. "
يصمت هو للحظات :
_ " يعني إيه ؟ "
_ " يعني يعني "
يصمت هو للحظات أطول :
_ " واضح فعلاً "
_ " أي خدمة "
ثم أتذكر شيئاً ما :
_ " كلمني عن الـ jaundice .. (الصفراء) "
_ " إشمعنا "
_ " عشان ما أعرفش عنها حاجة .. خالص تقريباً "
_ " إسمع "
فأسمع ..
حسناً .. الأمر بسيط .. الصفراء هو إصفرار لون الجلد , خصوصاً الوجة .. حين تحدث مشكلة في العصارة الصفراوية التي يتم إفرازها من المرارة ..
_ " جميل ؟ "
_ " جميل "
يسألني عن العصارة الصفراوية من أين تأتي أصلاً .. أجيبه أنها من تكسير خلايا الدم الحمراء حين تصل للشيخوخة .
_ " كدا فل "
الآن هناك ثلاث أسباب لحدث الصفراء .. مشاكل في خلايا الدم .. أو مشاكل في الكبد الذي يقوم بتكسير خلايا الدم هذه .. أو مشاكل في المرارة , التي تقوم بإفراز هذه المادة ..
_ " جميل ؟ "
_ " جميل "
حين ينتهي ينظر لي ضاحكاً ويقول :
_ " إحنا في جامعة يا ريس .. المفروض نحصّل معلومات , مش نلم في آخر شهرين "
أضحك أنا وأقول :
_ " قصدك عليا يا حقير "
_ " لا يا عم .. انت بتلم في آخر ساعتين "
أضحك وأنا مستمر في السير ..
** ** ** **
يتم النداء علي أخيراً , أمسك الورقة التي سيُكتب فيها الأسئلة .. يتم دفعي نحو غرفة ما .. أتمتم أن " ربنا يستر " .. تشير لي المعيدة نحو مكتب ما تجلس خلفه دكتورة مبتسمة .. صبوحة الوجة .. أفكر أن بها لمسة طفولة واضحة , ربما ما جعلني أقول هذا , هو ذيل الحصان الذي تربطه بتوكة ميزت لونها حين ادارت وجهها للحظات ..في أوائل الخمسينات تقريباً .. المعيدة همست لي " يا بختك " , وأنا كررت "ربنا يستر " بقوة أكبر .. لم يقل لي أحد " يا بختك " وسارت الأمور على خير ... " ربنا يستر " بقوة أكبر .
حين جلست أمامها , إتسعت إبتسامتها .. قالت لي في هدوء :
_ " صباح الخير يا ..
نظرت في الورقة ثم نطقت إسمي , وهي تسألني عن إسم أبي الذي لم يكن واضحاً . قلت لها , فأبتسمت وقالت :
_ " عاشت الأسامي "
" ايه الناس اللي زي العسل دي " .. فكرت .. ثم هززت رأسي وأنا أكرر " ربنا يستر " ..
سألتني :
_ " تحب أسألك في إيه ؟ "
وأنا بدأت أستشعر الخدعة .. النصائح لا تعرف المزاح .. حين يسألك الممتحن عن الشيء الذي تحب أن يسألك فيه , لابد أن تبتسم بملائكية , وتحني رأسي في خفر , ويكون من الرائع لو تورد وجهك , ثم تقول في خفوت :
_ " اللي تشوفه "
ابتسمت بملائكية , وحنيت رأسي في خفر , وكان من الرائع حقاً أن وجهي تورد , وقلت في خفوت :
_ " اللي تشوفيه "
ابتسمت هي وقالت :
_ " تعرف تكلمني عن ال jaundice "
فتحت فمي في بلاهة .. لا يعقل .. لا يعقل .. لا يعقل ..
نظرت لها , وكدت أرى الجنية التي تهديني قبلة وهي تقف على كتفها الأيمن ..
إبتسمت في ثقة .. وأنا أكاد أقول : " الjaundice دي لعبتي أصلاً "
شرحت لها ما سمعته دون زيادة كلمة .. ابتسمت في رضى , وسألتني عن وظيفة القزحية , الجزء الملون من العين , وأنا أبتسمت , وأنا ألمح الجنية ترقص السامبا الآن , شرحت لها ما أعرفه , وهي أبتسمت في رضى ثم قالت :
_ " عملت إيه في إمتحان النظري إمبارح "
وأنا لم أنظر لها , وأنا أقول :
_ " يعني "
كانت الجنية توقفت عن الرقص , وبدأت تلم حاجياتها أستعداداً للرحيل .. كان هذا حين أبتسمت وهي تقول لي :
_ " ربنا يوفقك .. "
وقلت أنا :
_ " شكراً "
وحين خطوت خارج الحجرة , بعد إنتهاء لجنة الشفوي الثانية كنت أبتسم وأنا أغني :
_ " ورينا القوة .. يا بني أنت وهوا .. مين عنده مروّة .. وعاملي فتوة "
وأفكر أن صلاح جاهين عبقري .. وأن الشيخ سيد , لن يتكرر
** ** ** **
" مسا التماسي .. مسا التماسي .. يا ورد قاعد على الكراسي "
ثم أنتظر حتى أبتلع ما في فمي وأكمل :
_ " يااااااااا ليييل "
كنا جالسين أمام معرض أثاث يبدو رائعاً فعلاً .. المعرض في الدور الثاني , وأنا وجدت هذا غريباً قليلاً ..أشار واحد من أصدقائي نحو كنبة سوداء , أطرافها مطرزة باللون الفضي وقال :
_ " حلوة جداً "
وأنا وافقته , وأنا أنتهي من سندوتش الطعمية رائع الطعم ..
قال , أستعرف متى ستصبح رائعة فعلاً .. سأله واحد من مجموعتنا السعيدة الجالسة على الرصيف مستفسراً .. فأكمل هو :
_ " جمب البيانو كدا .. يعني مش تبع الصالون .. لا .. تكون كدا في المنطقة المحيطة بالبيانو .. بس انا مش هحط بيانو غالباً لأنها بتقول أنه هيزحم البيت "
_ " والنبي أنت وهي عسل "
هكذا صارحته , وأنا أبدأ سندوتش الفول ..الذي أكن له تقديراً أقل من الطعمية لكنه محترم طبعاً .. بطريقته الخاصة .
قبل أن أنتهي من سندوتش الفول الذي أكن له تقديراً أقل من العطمية .. مر علينا فتى قصير القامة يوزع أوراق إعلانات .. أعطى كل أعلاناً .. أمسكت الإعلان الخاص بي بأطراف أصابع ملوثة بالفول . ثم أنفجرت في الضحك وأنا أقرأ الإعلان الذي يقول بوضوح تام :
_ " ليه تعمل فرحك أغلى .. لما ممكن تعمله أرخص " ثم يؤكد قائلاً أن القاعة تقدم أرخص الإسعار في مصر كلها .. وأن الفرح سيكون من ليالي ألف ليلة وليلة ..
وهو أمسك الإعلان قائلاً أنها علامة من المؤكد .. وأنا وافقته ..هز رأسه , تنهد وصمت , وأنا بدأت أصنع المركب الورقي كعادتي مع هذه الأوراق .
** ** ** **
الفجر أخيراً ..
أجلس على الكرسي منذ التاسعة مساءً , وحتى هذه اللحظة .. الساعة الخامسة صباحاً .. أنتبه لأنها الساعة الخامسة لا لأن معي ساعة لا سمح الله , ولا لأني نظرت في واحدة .. بل لأن الأذان في هذا الوقت لا يعني إلا الفجر لا أكثر ..
حين أفكر أنها الخامسة .. أحاول أن أصرف هذه الفكرة عن رأسي .. لا يعقل أنني قضيت ثمان ساعات لا أفعل شيئاً إلا محاولة عد المربعات الرخامية في أرضية حجرتي , بطريقة تختلف عن ضرب عدد هذه المربعات الطولية في تلك التي بالعرض ..

الخميس، 15 مايو 2008

تعريف


المجاز المرسل هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي.


الجمعة، 18 أبريل 2008

تــيــه في بص وطل


كانت علاقتي مع (بص وطل) تقتصر على القراءة , بشكل شبة منتظم , ربما لهذا لم أحبذ كثيراً فكرة الورشة في بداية الأمر ..
الآن يسعدني القول أنني كالعادة كنت مخطئاً ..
القصة تم نشرها , مصحوبة بتعليق من (د.سيد البحراوي) سيصيبني حتماً بجنون العظمة بشكل أو بآخر
وكذلك بصورة وهو ما جعلني أشعر بشعور غريب , كوني لأول مرة يتم أختيار صورة , لا أن أقوم أنا بهذا الأمر كالمعتاد .. وكالمعتاد لم ترق لي الصورة كثيراً :) .. لكني كما قلت , الأمر له طعم محبب للنفس ..
شكر واجب لمروة جمعة لإنها أعلمتني بهذا الموضوع من الأساس ..
وشكراً للعزيز إيهاب عمر على البشرى كما يقال :)
القصة هي ( تـيـه ) وهي منشورة هناك من غير عنوان , لأنني نسيت ذكره :) .. يليق طبعاً هنا أن أذكر شيئاً عن أن قليل البخت سيجد العظم في الكرشة بطبيعة الحال . وإن كنت آمل أن العنوان سيتم تعديله بعد توضيحي هناك ..
طبعاً لابد أن أشكر الجميع , لأنهم يفعلون هذا في حفلات الأوسكار ..
(بالمناسبة .. بعد النظر في العنوان شعرت أنه سخيف بشكل لا يوصف .. هل من إقتراحات ؟! )

الجمعة، 4 أبريل 2008

حركة توافقية


وكأننا لم نصدق أن هذا يحدث فعلاًَ , خرجنا بسرعة من قاعة الاجتماعات المقيتة التي جلسنا فيها ما يقارب الأربع ساعات متواصلات . نحاول فيها أن نقوم بأشياء يرفضون هم القيام بها , أو أن يتركوا الآخرين لكي يفعلوا . في النهاية لم نصل لأي شيء , إلا لفترة راحة . هذا هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الجميع بلا إستثناءات .
ركضنا أنا وهي تقريباً نحو ماكينة القهوة في الطرف الآخر من الرواق . طلبت قهوتي المعتادة , و بعد دقائق أمسكتها في يدي في كوب بلاستيكي متوسط الطول, وانتظرتها لكي تفعل المثل , ولكن بدا أن هنالك شيء يحدث بشكل خاطئ .
حاولت أكثر من مرة , وبأكثر من طريقة , والعديد من الأزرار , ولكن بلا جدوى . " بختي أسود " هكذا كانت تقول ضاحكة بغيظ .
كنت أراقب صامتا , وضحكت حين قالت جملتها الأخيرة , وبعدها عرضت عليها أن نذهب للكافتيريا الرئيسية بالأسفل ولنترك هذه الآلة عديمة الفائدة . و " اعتبري الموضوع زكاة عن صحتك " , نظرت في ساعتها , وقالت أن المتبقي على انتهاء فترة الراحة هو عشر دقائق لا غير . قلت أنها تكفي وزيادة .
هبطنا السلم في ثلاث دقائق , وتوقفنا أمام الرجل في الكافيتيريا خمسة أخرى .
كنت أقول لها هذا التتابع الزمني ضاحكاً , ولكنها للغرابة لن تقابل هذا إلا بابتسامة بدت باهتة , ومجاملة , أكثر من كونها حقيقية .
ما أن أمسكتْ كوبها الزجاجي _الذي طلبته على هذه الشاكلة , لا البلاستيك كما الذي أحمله _ حتى تحركتْ . وبعد حركتها بأربع ثوان ٍ كنت أنا على الأرض , قهوتي مسكوبة , وقميصي ابتل من الأمام لأنني سقطت على القهوة بطبيعة الحال .
ما حدث أبسط من أن يُفسر :
كنت أتصور أنها ستتحرك بهدوء حيث تحمل كوباً ممتلئاً تقريباً . ولكنها تحركت بسرعة , وتخطتني حيث كنت أتحرك بهدوء لكي نمشي معاً كما تصورت .
في هذه اللحظة , عندما حاولت أن أسير بسرعة مرة أخرى لألحقها , تعثرت قدماي في بعضهما , وتساقطت كالجردل .


الجمعة، 21 مارس 2008

عنوان



بين طرفي نقيض أسير , نقطة بين جملتين متعاكستين أكون .
أحياناً , من فرط الشفافية يكاد الضوء يعبرني , أو أكاد أنا أن أعبره , ومرات من قسوة الإعتام , أتحول لثقب أسود , أمتص كل من يقترب مني , لا أبقي ولا أذر .
أحياناً , أكون كملاك , محض نور , وقبل أن أستشعر نفسي , وأهنأ بما أصبحت عليه , يتبدل الحال فألتهم نفسي بنفسي كل مرة . حين يشتد نوري , ينقلب ناراً .
و على ثلاث نقلات , أكون مع السماء ,
أكاد أكون نبياً في الأولى , ينقصني الوحي حتى أكتمل , وأخرى أتحول فيها شيطاناً , يمنعني وجود إبليس فعلاً , أن أكونه .
والأخيرة , لا هذا ولا ذاك .. بلا معنى أكون , وبلا معنى أفعل .
في نهاية شجارنا الأخير , صرخت ..بجنون فعلت .. بجنون أدميتها , بجنون تحولت لإبليس , الذي إختفي رعباً حين رآني ..
في نهاية شجارنا الأخير , لم أضربها , لم ألمس جزءاً منها حتى , لم أفعل لأني متمسك بناري التي صرت عليها ,
النار لا تضرب , النار , فقط , تحرق . النار , فقط , تقتل .
بعد أن أتممت إلتهامها , مخلفاً ورائي رائحة لحم آدمي , في تمام نضجه , نظرت لي والمياة تطفر من عينيها , نظرت لها مبادلاً نظرتها, بسخرية , نظرتُ بمقت , نظرتُ بإحتقار .. توقفت عينيّ ,أصل ناري , على دموعها , هل تتوقع أن تطفئني بهذه البساطة .
_ " أين أنت ذاهب الآن ؟ "
قالت ,
وأنا أقف على حافة باب بيتنا , جهنم الأرض .
لم أعرها إلتفاتاً , هي الآن تتلاشى من أمامي بلا حدود .
أغلقت الباب خلفي في منتهى الهدوء .
ظللت واقفاً , أنظر للباب الذي يفصلنا الآن .. متأملاً تلك الرسوم القبيحة لميكي الملصق , وقلت فجأة مجيباً :
_ " النار " .

الأربعاء، 19 مارس 2008

حكاية


في البدء كانت فاطمة
وبعدها , تكونت عناصر الأشياء .
النار , والتراب .
والمياة , والهواء .
وكانت اللغات , والأسماء ..
والصيف , والربيع
والصباح , والمساء ..
وبعد عيني فاطمة
اكتشف العالم سر الوردة السوداء
وبعدها .. بألف قرن ٍ
جاءت النساء


(فاطمة _ نزار قباني )

الاثنين، 17 مارس 2008

.. خلاص


وهي كانت مرتبكة مثلي , أكثر مني ربما ..
كنت أنا من على وشك البكاء , دموعي بدأت تحتشد في مقلتيّ , وبشكل يوحي أن الإنفجار سيكون بشكل أسرع مما تتخيل .
هي بدت وكأنها تنتظر إعصاراً لا تعرف من أين سيأتي .. تنظر لليمين , ثم لليسار ثم تميل نحوي , تقول فجأة :
_ " طيب إشرب مية " .. ثم تحمل الكوب وتمده لي وكأني لا أستطيع أن أفعل :
_ " طيب إشرب بس "
أهز رأسي محاولاً بحق أن أتماسك , محاولاً أن أجنبها وأجنب نفسي ذلك الإحراج الغريب الذي سنشعر به لابد .. وهي لا تزال على حالها , تستمر في حالة الفزع التي تسيطر عليها , ثم تسكن فجأة وهي تقول :
_ " ما تعيطش بس والنبي "
عند هذه الجملة بالذات , قضي الأمر , وبدأت في البكاء .. ثم تصاعد البكاء إلى نحيب لا لبس فيه , أحاول أن أوقف نفسي فلا تؤدي محاولاتي إلا للمزيد والمزيد .. أغطي وجهي , وأستشعر ملمس الدمع اللزج , فيؤلمني هذا , فأستمر بشكل أقوى .
ثم شعرت بيدها على كتفي , كانت متوقفة عند منكبي وكأنها لا تعرف ماذا تفعل . ثم بدأت تحركها على كتفي .
تربت بعصبية وهي تشهق :
_ " طيب خلاص .. عيط خلاص .. عيط .. خلاص بقا " .

الجمعة، 14 مارس 2008

.. حقيقة الأمر


بطريقة ما , تم إقناعي بأنه من الجميل أن أخصص نغمة معينة لكل شخص يتصل بي , بكثرة أو باعتدال , ولكنه يعني لي شيئاً .
في النهاية قمت بهذا فعلاً بعد أن تكرر الطلب من أكثر من واحد , وبشكل جعلني أدرك أنني أنا الغريب , وأن هذا هو فعلاً الطبيعي .
لفترة لا بأس بها , كان هاتفي يصدر كل الأصوات الممكنة , والمختلفة , بشكل يتناسب مع شخصيات المتصلين ,
فيروز , تتحدث عن " الطير الطاير على أطراف الدني " كلما حادثتني أمي , بوب مارلي و هو ينصحني أن : " no woman no cry " كلما أتصل أحد أصدقائي , الجيتار في أحيان , والعود في أحيان أخرى .
(عمري معاك) كلما أتصل صديقي الذين يهيم بهذه الأغنية , لأن خطيبته تهيم بهذه الأغنية ,
صديقي المقرب بطبيعة الحال كان المعادل له هو تتر مسلسل "friends " ,
حتى أبي الذي لم يبد اهتماما بهذا الأمر , كان كلما أتصل تعالى صوت الـ" bloom " الذي يضعه هو نفسه كنغمة لهاتفه , وإن كانت لا تروقني كثيراً
لم يتغير الوضع إلا بالأمس فقط . أعدت كل شيء كما كان في الأصل .
حدث هذا بمجرد أن سمعت صوت نغمتي أنا , نغمة الهاتف الأصلية . بدا لي مفاجئاً أنني لم أسمع موسيقى (البنت الشلبية) لمارسيل خليفة منذ فترة لا بأس بها , وحين نظرت للرقم الذي يطلبني , وجدت أنه رقم بلا إسم .. أي لا أعرفه .
قمت بإعادة كل شيء كما كان , بمجرد أن أجبت , وأنا مندهش من الذي يتصل , وسعيد لأنه يفعل , وسمعت صوت امرأة يصرخ بعصبية شديدة :
_ " أين أنت يا حيوان , الدرس انتهى منذ ثلاث ساعات , امتحاناتك بعد شهر ونصف يا عديم الدم والإحساس ! "
بمجرد أن أغلقت هي الخط معتذرة , قمت بإزالة كل النغمات الخاصة عندي .
ولكن ما ضايقني بالفعل , أن أول اتصال بعد التغيير كان منها , مرة أخرى , بعد إغلاقها الخط بدقائق , وهي تعاود الصراخ :
_ " أين أنت يا حيوان كل هذا الوقت ؟! "

الخميس، 6 مارس 2008

تعرفين


تعرفين هذه الأيام بالطبع .
حين يتلخص اليوم كله في إنتظار أشخاص آخرين .. تعرفين طبعي الغريب في رفض الإنتظار .. ألعن لحظات عمري التي يمكن أن أقضيها , ربما كان التعبير الأفضل : أن أهدرها .
هذا كان يومي .. من الممكن أن تضيفي على سوءه , أنني أنتظر مسافرين , وتعرفين وسواسي القهري الذي يتعلق بالسفر ..
تحدثنا طويلاً عن هذا .. أذكر .
محطة القطار هذه المرة , آخر مرة رأيتك كانت هناك .. ها أنا أجلس منتظراً خارج المحطة تلك , في الحديقة تحديداً ..
أتصلت بهم منذ قليل , وقالوا انهم في الطريق .. لا أعرف كم سيستغرق الأمر لكني أقدر أنهم لن يتأخروا .
المشكلة أنهم فعلوا .
أتصلت مرة أخرى بهم , لا بد أنك تفكرين الآن أنني حقاً في حال مأساوي .. لكنك تعرفين , هذا ما يهون الأمر قليلاً .. أنت تعرفين أنني على قدر ما أكره أن يتصل بي شخص وأنا في طريق السفر , ليسألني أين أنا الآن , على قدر هذا .. على قدر ما أفعل هذا الأمر بغزارة ..
هل أفعل هذا بغزارة حقاً ؟!
حسناً , كانت هذه هي المرة الثالثة حين أجاب أحدهم أنهم قادمون , قيلت لي جملة : " إهدا شوية " .. فشعرت أنني سخيف فعلاً , ولحوح كذلك , تعرفين أنني أكون لحوحاً , وسخيفاً في أحايين كثيرة .. لماذا لا أهدأ ؟ .
أعود لأجلس على مكاني في الحديقة التي تواجه المحطة .. كان الإتفاق على مكان معين , أراه الآن بعيني , وأنتظر أي ملمح أعرفه ,
كان قد مضى وقت طويل منذ جلست لأنتظر أول مرة .. بدأت الشمس في ممارسة هوايتها , وتعكير حياتي .. لهذا تحركت ..
تركت مكاني , وتوجهت مباشرة لبائع الصحف على الرصيف البعيد قليلاً .. أعرف هذا المكان رغم أنني نادراً ما أشتري منه شيئاً ..
عدت لمكاني , حاملاً صحيفة واحدة , وقلقاً أحاول أن أكبحه .. تعرفين هذه الأمور .
هل أبالغ فعلاً ؟
بعد أن أنتهيت من القراءة , بدأت أشعر أن رأسي تحترق .. نحن في الشتاء كما أتذكر , لكن الشمس لها رأي آخر .
حين وضعت الجريدة فوق رأسي , وأنا أفكر في مدى سخف هذه الحركة , قال لي الجالس بجواري :
_ " ممكن الجرنان "
تعرفين أنني أكره من يطلبون مني شيئاً يخصني , تعرفين أنني طفل في هذه المواضيع , أحب أن أعطي الناس أشياء تخصني , لكني أكره أن يطلبوها هم .
ولكن المشكلة , كما تعرفين , أنني لا أستطيع أن أقول له : لا , وأنا مطمئن الضمير , يحتاج هذا لقوة أكبر مني .
ناولته الجريدة , وأنا أفكر في حديثنا الطويل , الذي لم ننهه كالعادة , دوماً يتبقى هنالك أشياء أنسى أن أخبرك بها .. دوماً أفكر بعدما أتركك بدقائق أنني نسيت أن أحكي لك عن كذا , وكذا , وأنني نسيت أن أضحكك بالطريقة الفلانية التي أجيدها , وأنني كغبي لم أسألك عن كذا وكذا .. وتستمر الدوامة حتى ألقاك مرة أخرى , فنبدأ التحدث عن كذا وكذا , وأنسى ما يفترض أن أقوله أصلاً .
قطع شرودي وهو يقول لي :
_ " يا ولاد الكلب "
الأعجب أنه قال هذا بهدوء شديد , لم أستطع أن أجبر نفسي على سؤاله .. بدلاً من ذلك قلت :
_ " ثواني وراجع "
قمت من مكاني عابراً الشارع متجهاً نحو محل صغير ..
_ " موبايل لو سمحت " .
حسناً .. هذه المرة قالوا انهم إقتربوا جداً ..
أنا أفقد أعصابي بسهولة هذه الأيام .. في الواقع , هذه الأيام أنا أفعل كل ما تطلبين مني ألا أفعله .. ربما أعاقبك بهذا , لا أعرف , حتى حين أقول لا أعرف , أعرف أنك تكرهين هذه الجملة , رغم أنك لا تعرفين أشياء كثيرة , ربما أكثر مني , لا أعرف لا أعرف لا أعرف لا أعرف .. وأبتسم , وأنا أقطع الشارع متجهاً مرة أخرى لمقعدي .
لا تقلقي , لم أفقد أعصابي عليهم , لا ذنب لهم طبعاً , فقط أحببت أن أقول لك أنني أفقد أعصابي .
لا أعرف ما الذي يحدث لنا .. هناك شيء يحدث طبعاً , لكني لا أراه . لا أستطيع , أقسم على ذلك .
حين عدت له كان لا زال يقرأ .. جلست وقبل أن أتكلم تصاعد صوت هاتفي المحمول , حسناً , هم لن يأتوا .. أكتشفوا أن المكان الذي يقصدونه للعزاء , ليس هنا . لا مشكلة .
سألني وهو لا يزال يضع وجهه في جريدتي :
_ " مش هييجوا ؟ "
_ " لا "
دار بيننا حوار طويل لا داعي لأن تعرفيه عنه وعن مديره وعن حياته , وعن زوجته , وعن الجريدة وعني أنا شخصياً , وعن العمل , ثم عنه , وعنكِ , المشكلة أن الرجل لسانه طويل فعلاً .. وهو يستخدم الألفاظ بحرفيه حقيقية . لا تقلقي , لم يذكرك إلا بكل إحترام .. أحبك كثيراً بالمناسبة , ودعا لنا .. لا أعرف فعلاً مصير دعوته , لكنه دعا على أي حال .
المهم انه قال لي في النهاية تعليقاً عليهم :
_ " حلو لما تعرف ناس "
ثم أشار للمطعم الذي خلفنا وقال لي مباشرة دون أي مناسبة :
_ " حلو المطعم ؟ "
أجبته أنه جيد .. توقعت أن ينهض , لكنه قال لي :
_ " جميل "
أستأذنته في الجريدة , أمسكتها وسلمت عليه قائلاً إنها فرصة سعيدة ..
لم أستطع العودة للمنزل بهذه البساطة .. قررت أن أمر على بائع الصحف مرة أخرى , تعرفين أنني أعرف أنك تكرهين هوسي هذا بالكتب .. أعرف فعلاً .. وإن كنت تحبينه أيضاً .. حين أركب السيارة مثلاً ونمر على بائع صحف , فأرمي بصري ليمسح كل كتاب , منشغلاً عنك , وحين أعود لك مرة أخرى , أجدك تبتسمين ..
متى حدث كل هذا ؟ .. ماذا حدث فعلاً لنا ؟
تعرفين أنني أكره تلك الأسئلة الغبية , محاولة فهم أي شيء هو نوع من الغباء .. لكنني أقولها الآن بتتالٍ غريب .
المهم أنني شعرت بالذعر فجأة . كان هذا حين وجدت كتاباً يهمني .. المشكلة الآن أنه يقبع تحت تلال من الكتب , ربما جبال ! ..
لم أستطع منع نفسي من المغامرة .. مددت يدي اليسرى محاولاً الوصول للكتاب , ويدي اليمنى محاولاً أن أمنع الكتب من التساقط .
هناك الآن تلك اللحظة , أفلتت يدي اليمنى الكتب , توقعت سقوطها فوق رأسي , لكن هذا لم يحدث , مع صوت يقول :
_ " شيل الكتاب "
نزعت الكتاب فعلاً , ونظرت لوجه منقذي , كان هو ! ..رجل الجريدة , والشتائم , تعرفين الذعر .. الصورة الخام هي ما شعرت به في تلك اللحظة ..
تراجعت للخلف بسرعة فأصطدمت بتل آخر من الكتب خلفي , سقط بأكمله , مع صوت جعل صاحب الكتب يقترب مني منزعجاً .. دون كلمة , أو نظرة دفعت له ثمن ما أحمل , وركضت بالمعنى الحرفي .
طبعاً تقولين أنني طفل .. لست كذلك .. لكن هذا الرجل غريب , تعرفين هذه الأمور , غريب ..
بعد أن إبتعدت بمسافة كافية , نظرت للخلف , وجدته يعبر الشارع .. وكدليل على كلامي .. لم أره يتجة للمطعم .. أقسم أنه لم يفعل ؟
قلت لك أنه غريب .. تعرفين هذه الأمور , غريب .

الخميس، 28 فبراير 2008

تــيــه


مضى وقت طويل حقاً ونحن نحاول التوصل لحل ما , ناقشت انا وهي الموضوع من كافة جوانبة , طرحنا كافة الإحتمالات التي يمكن ان تحدث , وتلك التي تقبع في قائمة المستحيل ..
الأمر لم يخل طبعاً من بعض الأعصاب المنفلتة , في لحظة ما وصفتني بالغبي , والمتردد , والمتخاذل . وأنا لم أشعر إلا وأنا أقاطعها قائلاً أنها التي لا تفهم , وأنها لو كانت مكاني كان كلامها سيختلف عن التخلف العقلي الذي تقوله الآن . وصمتنا معاً .
لا أنكر أن الأمر كان جميلاً أن أراها تهتم بما أعاني , وأن أراها تنفعل و وتخرج عن طورها الهاديء . كان الوضع مشتركاً , والمأزق واحداً , والقرار ستكون آثاره علينا معاً , لكنها كانت تحاول أن تفهمني حقاً , تحاول بشكل يختلف تماماً عن مجرد فهم الكلام .. كان هذا جميلاً , لكني لحظتها , كنت على وشك الصراخ , من أي شيء , مهما كانت درجة تفاهته
بعد صمت طال , سألتني بصوت مرتفع بعض الشيء وهي تفرد راحتيها تجاهي , وتهزهما وكأنها تمسكني أنا من قميصي :
_ " إنت عايز إيه ؟ "
خفضت رأسي عن مستوى نظرها , لبعض دقائق , نظرت للأرض دون تغيير في ملامحي أو في وضع جسدي .. ثم نظرت لها , فوجدتها تضع ذقنها على قبضة يدها , وتنظر للأرض على يمينها , ثم تنبهت لي فنظرت لي , بدت مترقبة لإجابة لا أملكها , حاولت البحث عن شيء أقوله , فتحت فمي , وأغلقته عدة مرات , وأنا أحرك يدي في شرح غريب لشيء لا أقوله , ولا أعرف ما هو أصلاً .
قلت أخيراً :
_ " معرفش "
رأيتها تبتسم بنكهة من خيبة أمل .. ولكنها رغم ذلك لا تقول شيئاً . هي تحاول ألا تقول شيئاً يزيد من معاناتي التي تعرف أنني أتخبط فيها , كطفل وحيد .
حتى حين قلت لها مؤكداً : _ " والله ما اعرف " , هزت رأسها , وهي تغلق عينيها .

الخميس، 21 فبراير 2008

سرياليزم



وأنا كنت جالساً في هدوء , أمامي صديقي يثرثر , وأنا أفكر في كمية الكاتشب التي يجب وضعها على سندوتش البطاطس لكي يكون جيداً .. "الجوع كافر .. الجوع كافر .. الجوع كافر .. الجوع كافر " .. وذهني عاجز عن التوقف .
وأنا كنت جالساً في هدوء , بجواري مجلة ميكي التي إشتريتها منذ لحظات , وحقيبتي على الكرسي المجاور , منتظراً أن يتم النداء علي الطعام الذي طلبت .
وأنا كنت جالساً في هدوء , ذلك الهدوء الذي انقلب إلى سرعة في الحركة وعبقرية في الأداء وأنا أضع الطعام أمامي , و أبدأ في إفناء وجوده المادي .
وأنا كنت آكل في هدوء , وصديقي لازال يثرثر , و الرجل الذي يجلس على الناحية المقابلة يميل عليه فجأة ويقول :
_ " هو النهاردة كام في الشهر يا رجالة ؟ "
بطبيعة الحال لم أنطق أنا بكلمة , و بدأت في التفكير في روعة الكاتشب مهما كانت كميته .
صديقي نظر في ساعته ثم قال :
_ " النهاردة عشرين "
الرجل هز رأسه وقال :
_ " آآآآآآآآة .. همممممممم"
صديقي نظر لي, وأنا نظرت له بطرف عيني , وانا أستمر في البلع .. وقبل أن يفتح فمه بكلمه وجد الرجل يميل عليه مرة أخرى ليقول :
_ " هو من يوم تسعة لعشرين كام يوم ؟ "
صديقي نظر لي , وقال للرجل وهو يصب بعض الماء في الكوب الزجاجي الذي أمامه , وأنا توقفت عن المضغ , ونظرت للرجل , ثم هززت كتفي و أنا أعود لنقاشي العلمي المهم مع التشيز برجر..
صديقي قال في هدوء :
_ " حداشر يوم "
الرجل عقد حاجبيه .. ونظر لي ثم قال :
_ " حداشر يوم .. آآآآآآآآة .. همممممممم .. "
ثم نظر لصديقي وأكد وجهه نظره :
_ " همممممممم"
صديقي نظر لي , وأنا كنت أشير له بحركات محمومة أن يأتيني بالماء لأنني سأختنق من الضحك !

الأحد، 17 فبراير 2008

إختيار


قد يبدو لك هذا الرأي غريباً ,
لكن صدقني , إحدى أهم نِعم الحياة , هي أن تمارس ( نط الحبل ) , ثم تقرر التوقف فجأة , لا لشيء إلا لأنك مللت القفز المتكرر كاللقلق , أو حتى لأن جسدك هده التعب من المجهود المستمر بلا إنقطاع .
صدقني , هذه متعة لا تُضاهى , أن يكون سبب توقفك , مكللاً بالعرق , شاعراً بروعة إرهاق جسدك بشكل قاسٍ , محطماً رقمك السابق , أو حتى مقترباً منه .. أن يكون السبب , هو أنك فقط , تريد هذا ..
أن يكون التوقف لأي شيء عدا أن قدمك اشتبكت بالحبل الذي تديره يداك حولك بسرعة , فسقطت أرضاً كجوال بطاطس ممتليء !

الجمعة، 15 فبراير 2008

: مفكرتي العزيزة


لم أتخيل يوماً في حياتي , أنني سأبدأ كتابة لي بهذه الجملة .. " مفكرتي العزيزة " ..على الرغم من أنني أكتب أحياناً مذكراتي , وأستمتع فعلاً بهذا في بعض الأحيان إلا أنني دوماً كنت أتعامل على أساس أني أكتب , لا أحكي لمفكرة ما , أو حتى لشخص تخيلي أمامي .
مفكرتي العزيزة :
مباشرة يستدعي ذهني تصورات ( بناتيه ) جداً لو صح التعبير .. (بطوطة) تحديداً بعد أن تحولت من (زيزي) , مغامرات تبدأ دوماً بهذه الجملة " مفكرتي العزيزة ".. ربما تعترف خلالها أنها تحب بطوط , أو تميل له أكثر من محظوظ على الأقل .. كنت أمقت محظوظ بشكل شنيع , وللغرابة لم يكن هذا لأسباب تتعلق بأني من معجبي بطوط المخلصين , بل لأنني أراه لا يستحق ( زيزي ) التي تحولت إلى ( بطوطة ) فجأة .. كنت أحب بطوطة فعلاً , ربما تحمل لي شخصيتها القوية , الأنثوية في نفس الوقت ما أحترمه للغاية في أي إمرأة . قوة الشخصية , شرط ألا يفقدها هذا ما تتميز به عن الذكور . ألا يحولها هذا لمجرد ذكر آخر لكنه يحمل الصيغة الكروموزومية X X
ربما تستدعي جملة ( مفكرتي العزيزة ) مباشرة في ذهني , ( ماجدة ) أو حتى ( فاتن حمامة ) بقدر من الصعوبة , ماجدة تجلس بقميص نومها على السرير وتدون في مفكرتها العزيزة كلاماً عن عماد حمدي , في الأوقات التي لا تكون فيها مشغولة بالتحدث معه في الهاتف , أو حتى الجلوس معه على كازينو الوردة , مرتدية فستاناً هفهافاً , لونه أبيض طبعاً .
حسناً .. سأحاول الآن أن أتناسى كل هذا , وأبدأ رغم كل هذا بجملة مفكرتي العزيزة .. ربما لأنها الأنسب ..
مفكرتي العزيزة :
تعرفين أنني لست من هواة( الفالنتين داي ) بكل أنوعه وبكل تفريعاته .
لا أعرف لكنني حقاً أشعر بالسخف أن يعبر المرء عن مشاعر في قمة الشخصية بهذا الشكل الفج , هل أقول الوقح ؟!
تعرفين أنني أكرهه كما أكره كل شيء يحاول أن يضع المشاعر , أي نوع منها , في قالب ما .. هذا اليوم , يجب أن تحب , هذا اليوم يجب أن تشتري لحبيتك دبدوباً ما , وردة , أي هدية , هذا اليوم لابد أن ترتدي أي شيء يحمل رائحة اللون الأحمر أو حتى درجة من درجاته , هذا اليوم يجب أن تتم قولبتك في قالب سخيف كبير أسمه عيد الحب ..
لا أعرف كيف يفترض بك يا مفكرتي العزيزة أن تعرفي عني كل هذا , لكن الأمر لا يحتاج منك إلا أن تعرفيني لمدة عشر دقائق .. هذه أشياء من المسلمات بالنسبة لي ..
ولكن , هناك أمر غريب أجدني أفعله أحياناً ,
أن أكتب ما فعلته في الأيام التي تحمل معنى , أي معنى , سواء كنت أحب هذا المعنى أم لا , المهم انه معنى ما .. كعادتي دوماً , غير منطقي , وأحاول أن أترجم غير منطقيتي دوماً , بل وأجد لها أسباباً تقنعني .
يومي اليوم كان بلا معنى . يختلف هذا عن الأيام الفائتة التي كانت بلا معنى , في حدث بلا معنى , أما اليوم , فهو الفالنتين , وهو يمر علي , ياللعجب , بلا معنى كالأيام التي تسبقه , تقولين لي ألا أبالغ , وأقتنع برأيك في الحال .. بالطبع أنا أبالغ , حسناً .. بعضها مر بلا معنى ..
أستيقظ من نومي , وأقضي يوماً ما , وأعود للنوم مرة أخرى ..
والفالنتين لم يختلف على أي حال ,
حسناً ربما أبالغ مرة أخرى ,
اليوم ضحكت بهستيرية أكثر من مرة , هناك أنواع من الضحك طبعاً , أقلها ضحك المجاملات الأبلة الذي لا أجيد إصطناعه على الإطلاق , وآعلاها الهرتلة .. أحب نفسي كثيراً عندما أصل لنيرفانا الضحك هذه .. عندها تتحول جملة مثل ( انا نسيت القلم ) إلى جملة قادرة على قلب الإنسان على ظهره مقهقهاً ..
اليوم لعبت ( بدون كلام ) مع أصدقائي , اليوم لعبنا ( سبت حد ) و الأجمل اننا كنا نلعب ببلاهة تليق بأطفال في السابعة ..
اليوم ركضت في أنحاء المبنى , الخالي طبعاً إلا منهم , فارداً ذراعي , صائحاً بصوت عالٍ جعله الصدى الآتي من المبنى الفارغ مخيفاً , " بووووووووتريكة الساحر , يا ترى مين وراهم ؟ "
اليوم ضحكت وضحكت وضحكت .. اليوم دمعت عيناي في النهاية وانا أحكي لهم نكتة ما , قطعت النكتة قبل النهاية لأنخرط في ضحك غريب , ضحك جعلهم يضحكون بشدة , ثم يتوقفون وهم ينظرون لي وأنا أستكمل الضحك عاجزاً عن التوقف ..
لم تكن نكتة : " مرة واحد جاله هبوط الدكتور كتب له باراشوت " تستحق كل هذا طبعاً , لكنني كدت أموت ضحكاً من روعتها اليوم .
لم يكن اليوم سيئاً .. بالطبع لم يكن كذلك ..
اليوم شربت عصير قصب حلو بجد .. منذ زمن وانا أشرب عصير مخلل بدلاً من القصب , لاأعرف هل أصبح من الصعب صنع كوب عصير قصب جيد واحد يتيم من أجلي ؟! ما هي مشكلة البشر تحديداً ؟!
لكني اليوم شربت عصير قصب حلو بجد .. بعد أن أنتهيت قال لي صديقي : " البتاع دا حلو على فكرة " إبتسمت وأنا أهز رأسي ..
من الجميل فعلاً أن تشرب عصير قصب حلو ..
ولكنني لازلت أشعر بالغضب من نظام القولبة الشهير .. أشعر بالغضب فعلاً .. كنت أتحدث مع أحد زملائي اليوم وبرر رأيي بأنني " غاوي نكد " من نوع فريد , ثم قال في لهجة العارف ببواطن الأمور , أنني حين " أقع في الفخ " سأكون أول من يحتفل بهذا العيد .. وهو ما وجدته تبريراً سخيفاً جداً .. قلت له في هدوء أنني سواء كنت " واقعاً في الفخ " أو " سأقع في الفخ " فأنني أجد فكرة أن أخبر الدنيا كلها بشعور في منتهى الخصوصية , ولا يخص إلا واحدة فقط على وجة الدقة .. فكرة بلهاء فعلاً تشابة فعلاً شعور الطفل بـ " بابا جاب لي عجلة ! " التي يقولها وهو يخرج لسانه , دعك من أن التشبية بالفخ , تقليدي جداً .
مفكرتي العزيزة :
هل أنا أبلة أم أنني فعلاً " غاوي نكد " أم متحذلق , أم ماذا بالظبط ؟!
مفكرتي العزيزة :
اليوم لعبت أول دور إستميشن في حياتي التي تخطت التسعة عشر ربيعاً , يبدو الأمر _ بيني وبينك _ مخجلاً لأن أصدقائي حين عرفوا أنني ما زلت حتى الآن لم ألعب ولا (بولة إستميشن ) هكذا يسمونها , شعروا أن عليهم واجباً من نوع خاص يكاد يكون مقدساً , إشتروا كوتشينة وجلسوا بصبر ليفهموني مصطلحات مثل ( لمّة ) و( القاطوع ), وضحكوا كثيراً حين أخبرتهم أنني لا أعرف أسماء الأشكال الإنجليزية , بل أعرفها كـ ( الكاروهات , والقلب , الشجرة , القلب الأسود ) .. كان أمراً في غاية الإحراج حقاً ..
المهم أنني قبل بداية اللمة قلت أنني سألم ثلاث لمّات .. طبعاً لو جاء الرقم أقل من هذا أو أكثر فأنا خاسر تقريباً ..
لم يأت لي إلا لمة واحدة فقط لا غير .. الأجمل أنهم إحتفلوا بالأمر بإعتبارها أول خطوة في طريق الإنحراف..
ولكني توقفت عند الرقم واحد .. تفتكري دي علامة على حاجة ؟!
مفكرتي العزيزة :
بيقولك مرة 3 صقور إتراهنوا مين هيصطاد أكتر , واحد راح ورجع ومنقاره عليه شوية دم , قال لزمايله : شايفين الصخرة اللي هناك دي , قالوا له آة , قالهم أنا أصطدت هناك أرنب .. التاني كان على منقاره دم أكتر , قالهم شايفين الصخرة اللي بعيدة أوي دي .. قالوله آة .. قالهم أنا أصطدت هناك غزال بقا .. التالت راح ورجع وكله متغرق دم .. قالهم شايفين العمود اللي هناك دا .. قالوله آة .. قالهم أنا بقا مشفتهوش

المتابعون