
الآن أتأكد أن الآية التي تقول أن الشهداء أحياء عند ربهم، موجهة لنا لا لهم ..حتى نستطيع النظر في صورهم التي تبقى الدليل المادي الدقيق والوحيد على وجودهم الذي انتهى ، ودون أن تتحول عصرة القلب إلى تمزيق له
مراراً .. يتزايد يقيني بنظرية العيش دون محاولة التفسير ، وإيجاد العلاقات بين الأشياء .. العيش هكذا .. كثور في مرعى أخضر .. لا العشب ينتهي ، ولا الثور بطبيعة الحال يشبع .. ويستمر الأمر على هذا المنوال حتى يحدث بشكل غامض أن ينتهي العشب ، او يشبع الثور ، أو بالطبع النيزك الذي سيسقط على كوكب الأرض فينهي المسألة .
في اللحظة التي سيحاول فيها الثور أن يفهم ما يحدث له ، سيتوقف عن الأكل ، ربما سيظل في بيته أياماً لا يخرج ، وينام بملابس لم يغيرها منذ أسبوع كامل .. ولولا حرص القطيع على اطعامه وامداده بالسوائل ، لمات منذ زمن .. حسناً .. هذا تعبير شكسبيري بشكل ما ، لا أحد يموت من الجوع للأسف ..
عندما تعافيت بعد أسبوع كامل .. كانت القطة في انتظاري ، قطة سوداء كقلب الكافر ، كانت تجلس على عتبة البيت الذي امامي .. بمجرد أن فتحت الباب ، رفعت رأسها عن يديها ، وحدقت فيّ .. ابتسمت ، ولكني ، كثور تعلم من الدرس جيداً ، قررت أن أراها ، وأن تنتهي علاقتي بها ، بمجرد أن تختفي من على شبكية عيني ، القطة ، لا تعني شيئاً ، غير القطة .
عندما بدأت نزول السلالم ، نزلت مسرعة قبلي .. خمنت أنها خافت .. لكن الحقيقة ، فكرت ، الخوف غريب في هذه الحالة .. هي تقريباً قررت ان تخاف ، بعد أن أعطيتها ظهري وبدأت نزول السلم ، معلناً لها بصوت عال أن لا خوف مني .
عندما كنت أعبر الشارع ، أو قبل أن أعبر الشارع .. المؤكد أنه ليس بعد أن عبرت الشارع .. سرحت .. هذه الأشياء تختار أوقاتاً غريبة لتحدث .. سرحت هكذا .. وليس في شيء محدد ، او أي شيء ، سواء كان محدد أو غير .. الأدق ، هو القول أن دماغي قررت أن تتوقف عن العمل لبعض الوقت ، ولم تبلغني أنها ستفعل ، وأكتشفت أنها فعلت ، عندما عدت لكوكب الأرض ..
كنت على الناحية الأخرى من الشارع .. تحديداً على الرصيف .. نظرت للشارع ، الذي كان كما يليق به ، سياراته لا تتوقف .. في الواقع ، كان يمكن أن اموت .
عندما كدت أستدير لأمشي ، وجدت على الجدار المجاور ، صورة عملاقة ، وبالألوان ، لطقوس الاحتفال بوفاة الفرعون ، تحتمس الرابع .. كنت أعرف هذا ، لأن أبي قال لي هذا .. كانت حتحور ، واقفة تقدم للفرعون الميت شيئاً ما ، لا أذكر ماهو .. حاولت ألا أنظر لقرني البقرة على رأسها ، قبل أن أقرر العودة للبيت .
حين التقينا : لم تسل من انتَ ؟ ..أو من أين ؟!وقبلتني خلسة ونحن في المترو ..مُحاصرين .. واقفينوقبلتني وأنا أخرج مفتاحي ..أمام غرفتي الفقيرة !وقبلتني .. حالما أغلقتْ البابَ وراء ظهرهالامعة العينين !!** ** ** **لا نهدها ( اليمامة التي تهم بانطلاقها )ولا انحسار الثوب فوق ساقهاهو الذي حاصرني في الجسد _ الجزيرة .لكنه .. شيء بها .. كأنه اليتم ..كأنه الفرار ..يذوب ما بين ذراعيّ : فتهدأ السريرةوتلتوي الأنامل البيضاء حول كتفي ..كانما نحن : الغريق .. والحطام الخشبي !تمسك بي ..في لحظة احتراقها ..في لحظة التخلي عن عناقها !تمسك بي ..حتى مع استراحة النوم القصيرةاذا انفلتُّ من يديها ..وهي في استغراقها !!وصار بيتي بيتنا معاً ، وصارْ ..أرجوحة وثيرة .وصارت الألفة ثوباً واحداًنلبسه تحت جلودنافلا يبلى ..ولا يلحقه الغبار !عارية ً _ إلا من الحب _ تروح وتجيء .يأتي غناؤها بصوتها الدافيء ،وهي ترش الماء في الحمام ،أو .. جالسة على الأريكة الأثيرةوهي تسوّي شعرها ،أو .. وهي عند النارتعد فيها قهوة الإفطارأو تمنح الرونق للأشياءفي لمستها الخبيرةتكوي المناديل الحريرية .. والتنورةأو تمسح الغبار حول صورةوها أنا بعد رحيلها المفاجيءأعمى بلا بصيرةفتشت عنها كل حانات المدينة الكبيرةوغرف الطلاب ..والمستشفيات ..والملاجيء ..لكنني لم أر غير الوحشة المريرةوذكرياتها المنثورة ..تنتظر اليد الأميرةتنتظر الخيط .. الذي ينظم اللآليء( أمل دنقل .. فصل من قصة حب )
ستصبح كلها ذكريات لطيفة ؟ اتفقنا ، ستصبح لطيفة .. في الخمسين ، السن التي ترتبط في دماغي بالكسل كأسد بعد وجبة مهمة ، سأتذكر الأشياء اللطيفة وأنا أطل من شرفة البيت على ما أريد ، وأبتسم بحكمة السنين ، أدخن السيجار بحكمة ، وأملس على صلعتي اللطيفة ، وأبتسم . لكن قسماً بالله ، لو لم يحدث هذا ، قسماً بالله ، ستكون سنة سوداء على البشرية بحالها .
قال : ألو ..كان ( باتيستا ) يطحن (الأندر تيكر) أمامنا ، نظرت في ساعتي وقدرت أن المباراة ستنتهي قريباً قياساً لما مر منها .
قام من مكانه ، وبدا صوته متوتراً وهو يقول كلاماً لم أستطع تمييزه تماماً ، وعيني على (الأندر تيكر) وهو يحاول أن يتسلق ركن الحلبة لكي يقفز على (باتيستا) .. وعلا صوته قليلاً فميزت ما يقول : مش معقول كدا .. في نفس الوقت الذي انتبه فيه (باتيستا) لخطة خصمه ، فنهض من مكانه راكضاً نحوه ومرسلاً نحوه لكمة أسقطت (الأندر تيكر) مرة أخرى على الأرض . سقط بعدها (باتيستا) من الارهاقكان الاثنان مكومين على أرض الحلبة ، حين سمعت صوته من خلفي ، وهو يقول لي : وطي الزفت دا شوية .. قللت درجة الزفت قليلاً ، وأنا أسمعه ينفجر في الصراخ في الهاتف ..حاولت أن أنظر خلفي ، لأقول له أن يهدأ قليلاً ، لكنني شككت في نيتي حين شعرت أنني سأطلب هذا فقط لأكمل متابعة المباراة في سلام ، وليس من اجل أن يهدأ فعلاً ..نظرت له بامتعاض ، وبدا هو في ملكوت آخر وهو يستمر في مسلسل الصراخ مكرراً عبارة : مش معقول كدا .. وبدأ يحرك قدمه اليمنى وكأنه يشوط بها شيئاً ما .في اللحظة التي كاد فيها (باتيستا) أن يثبت (الأندر تيكر) دخل الحلبة مصارعون آخرون .. وكما الأفلام القديمة ، بدأ الجميع في ضرب بعضهم .. تحول الأمر إلى معجنة حقيقية ، وبدأت في الضحك على المسخرة التي أمامي ، ونظرت خلفي ، ناحيته ، متمنياً أن يرى هو ما يحدث كذلك ، كان ينظر بالفعل لشاشة التلفاز ، وهو يستمع للهاتف ، حيث أتى الصوت ، كان واضحاً أن الكيان على الطرف الآخر يصرخ .. الصوت جاء مكسواً بتشويش الاتصالات المعتاد .ظللت أنظر ناحيته ، وشعرت بتأنيب ضمير بعض الشيء أن ما أراه هنا أمتع مما يفعلونه هناك . نظر لي قليلاً ، ثم أغلق الهاتف .. بهذه البساطة .. بنفس بساطة أن يرفع أحدهم الهاتف من أذنه ، ويضغط زر انهاء المكالمة .. لم أعرف ان كانا قد تبادلا عبارات الوداع ، أم أنه أغلق الهاتف في وجه من يحادثه .. قررت ألا أسأل ، واكتفيت بمشاهدة ما يحدث ، حيث كان الجميع يضربون (باتيستا) حالياً ، وهو ساقط كعجل مذبوح ..سألني عما يحدث .. وانا نظرت للشاشة وقلت له أن الأمر كما يرى .. (باتيستا) يطحن (الأندر تيكر)
لي صديق كان يرى ان هناك القليل جداً ، مما يستحق الحديث عنه ، لهذا قال مرة : " أجمل ثلاث حاجات في الدنيا : السينما ، والكتب ، والنسوان " .. ضحكنا يومها كثيراً ، ولكننا ضحكنا عليه أكثر بعد ان خطب وأصبح رسمياً في عداد المرشحين للزواج في القريب .. وهو ما جعلنا _أصدقاؤه_ نتساءل إن كانت وجهة نظره لا زالت كما هي .. أصبح الآن يعود للبيت قبل الثانية عشر مساءاً ، ويتحدث بتهذيب بعد ان كان لسانه يقطر سفالة صرفة ، حتى لا ينزلق لسانه وهو معها لما هو معتاد على قوله .. وهو ما جعلنا _أصدقاؤه_ نتساءل عما سيحدث عندما يصبحان في بيت واحد .. " أكيد هيخرج الخميس ويذاكر الجمعة " يقول صديق آخر ، لننفجر في الضحك .


ومن أهم القصص التي تلقي الضوء على هذا الجانب من شخصيتي ، قصة زواجي من د.هدى . وحينما قابلتها لأول مرة حدث لي ما حدث ، وكان لابد من أن اتأمل فيه وأفهمه ((عقلياً)) حتى يمكنني التعامل معه . وكنت حينذاك عضواً في الحزب الشيوعي المصري . فطلبت النصح من مسئولي الحزبي ، فأخبرني أنها (( برجوازية)) ، والزواج من مثلها يسبب مشكلات كثيرة ، أي أن المسئول عني في الحزب طرح تصوراً عقلياً أيدولوجياً (طبقياً) للحب والزواج . وهداني وجداني (وربما فطرتي السليمة) إلى أن أذهب لأمي أطلب منها النصح (وهو أمر نادر للغاية ، لعلي لم أفعله من قبل أو بعد) . فسألتني سؤالاً بسيطاً للغاية وهو : " هل يشعر قلبك بالفرح حينما تراها ؟" لم أجب عن السؤال ، ولكنني أحسست ساعتها أن أثقالاً أيديولوجية وتحليلات طبقية مادية سقطت من وجداني ، وأن أغلال القلب بدأت تنفك ، وقررت الارتباط بالدكتورة هدى . ولعل هذه كانت من أوائل أحداث حياتي التي يهتز فيها النموذج المادي الوظيفي كإطار للرؤية .( د. عبد الوهاب المسيري / رحلتي الفكرية .. في البذور والجذور والثمر .. سيرة غير ذاتية غير موضوعية )