(1)
مرت فترة ، كان إحساسي بالوحدة فيها غير طبيعي ..
أوقف أي مار يرميه الحظ أمامي .. ابتسم بخجل ، وأضع عيني في عينه مباشرة ، وأسأله بثقة عن الطريق إلى أي مكان يخطر في بالك تلك اللحظة ،
محطة القطار ، أقرب محل اتصالات ، أقرب سنترال ، أفضل / أرخص "حاتي " ، فندق ، مطعم ، قهوة ، المجلس المحلى ، أفضل محل لتصليح الساعات القديمة ، ويمكن بعدها أن أستغل بضع دقائق للسؤال إن كانت تبيع الساعات الجديدة أم لا .. رغم أنه من المنطقي أن المحلات التي تصلح الساعات ، تبيعها كذلك ..
أو يمكن بكل بساطة أن أشير إلى يدي اليسرى ، ناقراً بإبهامي ، متسائلاً عن الوقت بالحركة المسجلة تاريخياً باسم التساؤل ..
وبما أن هذا السؤال تكون إجابته في ثوان معدودة لا تتيح أي مط للحوار ، لهذا ، فاستخدامه الحقيقي يتجلى حين أشعر بذلك النوع من الوحدة الذي لا أرغب أثناءه في محادثة طويلة مع من أوقفه .. فقط كلمتان هي ما يلزم ..
الاختيارات كثيرة أمامي على الدوام .. مثلاً .. صبيان المقاهي الذين أسألهم عن أي اسم يخطر ببالي ، أقول أنني سمعت أنه يجلس هنا ، أو أنه شخصياً من أبلغني أنه يجلس هنا .. هذه من أروع اللحظات بلا نقاش . يعتصر الفتى جبينه ، يسأل مالك المقهى حين ييأس من التذكر .. يُشرك كل الجالسين في محاولة ، أدرك أنا وحدي أن لا معنى لها ، لتذكر هذا الشخص ، الذي أبدأ في إعطائه الوجود المادي بأوصاف متتالية ، تخطر سريعاً على بالي .. طويل لكن أصلع على خفيف / قصير يرتدي قمصاناً مقلمة دائماً / دمه خفيف جداً أو صامت كقبر / له أسنان منخورة من الدخان أو سقطت أساساً / يجلس داخل المقهى أو على الكراسي الخارجية / يدخن التفاح .. المعسل .. لا يدخن أساساً ( وهي علامة مميزة جداً .. تجعل البعض يذكر أسماءً بعينها .. بل وقد ينكرون وجود أشخاص غير من ذكروا أسماءهم بحماس شديد) / يعمل مقاولاً .. سمساراً .. في وزارة التربية والتعليم ..
أياً يكن ، الوظيفة تكون هي الطريق لمواضيع متعددة ، حين يسأل أي شخص من الجالسين عن السبب الذي يجعلني راغباً في مقابلة المقاول / السمسار ....
وهذه فرصة رائعة أخرى للحديث في موضوع ممتد وطويل .. المهم هنا ، ألا أنسى ما قلته .. وألا تكون تفاصيلي متناقضة .. وان أترك الآخرين يتحدثون عن رأيهم في مشكلة الأرض او العمارة التي أريد بنائها أو التعيين الذي أرغبه في الوزارة .. أو حتى الزواج ، حين يكون من انتظره ، حماي المستقبلي الذي يتم مقابلاته على هذه القهوة .. والذي ينسون جميعاً أنهم لم يسمعوا أوصافه ، أو يرونه أبداً ، بمجرد أن يبدأ واحد منهم في الحديث ، وإسداء النصح لي بطريقة أبوية ، قبل القيام بهذه الخطوة الكبيرة .
لم تكن كلها أياماً حافلة بكل تأكيد .. أحياناً كان الجميع يصر ، باتفاق ضمني على الحديث في أضيق الحدود الممكنة ..
في "المعتاد" لم أكن أعدم من يشير بيده ناحية طريق ما ، ثم يعطيني ظهره سريعاً ، دون أي محاولة لاستكمال الشرح ، ويمضي ..
لكن "المعتاد" أن تكون هذه حالات معدودة ضمن حصيلة اليوم المتّسعة من المتحدثين .
لكن أن يقرر الجميع فجأة أنهم مشغولون لدرجة أنه لا يمكنهم التوقف لدقائق كي يتحدثوا مع البائس الذي هو أنا ، فهذا يبدو مريباً .. كيف يمكن مثلاً أن سائقو التاكسي يكفون عن لعن الجميع ويتوقفون عن الشكوى من أسعار البنزين ؟ .. وتبوء كل المحاولات التي كنت أبذلها لتحفيزهم على الحديث ، بالفشل ..
حتى حديث الطقس المعتاد الذي لا يقاومه بشري ، فضلاً عنهم ، يفقد سحره ، ويتوقفون هم عن تحليله ، واستنتاج أن كل هذا لعنة من الله علينا لأننا جميعاً أولاد ستين كلب .
صبي المقهى يتوقف عن الاهتمام .. يهز رأسه بالنفي ولا يحاول حتى أن يتأكد من أوصافي عن الشخص الذي اتفقت على مقابلته هنا ، وينصرف سريعاً بلا اهتمام يذكر .. حتى انه ينسى أن يسألني عن طلبي ..
تصبح وكأنها لعنة .
حتى حديثي ، يتوقف عن كونه مضحكاً لعاملات المغسلة .. يستلمن الملابس بهدوء شديد .. يعطينني الوصل بآلية تامة .. يبتسمن بمهنية ، ويقلن أنني شرفت ، منهيات كل إمكانية لأي حديث .. وأنا أبتلع فكرة أنني شرفت فقط .. وأنني لن أضحك لبضع دقائق .. وأخرج .
عندها كنت أقرر التوجه بالحديث للقطط ..
تكون واحدة منهمكة بشدة في استخلاص شيء يمكن أكله من كيس قمامة أسود ، واضح أنها من مزقه ليخرج أحشاءه .. اقترب بهدوء .. ترفع رأسها بهدوء أشد .. ابتسم بتردد و أنا أقول "هاي قطة " .. وهي تبقى على هدوئها دون تغيير .. متى كانت اللحظة التي كفّت فيها القطط عن الخوف من البشر ؟! .. اقترب أكثر .. فتتحفز لكنها لا تترك مكانها .. أقوم بحركات بلهاء مفاجئة بقصد إشعارها أنني خطير .. لكنها تتحفز أكثر فأكثر ، دون أن تتأخر ، ولو لخطوة ، عن مكانها الأصلي . أحرك يدي اليسرى أو اليمنى مع قدم وأنا أصدر أصواتاً غريبة بفمي .. عندها تعيد رأسها إلى كيس قمامتها .. حقاً .. متى كفت القطط عن الخوف من البشر ؟
النتيجة المنطقية تكون الوصول لحالة من الجنون المؤقت ..
أمشي إلى الشارع ، أتوقف .. أغمض عيني وأسمح النفسي بالتفكير فيما أفعله .. تتعالى ضربات قلبي ، فأقرر العبور قبل أن أتراجع ..أتحرك للأمام .. أشدد من إغماض العينين .. أغلق فمي بشدة .. واكز على أسناني متوقعاً لحظة الاصطدام بكل تجلياتها .. لكن هذا لا يحدث ..
أجد نفسي على الضفة الأخرى بكل بساطة .. يبدو الأمر مهيناً لسبب غير مفهوم . ألقي بنظرة على الطريق .. أرى العربات القادمة من بعيد معاً .. أفكر في تكرار المحاولة ، لكني أشكك في عدالة اللعبة حين يثق المرء من نتيجتها .. أبتعد بهدوء ..
(2)
أهم حكمة يجب على الواحد الاقتناع بها بلا جدال .. أن الأقوال المأثورة ،والحكم، صحيحة _يا للغرابة_ أحياناً .
للأسف هذه الحكمة كثيراً ما يُشكك فيها .. وأنا نفسي كنت أظن فائدة الأقوال المأثورة والحكم ، أن نسخر منها فقط .. بالتأكيد لم يكتبها أصحابها وهم يظنون فعلاً أنها حقيقية .. هم فقط يرفّهون عمن سيأتي بعدهم ، ويقرأ هذا الكلام .. أو يرفهون عن أنفسهم ، وهم يتصورون كم الحمقى الذين سيقتنعون بهذا الكلام . ضحك ممتد عبر العصور إذن هو ما يحدث ..
والحقيقة كذلك .. أنني كلما قرأت مثل هذا الكلام .. ضحكت .. وأنتهيت إلى الاعتقاد بأن هؤلاء الناس ، أصحاب نكتة من طراز رفيع ..
لهذا كانت دهشتي حقيقيّة خام .. حين اكتشفت أن السيف ، فعلاً ، أصدق أنباءاً من الكتب .. وأنك إذا غامرت في شرف مروم ، فيستحسن ألا تطمع فيما دون النجوم .. وبالطبع كل ما قاله المتنبي على سبيل القضاء على أوقات الفراغ في الأوقات التي لا يقول فيها المدح أو الهجاء ، يبدو أن كل هذا حقيقي .. كما أن التعبير الذي يقول أن الحزن لا يدوم ، والفرح لا يدوم ، لأنه لا يدوم إلا القيّوم .. صحيح كذلك ..
الحزن يختفي بالتدريج ككل شيء .. حتى الوحدة ..
لهذا يمكن القول ، بلا شعور كبير بالغباء .. أن حياتي ضاقت ، فلما استحكمت حلقاتها ، فُرِجت ، وكنت انا أظنها لا تُرج ولو بالطبل البلدي ..
(3)
توقفت فجأة ، مثلما بدأت ، تلك الحالة ..
لم أعد أوقف المارة ، وأستفهم منهم عن أي مكان يخطر ببالي ، قبل ثوانٍِ من قولي .. لم أعد أوقفهم إلا لسبب واضح ومحدد ..
حينما أود الذهاب إلى محطة القطار ، أسأل من أجده أمامي عن مكانها .. وحينما أود الذهاب للأكل في مطعم جيد ، أسأل من أمامي إن كان يعرف مكاناً يُقدم فيه طعام جيد .. ولم أعد طبعاً أسأل عن أي سنترال قريب إلا حينما فعلاً أكون راغباً في الذهاب للاتصال بشخص ما .. وطبعاً لم أعد أسأل السؤال التقليدي إن كان المحل الذي يبيع الساعات القديمة يبيع الجديدة ، لأنه من الطبيعي أن يفعل هذا ..
وكذلك سؤالي التقليدي عن الوقت لم يعد مطروحاً ، حيث لا أحتاج للسؤال أصلاً .. لأنني كنت أرتدي واحدة طيلة الوقت .. وإن كان ذراع القميص يغطيها حين كنت أريد لها الاختفاء في الحال ، قبل النقر عليها بالسبابة .
حتى سائق التاكسي الذي قال لي أنه "من عدم تقواهم ، جعل صيفهم شتاهم " .. همهمت له فقط ، وأنا أهز رأسي ، ولم أعلق بكلمة ..
والآن ، أدخل المغسلة ، وأخرج ، دون أن أنتبه حتى لمن بداخلها ، لأنني أكون متعجلاً للغاية ، وتبدو لي الدقائق التي يستغرقونها لاستلام الملابس وإعطائي وصل الاستلام ، طويلة للغاية ،
لكن القطط استمرت على حالها .. لا يبدو أنها تشعر بأي تهديد من ناحيتنا ..
القول الحكيم _والذي يجب أن يتم تصديقه_ يقول انك لا يجب أن تثق في مدينة يخاف كلابها من الناس .. ولكن ماذا عن مدينة لا تخاف قططها من البشر ؟
هذا هو السؤال الذي جعلني أقطع طريقي المعتاد وأتوجه نحو القطة التي مررت عليها ..
بدا أنه خلط متعمد من دماغي أن أتخيل أن هذه القطة مألوفة لي نوعاً ما .. تغلبت على هذا الخاطر بسرعة ، وتوجهت نحوها بثقة هذه المرة ، لاحظت أنها ذكر .. الوجه الكبير سداسي الزوايا الذي كان يحدق فيّ جعلني أدرك هذا في ثوان .. كنت مصمماً هذه المرة أنه سيركض من أمامي هذه المرة .. فكرت في مزيج من الـ"بخخخخ" ..أنطقها من الحلق مباشرة ، وربما ركلة لو لم يتحرك ،
لكنها ظهرت قبل أن أقترب منه ..
لم تقل " لو سمحت " إلا بعدما تمتمت شيئاً شبيهاً بالبسبسة المترددة .. نظرت نحوها دونما تمييز ، وهي سألت إن كنت أعرف مطعم (على كيفك) .. سألتها إن كان قريباً من هنا ، وقالت أنها لا تعرف .. هززت رأسي قائلاً أنني لست من هنا على أي حال .. يمكنها أن تسأل أي مار .. وهي لم تقل حتى شكراً ، ومضت في الطريق الذي جاءت منه .. نظرت لهدفي الذي تركته لثوان ، ولم أجده .. نظرت لأعلى السور المجاور فوجدته عند أعلى نقطة ، ينظر لي .. شعرت أني بدأت في الجنون ، وأنني الآن سأبدأ في السير في الطرقات أرتدي أسمالاً بالية قائلاً أن القطط تنظر لي ، وربما أنها ترسل لي رسائلاً خاصة كذلك .. سببته بصوت عال ٍ .. و قررت أن أترك هذا المكان بالكامل ..
لكنني حينما نظرت أمامي ، وفي تلك اللحظة تحديداً ، كان صوت العجلات يصم آذان الشارع بأكمله ، والفتاة التي كانت واقفة هنا منذ لحظات ، كانت هناك ، منكمشة على نفسها ، متجمدة من الرعب ، رافعة منكبيها لأعلى حتى كادت رأسها تختفي بين كتفيها ، وسيارة لا بأس بحجمها متوقفة على بعد شبر منها .
الثلاثاء، 31 مارس 2009
عن الحد
الاثنين، 16 فبراير 2009
الجمعة، 6 فبراير 2009
مـنـتـهـى الـضـعـف الأدبـي
كان هذا عندما كنت في الرابعة عشر من عمري ..و" عندما كنت في الرابعة عشر من عمري " كنت مراهقاً تافهاً شديد التفاهة .. أفكر وأنا أقول هذه الأوصاف الآن ، أنني أبالغ قليلاً ، من لم يكن ؟ .. من لم يمارس في مراهقته سخافات وتفاهات بعضها جدير بذكره في كتب الأساطير .. من حرق أذيال القطط ، نهاية بإصابة المدرسات بالإنهيار العصبي .المهم أنني كنت في الرابعة عشر من عمري ، وهي جملة سحرية يمكن للمرء أن يقولها في دفاعه عن نفسه ، فضلاً عن كونها عبارة تقريرية تهدف إلى إثبات الزمان ،
بالنسبة المكان ، كان مدرستي طبعاً .. لا مغامرات في الرابعة عشر إلا حينما تكون في مدرستك , أو حينما تفعل شيئاً ما تكون هي في خلفيته .. كل أحداث اليوم ستبدأ حين تهرب من المدرسة على بركة الله ، كل ما يمكن أن يحدث داخل المدرسة هو مهم كذلك ، ربما _عند بعض الناس فقط_ هو أهم كثيراً مما يحدث خارجها .. هؤلاء ليسوا أجبن أو أقل جرأة من الآخرين .. فقط ربما لم يهربوا في اليوم المشهود .. نوع من الحظ الذي يأتي ولا يضع في رأسه_الحظ_ المكان الذي توجد فيه.. وربما أقول هذا فقط لأنني منهم ، وأنا لم أهرب قط من المدرسة كذلك .
يمكننا هنا القول أن الحدث داخلي .. وأن المدرسة كانت هي المكان الأهم وقت الحدوث ..تبقى إذن الحدث بعد ذكر المكان والزمان .. لأن الحدث هو أهم الأشياء ، فهو آخر ما يتم ذكره على الدوام . ولأنه أهم الأشياء ، فهو ككل الأبطال ، يمهد له الجميع لحظة الظهور ،
.. يكون الحدث، بشكل عام ، محصوراً في أربع خيارات على أقصى تقدير : مشاجرة / هروب / نجاح دراسي / فشل دراسي .. ويمكننا وضع (مشاجرة مع مدرس) على استحياء ، وإن كانت هذه المرحلة تنتمي أكثر لعالم الثانوي لا الإعدادي ، حيث مازلنا مراهقين عندنا 14 عاماً ، نتحسس طريقنا .(محمد عاطف) لم يكن صديقي لأمزح معه بهذه الطريقة ، أعترف .. ولو أنه لم يكن غريباً كذلك عني .. حين يكون تعداد الفصل عشرون طالباً فمن المستحيل أن يكون هناك غريب .. فقط هو لم يكن صديقاً ..
وأجدني الآن مصراً على تكرار كلمة "مزاح" التي كانت التبرير الوحيد الذي كنت أقدمه كلما تكاثرت على الإتهامات .. مزاح أيها البشر ! .. أيها الأغبياء! .. ليس ذنبي أنه لم يفهم أنني أمزح (هل كنت أمزح فعلاً ؟) وبدأ في البكاء والنواح كالأطفال ( هل سأعود لإستخدام أساليب المراهقين في السخرية ؟) .. لا أفهم الآن ما الذي حدث بوضوح ، لكني أذكر أن الفتى كان مذعوراً .. كان منهاراً لدرجة أنه أخرجنا _نحن المهاجمين أو من نبدو كذلك _ من مرحلة الرغبة في مساعدته إلى الخوف من مجرد الإقتراب منه ..أعتقد أن كلمة الـ"مهاجمين" توضح جلياً أنني لم أكن الحثالة الوحيد في هذه الليلة السعيدة .. وإن كان العقاب قد تركز على دماغي ، وحملت الطين كله ، لأن "أحمد حميد " (إسم أبلة ؟ أم أنني أبحث فقط عن الشماتة ؟) قد أتت أمه لإصطحابه مبكراً ، في حين أن أبي قد تأخر فأصطادته المشرفة ، التي كانت تكرهني لله في لله ، ولا تحتاج فعلاً إلى مجهود لكي تشرح لأبي كيف أنني مشروع سفاح واعد بالنجاح ..كنت في هذا الوقت خارج مصر .. طفل مصري بريء في مدرسة تابعة للسفارة المصرية، يتعلم بنفس الطريقة التي يتعلم بها البشر هناك ، ويمتحن نفس الإمتحانات ، لأن أبويه أرادا له ألا يختلف عن قرناءه في مصر السعيدة ، ولكنه عندما يكبر يكتشف أن كل هذا كان إشتغالة كبيرة ، وأنك لكي تشبه شخصاً ما في مكان ما ، لابد أن تمر بنفس الظروف بالظبط .. وهذا ما لم يحدث ..
كل هذا الكلام عن المدرسة المختلفة عن مصر ، والأحوال التي تختلف عن الأحوال ، والظروف المختلفة عن ظروف مصر ، فقط لتبرير فكرة أن يأتي أب (في حالتي ) أو أم ( في حالة أحمد حميد) لإصطحاب إبنهما الطالب في الإعدادية .. و لكي يقابلا المشرفة _ التي تكره نفسها ، والبشرية كاملة _ في الأوقات التي يرتكب فيها النجل البريء ، المصائب الكبيرة ( في حالتي فقط .. وأعني مقابلة المشرفة لأبي دوناً عن امه)سيبدو مبالغاً فيه أن أقول أنه في الوقت الذي كنت أقف فيه بجوار المشرفة _ أمام أمي ، خافضاً رأسي عاجزاً عن تخيل أن ما يحدث ، يحدث فعلاً .. وشاعراً بالمهانة من القميص الممزق الذي يكشف صدري كاملاً ، وجزءاً لا بأس به من بطني _ سيبدو مبالغاً فيه أنني كنت أفكر أن الأمر ليس بهذا السوء الذي كانت تشرحه المشرفة .. وأنني لم أفعل كل ما كانت تقول ، و عندما قالت أنني _ولم تذكر شخصاً آخر_ " حبسنا " محمد عاطف في الفصل ، وضربناه .. شعرت بالظلم ، وأنني على وشك البكاء من الإمتهان .. كنت أود ساعتها أن أقول لأبي بألا يصدق كلام هذه المجنونة لأني لم أحبس الفتى .. ربما أشعرناه (ونحن اثنان كذلك ، لست وحدي ) بالرعب والخوف ، لكننا لم نحبسه ، باب الفصل حتى لم يغلق ولو للحظة في الفترة التي استغرقها ما حدث ، لكي يحدث .. ولكنني لم أنطق بكلمة .. فقط ابتلعت كلماتي التي كنت أود قولها وصمت ..أبي لم يسألني عما حدث .. وعندما جلست جواره في العربة ، لطمني بظهر يده اليمنى على قفصي الصدري ، لطمة أخرجت الهواء من أذني .. ودفعتني للبكاء ، وإن كنت قد تماسكت لفترة .. مدعياً أنني ، ربما ، هذه المرة ، لن أبكي ..ليست هذه المصيبة بالمناسبة .. كان هذا شيئاً بسيطاً مقارنة بالعقاب الأسطوري الذي نلته من أمي ..
كان هذا يوماً خالداً بالفعل .. تم ضربي كمرتبة ..
الغريب هنا أن أمي كانت تضربني بهذا العنف الذي لم تمارسه من قبل ولا من بعد ، فقط لأنني كذبت عليها ، ولم أذكر الحقيقة كاملة .. وهي الشيء الذي عرفته هي من أبي ..
المشكلة هنا أن الحقيقة التي مع أبي ، كانت منقوصة ، وغير صحيحة .. نقلها هو لأمي بكل بساطة .. وهي صدقته بكل بساطة النقل ، في الوقت الذي معلومتي فيه صحيحة نسبياً ، من وجهة نظري ، ولكنها ظنت أن ما أفعله هو نوع من الكذب عليها ، وهو لم يكن كذلك من وجهة نظري ، وإن كان كذلك من وجهة نظر أي شخص غيري .ربما لم أكن بهذه البراءة .. لا أعرف ..
ربما حبست الفتى فعلاً في الفصل ( ولست وحدي .. أحمد حميد كان معي ) ومارست عليه كل الأذى النفسي الممكن وغير الممكن .. ربما لهذا دافع ، كقط مذعور ، عن نفسه ، ومزق قميصي حين ملت عليه لأخبره بألا يخاف ، لأننا نمزح فقط ! .. وهو نفس الشيء الذي فعله مع أحمد حميد ، الذي هرب ، كقط مذعور ، هو الآخر من الفصل وتركنا أنا و محمد عاطف ، وأخت محمد عاطف .. هل ذكرت أخته ؟
حسناً أخته كانت موجودة .. وهي تكبرنا جميعاً ، وأتت لأصحطاب أخيها الصغير .. ودورها شديد الهامشية .. لأنها خرجت من الفصل سريعاً ، قبل أن نبدأ ما تم إعتباره مضايقة وحبساً للفتى ..
فكرت حينها ، أنها لو كانت موجودة حين حدث ما حدث ، ربما كانت ستقول ما حدث فعلاً ، وهو أننا لم نفعل شيئاً ، ربما كنا سخفاء قليلاً ، ربما أخفنا الفتى فعلاً ، لكننا أبداً لم نؤذه ..الحدث المهم ، حين صمت ولم أتحدث ، ولم أدافع عن نفسي أمام سيل الإتهامات المبالغ فيها من المشرفة _ التي تكره نفسها ، والبشرية كاملة _ ، تم اعتبار صمتي الذي كان للذهول أقرب اعترافاً بخطأ لم أرتكبه كاملاً ..
هذا هو إجابه السؤال الأول الذي لم أفهمه في البداية ، عن كوني عدائياً مع الناس في الوقت الذي أشعر فيه بالإتهام من طرفهم ..
لا أعرف لم فكرتِ في هذا .. ربما هي حقيقة .. وربما كان تفسيرها الأمثل هو العودة لعقد الطفولة ..
ربما شخص ما ، يسأل (محمد عاطف) الآن ، عن سبب كونه جباناً جداً .. ويتذكر هو الموقف بأكمله ، ويكرهني أكثير ، ثم يعترف في النهاية بما حدث ، ويقول بحكمة أنها لابد : عقد الطفولة .والحدث الأهم ، حين ضربتني أمي بعنف لأني كذبت ، ولم أصدق القول معها ، حتى وإن كنت مظلوماً بشكل حاسم في هذا الوقت .. هذا هو إجابة السؤال الثاني .. حين أرفض الكذب في كل مرة يتاح فيها أمامي ، ليس لأن الدين يأمرني بذلك ، ولا لأن أفلاطون يعتبره علامة على الضعف (إن كان هو من يفعل) ولا لأي شيء آخر ، حتى لو كان عصياًَ على التصديق .. مثل الرغبة المريضة في الظهور بمظهر الرائع ، غير أنني في كل مرة أوشك على إنكار الحقيقة ، أتحسس أوجاعي التي لم تهدأ من ساعتهاوهذا كله ، لا علاقة له بك ..
ولا بكونك غالية إلى درجة أنني أمنع نفسي من ممارسة العدائية المعتادة حين تتهمينني بإتهامات لا صحة لها .. ليس لأني أعترف بذنبي .. ولكن لأني أخاف من الضغط على البللور حتى لا ينكسر .. حتى لو ظلمني هذا البللور ، بسبب تأثير مكوناته الإنسانية ، وضغط عليّ .. وهذه الجملة بالمناسبة ليست من قبيل التعبير الجمالي البليغ .. بل هي منتهى الضعف الأدبي ، لأنني أذكر الواقع كما هو دونما تدخل ..
ولا علاقة له كذلك بكوني لا أكذب عليك ..ليس لأني أتحسس أوجاعي في كل مرة .. ولكن لأنني أخاف الصاعقة التي ستهبط من السماء مباشرة على رأسي لو كذبت على قديسة ..
السبت، 24 يناير 2009
الملاحظة الوحيدة التي لم تفارق ذهني طوال أيام الحرب ( لو صحت تسمية ما حدث بالحرب أساساً ) ، هي أن الأمور تزداد تعقيداً بمرور الزمن ، بشكل لا يمكن تصوره ..لا أعرف كيف عاش جدي مثلاً حياته ، لكني على الأقل أعتقد أن الأمور كانت واضحة بالنسبة له .. على الأقل ما يمكن تسميته بالبديهيات ... هناك اسرائيل ، وهناك فلسطين .. هناك أناس يموتون وهذا الشيء سيء .. وغير انساني .بالأمس كنت أقرأ مقالاً نشره صاحبه السعيد بنفسه على الفيس بوك يقول للفلسطينين أنهم يدفعون ببساطة ثمن فعلتهم بإنتخاب حماس .. ويحذرهم بأن يقول في النهاية أنهم لابد في الانتخابات القادمة أن يحسنوا الإختيار حتى لا يقعوا في ذات المشكلة ..أي أن الفلسطينيين مسئولون عن كل ما يحدث لهم حالياً لأنهم _ويالغباءهم_ اختاروا الطرف الخطأ في ممارسة بدت ساعتها ديمقراطية .بدا لي هذا الكلام شديد الغباء إلى درجة أنه يتحول إلى المتعة الخام .. حين يتحول السوء إلى شيء قائم بحد ذاته تتسلى فعلاً بمشاهدته .. يمكنني أن أفهم منطق الصحف القومية في تغطيتها لأحداث الحرب .. هؤلاء رجال يخافون على مناصبهم بشدة .. يخافون عليها لدرجة أنهم لا يهتمون للحظة بما يقول عنهم كل الناس .. وهم يدافعون عن أنفسهم في كل يوم ، أمام من عيّنهم ، بأنهم مازالوا على العهد ، وأنهم يمارسون دورهم بكل اتقان .. بكل مقال يكتبونه ، وبكل مقال يمنعونه من النشر .. لكن ماذا عن هذا الشخص ؟ .. ماذا عن من يفترض به أنه مواطن عادي ربنا مسهل له وعنده نت ويجلس لكي يكتب هذا الكلام لمواطنين عاديين مثله ؟هل كان عند جدي أشخاص كهؤلاء ؟ .. هل هذا طبيعي في كل عصر أم ماذا ؟ .. أعرف أن لكل عصر ، هناك المغردين عن السرب فيه ، هناك من يرفضون ما يقوله الآخرون كبديهيات ويطرحون رؤيتهم الخاصة ..وهؤلاء ليسوا طبعاً مخطئين .. هم بشر عاديون .. يخطئون ويصيبون ، ولا بجب أن نحكم عليهم بأحكام مسبقة .. ولكن لماذا يصبح الأمر الآن بهذا التعقيد ؟منذ فترة ليست ببعيدة ، كان النقاش يدور حول شرعية الأعمال الاستشهادية ، وهل قتل المدنيين العُزل أمر انساني ، او حتى ديني . فيرد الطرف الآخر أنه لا يوجد مدنيون في اسرائيل ، وأنهم طالما على أرض محتله إذن فهم محتلون .. يرد الطرف الأول بأنهم طالما لا يمسكون السلاح فهم ليسوا محاربين .. وأننا لابد أن نعاملهم بأخلاقنا لا بأخلاقهم .. الخ .. الخهذا نقاش يمكنني أن أفهمه . أن أفهم بواعثه ، وأسبابه ، وحتى ما ينتج عنه .لكن كيف يمكنني الآن أن أتحدث عن خطأ المقتول في أنه ضايق قاتله .. مع ملاحظه أنهما ليس قاتلاً ومقتولاً عاديين في حادثة يومية في شارع خلفي .. هذا محتل ، والثاني تم احتلاله ..بالطبع كما قلت .. لكل عصر اختلافاته .. ولكل عصر مشاكله .. والمقارنة بين عصر وعصر يبدو غير مقنع بالنسبة لي ، لكن لا يمكنك مع ذلك أن تتجاهل أن هناك ببساطة "مصائب" أكثر تعقيداً من "مشاكل".الذي أجده مثيراً للإحباط أنني أصبحت أحتاج إلى أكثر من جملة ، لقول ما كنت أستطيع قوله قديماً بجملة واحدة ..كان يكفي قديماً ان تقول أنك تكره اسرائيل ليُفهم من كلامك أنك تكره اسرائيل .. أو أنك توافق على العمليات الاستشهادية ، لكي يُفهم ببساطة أنك توافق على المقاومة .. ولكن ما حدث منذ يومين .. أنني كنت أتحدث في ذات الموضوع .. ووجدت نفسي أقول أن ما تفعله إسرائيل هو إبادة عرقية لا أقل ( أجدها الآن بديهية ، لكن وسط سياق الحديث بدت لي منطقية) ، ولكني أجد ما فعلته حماس بكسر تهدئة واهية أمراً غبياً ، ثم أقول ، ولكن أسرائيل كانت ستهاجم سواء أطلقت حماس صوريخها البائسة أم لا ، ما حدث كان حجة لا أكثر .. ثم أقول ، ولكني أجد ما فعلته حماس أصلاً بإستيلاءها على قطاع غزة أمراً ممقوتاً قتل الوحدة الهشة التي كانت موجودة .. ثم أعود لأقول ولكن هذا لا يمنع أن ما فعلته السلطة ممثلة في فتح ، وتجاهلها لرأي الشعب الفلسطيني الذي انتخب حماس ، أمر غير مقبول .. ثم أنتبه إلى أنني أضعت الموضوع الأساسي الذي كنت أتحدث فيه فأسأل محدثي بصوت متعب : " إحنا كنا بنقول إيه ؟ "
">
الأربعاء، 21 يناير 2009
صراع الجبابرة أو أنتقام الأبطال أو الموت المدمر أو سحابة الدم الأزرق
لا أظن أن 2008 يحتاج لشهادة مني ، لإثبات أنه كان عاماً حافلاً .. هو كان عاماً مملاً ثقيلاً مضجراً .. ربما الوصف الجامع هو ما سمعته منذ فترة أنه كان : "مبالغاً فيه " .. أحببت هذا الوصف ، لأن البني آدم يحب أحياناً أن يسمع ما يفكر فيه على لسان أشخاص آخرين ..والآن وفي بداية 2009 لا أجد ما يجعلني أغير رأيي من أجله .. والحقيقة التي أخجل من الإعتراف بها ، إنني منذ بدأ العام لا أفكر إلا في أنني لم أعد قادراً على إستخدام رقم (007) كدلالة على العام وبالتالي جيمس بوند يقفز إلى دماغك في الوقت نفسه .. والمصيبة أنني لم أكتشف هذا التداخل إلا منذ أربعة أيام حين شاهدت أحد أصدقائي يكتب (920) كدلالة على عام (1920) .. لم أكن أعرف أننا يمكن أن نحذف رقم القرن .. وهذا شيء يدعو للأسف ، كون شيء بهذه الروعة التي تقترب من النكتة الرخمة كان أمامي طوال الوقت وتركته يفلت مني .. من الجميل أن تفعل شيئاً تعرف أن له دلالة ما ، حتى لو كانت سخيفة أو طفولية ، أو حتى لا معنى لها ..هناك دلالة ما (لا يهم معرفة معناها) حين تعرف مثلاً أن غاندي بكل دعواته للسلام ، قد قتل على يد شخص ما ، ربما لم يكن له أي معنى قبل هذا الفعل ، وربما تم إعدامه رفساً بالأقدام .. لا يهم .. لايهم ما حدث له قبل ، أو ما حدث له بعد .. المهم أنه فعل شيئاً للحظات وقف الكون كله على قدم واحدة لمشاهدته .. حتى أن شخصاً ما من مصر يكتب الآن عنه .. بعد مرور ما يقارب الستين عاماً ..كنت أود فعلاً الحديث عن نفسي ، أو عن غزة أو عن نصر الله ، أو حتى عن تسيبني ليفني التي تبدو كمشروع رجل وفشل للأسف الشديد .. كانت النتيجة ستكون أرحم بالتأكيد من الشيء الذي هي عليه الآن.. لكني قررت ألا أتحدث عن شيء من هذا .. سأتحدث فقط ، وبكل بساطة عن الكتب المميزة(سواء في الجودة أو السوء) التي قرأتها العام الماضي .. وهو مشروع مريح لي لأنني أكون في أفضل حالاتي نفسياً حين أتحدث عن الكتب ..لابد طبعاً أن أشير إلى محاولة ممثالة شديدة الجمال لرحاب بسام جعلت من مجرد قراءة رأيها عملاً أدبياً في حد ذاته ..شيء مهم لابد كذلك من الأشارة إليه ، وهو أن هذه هي ما يسمونها "رأي انطباعي بحت" ، وهم يسمونها كذلك على سبيل الذم بالمناسبة .. فقط أنا أحب ما أقرأ أو أكرهه وأقول هذا مع محاولة متخبطة لذكر السبب ..هناك شيء غريب هنا .. لماذا أفترض أن رأيي يهم أحداً غيري .. ولماذا أفترض أساساً أنه رأي ..أنا هنا أتبرأ منذ البداية من كلمة رأي .. هو فقط انطباع من شخص يقرأ كثيراً . لا أكثر ولا أقل .********بداية هذا العام كانت مع (النبي) .. كتاب جبران الأهم .. الكتاب ضمن اصدارات دار الشروق وترجمه ثروت عكاشة .. وهو كتاب مزودج ، أي بالعربية والإنجليزية _وهي لغة الكتاب الأصلية_ .. والحقيقة أن ترجمة ثروت عكاشة وصلت بالنص العربي بالفعل إلى درجة شديدة الإرتفاع .. هذا رجل يدرك جيداً ما يفعله ويعرف كيف يحول جماليات النص بلغة ما إلى لغة أخرى محتفظاً له بكل ما يميزه..الكتاب سمعت عنه كل الآراء الممكنة قبل قراءته .. أنه ممل وأنه رائع ، أنه ملهم وأنه ضحل ، أنه تافة وأنه أعمق ما يمكن كتابته .. والحقيقة أن رأيي أنه مزيج من كل هذا .. بعض المقاطع بالفعل أشعرتني أن هذا كلام ملهم ، وبعضها جعلني أصرخ من الإفتعال ..الكتاب يحكي عن نبي (طبعاً يعني) يأتي إلى مدينة أورفليس ويبدأ في تعليم أهلها بعض المعارف عن حياتهم .. سيتحدث عن الزواج وعن الحب وعن الدين والغناء والعمل وأشياء من هذا القبيل ..ما لفت نظري هو تعبير جبران عن النبي بأنه " كان فجراً لذاته" وهذا التعبير بالذات هو أحد الأسباب التي جعلتني أكمل الكتاب حين أصطدم بمقطع من المقاطع المفتعلة إياها ..مجملاً ، الكتاب مميز بالفعل .. ولكنه ليس لدرجة التقديس التي يتحدث البعض عنه بها ..**هذا العام كان بداية تعرفي _الذي تأخر ، أعترف_ بإبراهيم أصلان ..كنت قد قرأت له في فترة ما (خلوة الغلبان) طبعة مكتبة الأسرة .. وشعرت أن من وضع عبارة (سيرة ذاتية) على الغلاف أحمق بشكل ما .. ما يكتبه إبراهيم أصلان في (خلوة الغلبان) هو أي شيء في الدنيا إلا أن يكون سيرة .. تفسير وضع الكلمة لابد أن يكون : لأنه يتحدث عن نفسه .. والحقيقة أن هذا لا علاقة له كذلك بالسيرة ..يحكي إبراهيم أصلان عن حكايات يومية .. وهو نوع من الكتابة أحترمه جداً .. ولكنه يحول كل حكاية يومية إلى قطعة فنية شديدة الجمال والحساسية .. أعتقد أن هذا الكتاب (لأني لاأعرف كيف يمكن تصنيفه) أضاف الكثير فعلاً .. وأعتقد أنه من الكتب التي يندم المرء حين ينهيها لأنه لم يقرأها من قبل ..بعدها قرأت له وردية ليل و حكايات من فضل الله عثمان .. وكان كلاهما مؤكداً لوجهة نظري الأولى ..وما كان مميزاً كذلك هو رواية مالك الحزين ، التي تم تحويلها إلى (الكيت كات) لداود عبد السيد و بطوله محمود عبد العزيز .. طبعاً الشيخ حسني بهذا الفيلم تحول لشخصية قائمة بذاتها .. وهو ما يؤكده إبراهيم أصلان حين يعود للحديث عنه مرة أخرى في كتابه (شيء من هذا القبيل) شديد الشبة ب(خلوة الغلبان) .. في (شيء من هذا القبيل) يعود للحديث مرة أخرى عن تفاصيل حياتيه شديدة البساطة .. وحتى يتحدث عن فيلم ما في مهرجان ما ،ويلخص قصة قصيرة لكاتب ألماني .. ويتحدث عن سمكري السيارات وإيقاع طرقاته على الصاج في واحدة من أجمل الكتابات التي يمكن تخيلها .. كتاب شديد الروعة فعلاً ..**السيميائي لـ (باولو كويللو) ترجمة بهاء طاهر..لم أحب الرواية من الآخر كدا .. ولا أعرف لماذا يعتبرها البعض من عيون الأدب .. شعرت أني أقرأ كتاباً في التنمية البشرية :أسطورتك الذاتية .. اسطورتك الذاتية ..اسطورتك الذاتية ..اسطورتك الذاتية .. وشوية يقلب بقا : روح العالم .. روح العالم .. روح العالم .. روح العالم .. (وهو نفس ما يفعله ابراهيم الفقي بارك الله فيه : اتنفس .. اتنفس .. اتنفس )وبين هذه الجملة وهذه الجملة كثير من الحركة والسفر .. وقليل من الأهرامات لإضفاء عبق الماضي .. وقليل من الصحراء عشان حبة سيما ..هناك اعتراف لابد من قوله ، وهي أنني كلما رأيت صور هذا الرجل ، شعرت أنني أمام مقاول نصاب في الأسمنت .. أعتقد أنني يوماً ما سأحاول أن أقرأ ( فيرونيكا تقرر أن تموت ) لأني سمعت عنها الكثير من المديحهذه _ساحر الصحراء_ من الروايات المقلب بأمانة .. ولا أعتقد أنني سأعود لها يوماً ما .. أو ربما أهديها لأحد أصدقائي D:**بمناسبة الحديث عن (بهاء طاهر) .. قرأت له هذا العام الكثير .. وأغلبها كانت إعادة قراءات ..أعجبتني جداً (خالتي صفية والدير) .. و شعرت أن نقطة النور فيلم عربي لكنه فيلم ممتع كذلك ( مشكة هذا الكلام أنه يبدو كالحكمة بأثر رجعي .. الرواية في طريقها للتحول لفيلم بالفعل ، بطولة (نور الشريف) ) . وهمت صبابه بـ(واحة الغروب) .. و شعرت بغربة شديدة في (قالت ضحى) ..مجملاً أحب بهاء طاهر .. أحب لغته متناهية البساطة .. و أحب شعوري بروحه الطافحة في كل حرف يكتبه .. هناك من يقولون أنهم يشعرون بحزن غريب ودرجة من شفقة وجلد ذات .. وهذا كله صحيح .. مازلت أعتبر أن مافعله بهاء طاهر في (الحب في زمن المنفى) يستحق الوقوف عنده.. هو جلد ذاته وذاتنا حتى كادت الرواية أن تصرخ .. قرأت الرواية ثلاث مرات آخرها هذا العام .. و مازلت أعتبرها شديدة القسوة بشكل مبالغ فيه .. ثم أعيد التفكير فأقول أن الحقيقة أنه لم يأت بجديد .. هو فقط سرد الوقائع .. ثم أسأل : هل دوره هو سرد الوقائع فقط دون تدخل ؟ ..هل الروائي كاميرا مطالبة بالنقل الحرفي ؟ أم أنه لابد أن يمرهها عبره ويعدل فيها ؟ كل هذه الأسئلة ربما تدل على نجاحه أكثر من أي شيء ..روايات بهاء طاهر مجملاً من الأشياء التي أرشحها للقراءة دوماً ..**وبمناسبة الحديث عن نقل الواقع ، أعتقد أن تجربة (رأيت رام الله) تقول الكثير مما وودت التعبير عنه .هذا هو ما أعنيه حين أقول أنني أرغب في نقل الواقع عبر مرشّح الكاتب ..يحكي مريد البرغوثي (والد تميم البرغوثي وزوج رضوى عاشور) عن تجربته في العودة إلى رام الله بعد غربة 30 عاماً .أعتقد أن المقطع الذي يحكي فيه عن مشاعره المضطربه وهو يعبر الجسر على نهر الأردن (جسر العودة كما تسميه فيروز) .. واحد من أروع مقاطع النثر التي قرأتها في حياتي ..كتاب شديد الروعة .**رضوى عاشور لم أقرأ لها هذا العام إلا بمعجزة ما .. أشكر من تسبب فيها .كانت تجربتي معها منذ العام السابق (2007) سعيدة جداً .. قرأت لها (ثلاثية غرناطة) وأصبت بحالة شبيهة بالإندهاش من أنك يمكن أن تكتب بأسلوب شديد العادية يصل ربما لدرجة الكلاسيكية وتحدث هذا الأثر غير الطبيعي ..تماهيت تماماً مع مريمة وصندوقها .. وطبعاً جملة "لا وحشة في قبر مريمة" جعلتني أتوقف عن القراءة لأعيدها مرة وأخرى وأخرى ..تتحدث الرواية عن فترة حاسمة في تاريخ العرب والمسلمين في الأندلس .. مرحلة التنصير إياها ومحاكم التفتيش وهذا الجو المقبض ، وببراعة شديدة تنقل لنا تفاصيل يومية عن الحياة في وقت بعيد .. أحببت فعلاً الرواية وكانت حافزاً لأبدأ في قراءة (قطعة من أوروبا) وأنا أتوقع خيراً .. والحقيقة أن الرواية لم تكن بروعة سابقتها بالنسبة لي .. شعرت بثقل الرواية في بعض الأجزاء ،حين تكتفي بسرد التاريخ لا أكثر .. لا أنكر أنها كانت معلومات مهمة في حد ذاتها ، وأضافت للرواية ،ولكن هذا لا يمنع الشعور بثقل الرواية الذي أتحدث عنه ..(أطياف) و (تقارير السيدة راء) أنهيتمها في أقل من أربعة أيام .. أطياف عمل شديد الروعة .. والسيدة راء عمل شديد العذوبة .. وكلاهما يستحق أن أكرر الشكر الذي أشرت له ، مرة أخرى ..**(موانيء المشرق) لـ (أمين معلوف) ..دار الفارابيعرفت بعدها أنه كاتب لبناني يكتب بالفرنسية ..لم تعجبني الرواية كثيراً .. وأشعر بالذنب لأني صممت على الإستمتاع بالأربعين جنيها الذين طاروا في شراءها .. وحجمها ليس كبيراًبالمناسبة ،وطبعتها ليست فاخرة بنفس المناسبة .. أعتقد أنها تجربة لن تتكرر ، أذكرها هنا لأنبه نفسي ، أنه ليس من الضروري أن أقرأ كل شيء :)**( ن ) لـ( سحر الموجي ) نسخة دار الهلال تسببت بعدة مشكلات لعديد من أصدقائي ، الغلاف رائع بالمناسبة ، لكن من وجهة نظر أبوية تربوية بحتة فهو ( قليل الحيا ) .. يحكي لي صديق ما أنه بعدما أخذ الرواية مني أستعاد أيام مراهقته ، حين كان يخبيء مجلات الشبكة اللبانية في البنطلون ! .. المشكلة فعلاً أنه من الصعب تبرير الغلاف لمين يراه دون معرفة طبيعة روايات الهلال .. عموماً استمتعت كثيراً بحكايات العديد ممن قرئوا الكتاب وطرقهم اللولبية في إخفاء غلافه .. عموماً دار الشروق في طبعتها الجديدة للرواية حلّت الإشكال ..عن الرواية فلا أجد الكثير لقوله .. استمتعت بـ(طريقة) كتابة سحر الموجي لكن الـ( مضمون ) لم يعجبني كثيراً .. شعرت أنها تتحدث عن عالم بعييييد تماماً عني .. وأنها لم تبذل أي جهد لتقريبه لمن يقرأ ..ستجد طبعاً أن كل الذكور أولاد ستين كلب ، حتى صديق البطلات كان يخون امرأته بشكل أو بآخر وكلما اتيحت له الفرصة .. وأن كل الإناث رقيقات حالمات كالضوء أو أشد نقاءاً .. وأنا بصراحة أكره الكتابة بهذه الطريقة ..هناك كذلك الكثير من الكلام عن إيجاد الذات واكتشاف النفس ، وتحديد الهدف .. وهو ما يعيدنا إلى الأخ ابراهيم الفقي بارك الله فيه :( اتنفس .. اتنفس .. اتنفس )أساساً تسمية (الكتابة النسوية) تجلب لي نوعاً من الحساسية ، وأكره فعلاً أن أصنف الأدب بعيداً عن النص نفسه . بالطبع لا يمكن إغفال جنس الكاتب .. لكن لا يمكن كذلك أن أعطيه كل هذه الأهمية .. وإلا سيجب علينا أن نعطي كل شيء في حياة الكاتب نفس الأهمية : ( بيحب البامية / بيكره البامية - بيحب خالتو سعاد / بيكره خالتو سعاد - بيحب نبيلة عبيد / بيكره نبيلة عبيد )الرواية ممتعة على أي حال .. وإن كنت شعرت أنها شديدة الشبة بـ ( دارية ) لسحر الموجي نفسها ، وإن كانت (ن) أمتع في رأيي .**بالحديث عن الكتابة النسوية .. كنت قد قرأت من فترة (يوميات امرأة مشعة) لـ (نعمات البحيري ) والحقيقة أنها أعجبتني وإن كانت نفس الملاحظة السابقة تنطبق هنا تماماً .. لا أعرف هل أنا على صواب أم أنني سأكتشف يوماً أنني ذكوري متعصب ، لكن لم يعجبني جو كره المجتمع والرجال هذا ..لا أقول أن مجمتعنا يعيش أزهى عصور الحرية وأن المرأة تأخذ حقها وزيادة.. في الحقيقة أنا ممن يعتنقون الرأي المخالف تماماً .. لكني كذلك لا أجد مبرراً للكره نفسه ..هناك ملاحظة شديدة الذكاء قالها د.عبد الوهاب المسيري على لسان ا.سهير القلماوي وهي أن المنظمات النسائية حالياً تخرج من محاولة اعادة حقوق المرأة ، وحصولها على حقها من المجتمع كاملاً ، إلى منظمات ( ضد الرجل ) نفسه .الرواية تتحدث عن ذكريات نعمات البحيري مع مرض السرطان .. وهي خلال هذا تصف معاناة المرضى الذين تقابلهم خلال رحلة علاجها القاسية . في ملاحظات شديدة الرهافة والعذوبة .. وهي تصف ببراعة شديدة شعور الغربة وسط أناس لا يفهمون ما تحبه او يكرهون ما تكرههالرواية أحد الأعمال الهامة لنعمات البحيري ، التي توفيت العام السابق .والكتاب كذلك صادر عن مكتبة الأسرة .**الأنثى كنوع لـ ( جويس كارول أوتس ) :عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ..سلسلة الجوائز .. وبقطع جديد للكتاب .. أحببته بالمناسبة ..مجموعة قصصية يجمعها موضوع واحد وهو الأنثى كنوع مختلف .. القصص تتحدث عن كم العنف والغضب الذي من الممكن أن تكون عليه المرأة .. وأنها حين يحين وقت الإنفجار ، تكون ألعن من الرجل على كل المستويات .تتناول المجموعة أكثر من مرحلة عمرية .. ستجد الطفلة والمراهقة والشابة ..عموماً القصص شديدة التميز وأحببتها كثيراً ..**عامي هذا كان عاماً ذهبياً بالنسبة لـ( محمد المخزنجي ).. لن أكف عن الإنبهار بأدوات وأسلوب وطرق تعبير هذا الرجل ..هو يعرف أدواته جيداً ويعرف كيف يستخدمها بكل شكل ممكن ، لكي يخرج لك قطعة فنية تفتح فمك أمامها ..(أوتار الماء) كانت مجموعة متناقضة المستوى .. هناك قصص بديعة فعلاً مثل ( أوتار الماء ) .. وقصة يتحدث فيها عن مغترب عن وطنه طويلاً ، يتصل بمعارفه ليجد أن الوضع تغير (وهي الملاحظة شديدة التقليدية وربما الملل ، لكنه ينسجها ويصفها ببراعة شديدة ) .. ذكرتني القصة طبعاً بـ(محمد صلاح) في رواية شيكاجو ، وحالة الحنين الغريبة التي تجعله يرتدي ملابسه المصرية ويستمع لأم كلثوم ويحاول الإتصال بمن كان يعرفهم في مصر ..هناك قصص شعرت أنها مجرد اضافة للمساحة ..ونوع آخر مذهل بكل معنى الكلمة .. هناك قصة يتحدث فيها عن تشيكوف وحقيبته الطبية ، وحلمه القديم (أعني الراوي) بواحدة مثلها عندما كان طفلاً ..على الرغم من القصص التي لم تعجبني كثيراً إلا أن هذه المجوعة بدت بداية منطقية للتعرف على عالمه ..بعدها قرأت ( سفر ) وأعتبرتها ساعتها _ومازلت_ أروع مجموعة قصصية سأقرأها لهذا الرجل .. من الغريب أن يقرر المرء أنه لن يقرأ لكاتب ما أن عملاً ما هو الأروع وهو لم يكمل عملين ، لكني فعلاً انبهرت بالقصص ..قصة ( راحة ) تحديداً أعتبرها من أجمل القصص التي يمكن قراءتها .. بكل بساطة يرسم صورة متكاملة عن حالة التخبط لغريب يركب الترام ويفاجأ أنه لا يستطيع معرفة المحطات التي يمر بها لأن الثلج كان يغطي كل النوافذ إلى الدرجة التي تستحيل معها الرؤية .. يبدأ بخربشة الزجاج بأظافره على أمل أن يستطيع الرؤية ، ولكنه لا يفلح إلا في جعل الأمر أسوأ فأسوأ ، عندها تتدخل راكبة كانت تشاهد تخطبه هذا ، وتضع راحتها فقط على الزجاج .. وحين تبعدها ، يظهر كل شيء في المكان الذي تخلفه راحة يدها ..طبعاً تلخيص القصص عمل إجرامي ، لكننا نحاول على رأي ( ابراهيم أصلان ) .( رشق السكين ) لم تعجبني كثيراً للأسف .. أحببت طبعاً قصصاً معينة منها ، لكن مجملاً لم يعلق الكثير في ذهني بعد نهايتها ..وهو ما يختلف بشكل كامل عنر( الآتي ) ..في ( الآتي ) يشترك الرسام ( حامد ندا ) في خلق حالة غير عادية ، حتى في قطع الكتاب \ اللوحات .. رسوم حامد ندا تجعل القراءة عملاً مختلفاً والعكس بالعكس .. لم أصادف تجارب من هذه النوع قبلاً في الأدب العربي ، ولا أعرف هل سبقتها تجارب أخرى أم لا بالنسبة لكليهما ..وبالحديث عن التجارب التي لم أصادفها من قبل ، بدت لي ( حيوانات أيامنا ) عملاً شديد الجمال كذلك .يتحدث المخزنجي بالكامل في كامل المجموعة / المتتالية / الرواية / الكتاب القصصي (كما وضع على غلافه) ، عن عالم الحيوان .. سيتحدث مثلاً عن الخيول ( في واحد من أجمل نصوصه ) وعن الأفيال والدببة ، خالقاً حالة متكاملة تتسحق القراءة بكل تأكيد ..عمل شديد الروعة أوصي بقراءته كلما طُلب رأيي ..**سعدية وعبد الحكم وآخرون لـ ( حسين عبد العليم ).. دار ميريتالرواية تسرد حياة سعدية التي تتحول إلى واحدة من الخواطي أو العارهات في الفترة التي كان البغاء فيها مصرحاً به في مصر ..طبعاً لا يعرف الكثيرون أن كلوت بك كان واحداً من أهم أحياء البغاء في الشرق بأكمله .. الجميل في الموضوع أن سعدية تتحول لتمارس هذه المهنة بسبب نوع غريب من الفضول .. أنها "عايزة أجرب" .. ويطلق عليها أغرب لقب من الممكن ان يكون لغانية .. "سعدية عاوزة تجرب" .. الفكرة نفسها شديدة الطرافة والإبتكارية بالفعل ..نجح حسين عبد العليم في خلق حالة تشابة ممتعة فعلاً بين شخصياته الثلاث الأهم .. الظابط أسعد .. وسعدية .. وعبد الحكم الذي نعرف أنه أخوها ..الظابط أسعد دخل البوليس وهو لا يمتلك من خواص الظابط شيئاً على الإطلاق .. له عقل تأملي هاديء ويميل لتحليل الأمور والتفكير فيها ، خواص مدرس أو كاتب أو أي شيء آخر غير ظابط الشرطة .. وفي واحد من أجمل مشاهد الرواية ، يلتقي الظابط أسعد بسعدية بعد أن طلب منه أهلها أن يحدثها لكي تعود عما هي فيه .. والمصيبة أنه يجد في كلامها عن ممارسة البغاء ، نفس وجهه نظره في البوليس بالظبط .. لهذا يقول أن " البنت دي عبقرية " ..عبد الحكم هو من بدا بعيداً عن خط الرواية في البداية .. هو كان مهووساً ( وهي الصفة المميزة لكل شخصيات الرواية ) بالكلاب ، لدرجة أنهم في قريته أطلقوا عليه لقب ( أبو كلب ) .. وهو من سيُكلف بمهمة البحث عن سعدية و اعادتها إلى القرية أو حتى قتلها ..هناك من ( الآخرون ) الحكيمة المهووسة بالـبوس .. وهنا لا نتحدث عن الجنس بصفته ، بل فقط بالبوس .. وفي أحد الجمل التي تقولها واضحكتني فعلاً عن طبيب وسيم اغرته بتقبيلها : " جاب قراري في البوس ابن الكلب " .الهوس اذن بأشياء ربما لا معنى لها إلا عند صاحبها هو التيمة الأهم على طول الرواية ..(حسين عبد العليم ) سيصدر له هذا العام في معرض الكتاب تقريباً رواية (المواطن ويصا عبد النور ) .**( المستبعدون ) و ( العاشقات ) لـ( ألفريدة يلينك ) ..وكلاهما من ترجمة ( مصطفى فهمي ) ..ما أفعله هنا هو تحذير هام .. لا تقرأ هذه الكتب من فضلك أبداً ..كلا الكتابين مأساة تم صبها في كتناب ..كرهت الروايتين بشكل غير عادي وكرهت ألفريدة يلينك ، وكرهت أسلوبها المريض المصاب الكساح و طبعاً كرهت مصطفى فهمي وكرهت الغباء البشري الذي يعطي لصاحبه الحق في حرق أحداث الرواية في المقدمة .. الحقيقة أنها كانت حفلة ممتعة ..**( بالأبيض على الأسود ) لـ(روبين دافيد جونزالس جاليجو) ترجمة (ناصر الكندري) .. المجلس الوطني للثقافة والفنون الكويتهي سيرة ذاتية شديدة الغرابة ..المؤلف هو ابن لأم اسبانية وأب فنزويلي .. الأم كذلك هي ابنه الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الأسباني .ولد الطفل (روبن جاليجو) وهو مصاب بشلل دماغي عام يمنعه من الحركة بشكل عام .. والكتاب يسرد حياته الممتدة بين العديد من مؤسسات اعادة التأهيل ، ومصحات المعاقين ، وحتى دور رعاية كبار السن في روسيا .لم أحب الكتاب كثيراً ، وما صدقت اني انهيته .. ليس السبب انني لم احب كل هذا الجو من البؤس العام ، لأن الكاتب لم ينجرف إلى مسألة استنزاف المشاعر (ولو حدث هذا كنت سأغلق الكتاب بعد 10 صفحات على أقصى تقدير) .. ربما كان السبب هو اختلاف الثقافات أو لأي سبب آخر ..القصة أو الإطار العام غير عادية طبعاً .. لكن كان الأسلوب وطريقة الروي عادية جداً ، بما لا يتناسب في رأيي ..**( غريق على أرض صلبة ) لـ( جابرييل جارسيا ماركيز )من اصدارات دار ميريت ، وهي مجموعة مقالات لماركيز .. لم أكن ساعتها قد تعرفت على الوجة الروائي لهذا الرجل ، وكانت بدايته الصحفية معي موفقة جداً ..أحببت مقالاته وأحببت طريقته في الكتابة كثيراًفي الكتاب يتحدث ماركيز عن أشياء شديدة العمق وأشياء شديدة البساطة .. حتى أنه يتحدث عن شاكيرا ! .. وأسعدني أن نتشارك في الإعجاب بها .كتاب ممتع .**ثلاثة أيام عند أمي لـ ( فرانسوا فايرجان )أعتقد أنني سأدعو لسلسلة الجوائز كثيراً .. لم أكن أعرف المؤلف قبلاً ، وأندهش فعلاً أنني كان يمكن ألا أعرفه ..نموذج ممتاز لكتابة ( الرواية داخل الرواية ) .. التي استخدمها ( بول اوستر ) ببراعة شديدة في ( oracle night ) التي تم ترجمتها إلى ( ليلة التنبؤ ) ضمن سلسلة ابداعات عالمية .بالعودة إلى ( ثلاثة أيام عند أمي ) ..هذه من الروايات التي يصعب فعلاً تلخيص فكرتها الأساسية ، وهذه يعتبرها البعض علامة على الجودة بالمناسبة .. لكن الخط العام هو عن كاتب ومشاكله وأفكاره و احباطاته وطبعاً أمه ، وعلاقته بها وأخوتهمن أجمل الروايات التي قرأتها ، والأمر ليس مقصوراً على هذا العام فقط .**(الآخر مثلي) لـ( خوسيه ساراماجو ) .. سلسلة الجوائز , الهيئة المصرية العامة للكتاب . فقط نؤكد أنه ( خويسه ) وليس( جوزيه ) كنوع من التظاهر بمعرفة البرتغالية.أروع كتاب قرأته هذا العام بلا جدال .. لم أكن أعرف عن ساراماجو إلا أنه كاتب برتغالي حائز على نوبل ، والحقيقة أنني أحياناً أستعيد الإيمان بفكرة ان هناك كتباً تغير البشر وأن الإنسان قبلها لا يمت بصلة لمن يتكون بعدها . بصراحة.. على الدوام تبدو لي الفكرة نفسها بلهاء . لا يوجد كتاب قادر على تغيير الإنسان .. هناك شك أصلاً في أن الإنسان قد يتغير .. أنا لم أصادف أنساناً تغير .. ولم أصادف حتى إنساناً صادف إنساناً تغير (وهذا ليس مجرد تلاعب بالألفاظ) .. ربما تختلف طباعه بعض الشيء ، تختلف درجة حدتها او تزيد .. بدلاً من ان يكون ملحداً يصبح مؤمناً أو أن يقتنع أن الله خدعة كبيرة ، يتحول من الماركسية إلى العدمية إلى الإخوان ، لكنه في كل حالة من الحالات سيبحث عن الشيء ذاته ، ويكره الأشياء ذاتها ، ويتوجس من الأشياء ذاتها .لكن هناك نوع معين من الكتب يجعلك تتساءل فعلاً : هل ما زلت أنا بعدما قرأته ؟! ..( الآخر مثلي ) ببساطة يحكي عن شخص يكتشف أن هناك نسخة أخرى منه تسكن في نفس المدينة .. (نسخة منه) تعني تشابه مطلق في كل شيء وإن كان كلاً منهما يأخذ طريقاً في الحياة مختلفاً عن الآخر . ومختلفاً كذلك في علاقاتهم الإنسانية..كل هذا قد يبدو شديد العادية ، واعداً ربما بقصة ممتعة ، لكن ما يفعله ساراماجو بمن يقرأ هو غير العادي .هو ببساطة يدمر كل شيء ، ويعيد بناء عالم خاص به دون أحد .. كل شيء تعتبره أنت بديهياً هو عنده قمة الغرابة .. وينتبه كذلك لأفكار وملاحظات لم يعترف بها أحد لنفسه في أشد لحظاته خصوصيه .قرأت لساراماجو بنفس المعجزة التي قرأت بها لـ(رضوى عاشور) .. الحقيقة أنني كنت قد بدأت فيها منذ فترة ، وتوقفت عن القراءة تماماً في أي شيء لفترة .. ثم عدت بسبب انطباع ٍ سمعته عنها ..في احدى مقاطع الرواية توقفت قليلاً عن القراءة ، وتساءلت : _ " الراجل دا بيهرج ؟ " .. والحقيقة أنه لم يكن يهرج على الإطلاق .**( رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر .. سيرة غير ذاتيه غير موضوعية ) لـ( عبد الوهاب المسيري ) .. دار الشروقهو كذلك من الكتب شديدة الأهمية والإمتاع التي قرأتها هذا العام ..لا أنوي الحديث عنه لأنه مستحيل .. لكني فقط أسجل انبهاري بقدرته على اخراج فكرته من قلب الواقع .. ومن وسط مجموعة هائلة من الأحداث والأفكار .. يخرج هو فكرته التي غالباً ما تكون غريبة ، ويشرح بكل هدوء ، لم هي الأصوب .كتاب خارق ( على مستوى الحجم والأفكار )**( بيروت بيروت ) لـ ( صنع الله ابراهيم) .. دار المستقبل العربيكرهت هذه الرواية ،وهذا فعلاً غريب لأنني أحببت ( أمريكانلي ) وهما يتشابهان كثيراً ..طبعاً أسلوب صنع الله كالعادة ، يجعلك تتساءل عن السبب الذي توضع من أجله كلمة ( رواية ) على العمل ..هنا لا أعني جفاف الأسلوب أو حتى ابتعاده عن السرد .. أنا فقط لا اشعر مطلقاً أن ما أقرأه رواية .. هو فقط مجموعة مقالات مجمعة من كل مكان . تتشابه ولله الحمد في الموضوع .**كنت قد قررت ألا أتحدث عن أي كتب لنجيب محفوظ ، لهذا سأكتفي فقط بالقول أنني قرأت له الثلاثية وأولاد حارتنا .. و حكايات حارتنا و الفجر الكاذب وقشتمر ورأيت فيما يرى النائم وبداية ونهاية والشحاذ والسراب .. .. وطبعاً الحرافيش للمرة السابعة تقريباً .. ومازلت منبهراً بقلب الليل .. ومندهشاً بالفعل من قدرة بشري على انجاز شيء مثل الحرافيش .**كنهاية سعيدة لعام غير عادي .. نصحني أحد أصدقائي بأن أختم هذا العام بـ( الحب في زمن الكوليرا ) لـ( جابرييل جارسيا ماركيز )الحقيقة أن الترشيح بدا لي مشكوكاً في صحته كثيراً ، السبب الأول أن قراءة ( مئة عام من العزلة ) جعلتني أكره نفسي .. وفعلاً يحتل مرتبة هامة من الكتب المملة التي قرأتها في حياتي .والسبب الثاني أنه هو نفسه قال لي أن الكتاب سيعجبني ثم تنهد وقال بملامح شديدة البلاهة دفعتني للضحك :_ " الحب جميل يا بني"والحقيقة أن الحب ليس جميلاً ، يمكنني أن أؤكد هذا .. يمكنني أن أقول أنه ضروري ، أنه موجود ، أنه لا غنى عنه ، ان وجودنا نحن كبشر سيفقد الكثير لو لم يكن موجوداً ( ككل عاطفة عموماً ) ، وأن الإنسان حين يحب يختلف ، يتغير ، لكن أن يرتبط " الحب " بالـ"جمال" فهو خطأ منطقي، للأسف لم أصارحه بهذا ، لأن الدبلة في اصبعه الأيمن لم تكمل شهرها الخامس .. واكتفيت بقراءة الرواية .و أعتقد أن أفضل ترجمة كما قيل لي هي ترجمة دار المدى . لصالح علماني طبعاًو الحقيقة التي لا يمكن اخفاؤها أن الرواية جميلة بالفعل .. وإن كان جمالها مستفزاً .. وهنا لابد من القليل من التحذلق مرة أخرى والتأكيد أن "الجمال" و " الاستفزاز" صفتان يمكن قرنهما لوصف الشيء نفسه .تحكي الرواية عن ( فلورنتينو اريثا ) الذي يعشق ( فيرمينا داثا ) ، وكأي فيلم عربي صميم ، يصمم والدها على تزويجها من شخص آخر غني وله مكانة اجتماعية متميزة ( يمكننا الآن أن نؤكد بضمير مستريح أن الأمر لا يرتبط بنا فقط ) وهو الدكتور ( خوفينال أوربينو ) .. ويتم الزواج بالفعل ، وتنتهي قصة الحب بين البطلة والبطل .. هنا لابد من ملاحظة أخرى شديدة الغرابة ، وهي ان ( فيرمينا داثا ) نفسها ، وهي من كانت شديدة التمسك بـ( فلورنتينو) ، تقرر فجأة أنها لا تحبه ، وان مشاعرها خادعة بشكل غريب .. وهكذا بكل قسوة ولا مبالاة .. تقرر الزواج أخيراً بالأخ ( خوفينال ) ..الجميل هنا أنهما يعيشان حياة أسرية مترابطة لمدة 53 عاماً .. نعرف أن الحياة تستمر بشكل جميل ، وأن السلام يسود الكون . و كنوع من قضاء وقت الفراغ ، وفي انتظار موت الدكتور( خوفينال أوربينو) لكي يتزوج محبوبته ، يقرر الأخ فلورنتينو اريثا أن ينغمس في اللهو والمجون .. وكأي رجل له مزاج ، يقرر أن حظه هو مع الأرامل .. في واحدة من المقاطع اللافتة من الرواية ، يصف ماركيز سبب غرامه هو بالنساء الأرامل ، ولم يغرمن هن به .. المهم أن الدكتور خوفينال أوربينو يموت فعلاً في يوم ما ، عندها يبدأ فلورنتينو اريثا في مد جسور الود مرة أخرى مع فيرمينا اريثا . و هنا لابد من القول أنهما يبلغان السبعين من العمر ، يدفعك هذا إلى التساؤل حول النظرة التي نصدرها نحن ونصدقها بعد ذلك .. سمعت مرة من أحد أصدقائي أنه كاد أن يفرغ ما في جوفه حين رأى رجلاً عجوزاً يقبل زوجته في المطار .. أنا لا أشاطره الرأي لأني ببساطة أؤمن تماماً بان ما يقوله سخيف .. لكني فقط أفهم لم قال هذا .. الشيخوخة لها شكلها العام فعلاً ، حتى ان لها رائحتها كما يصفها ماركيز ..الرواية فعلاً خارقة للعادة .. ومن أجمل الروايات التي قرأتها والتي أعتقد أنني سأعود لها .**الآن .. أقرأ ( اليزابيت كستلو ) لـ ( ج.م. كوتسي ) . كاتب جنوب افريقيا .وأتساءل في كل مرة أمسك فيها كتاباً جديداً : ما هو الشيء الذي أفعله بالظبط ؟ و ما فائدته تحديداً ؟**ملاحظة أخيرة ، أن العنوان بمنتهى الأمانة .. لا يعني شيئاًَ .
الأربعاء، 24 ديسمبر 2008
The incredibles
كرد فعل شرطي لا يد لي فيه ، نظرت في ساعتي بطرف عيني ، حينما رأيتهما يتجهان نحوي .. ثم لمت نفسي .. النظر في الساعة علامة مؤكدة على الضجر ، إستعجال مرور الوقت ، كره اللحظة الحالية ، ولكي نكون منصفين .. لم أكن ضجراً ، ولم أستعجل مرور الوقت ، ولا حتى كنت أكره اللحظة الحالية لأني توقفت عن ملاحظتها من الأصل .. فقط هناك إمتحان ما ينتظر تشريفي ، والتغيب عن الإمتحان هو الخطوة التي أؤجلها حتى لحظة الإنحراف الكامل .هناك أشخاص يفهمون المزاح .. لا يعني هذا أنهم أذكى ، أو أفضل ، أو حتى يمتازون بأي ميزة مرتبطة بكونهم على هذه الشاكلة.. هم فقط يفهمون المزاح ..رفعت ذراعي اليسرى حينما أقتربوا مسافة كافية .. ونظرت في ساعتي بطريقة مسرحية وأنا أقول بصوت عال أن :_ " شافوني .. يادي النيلة .. هنقعد بقا نتكلم ونحكي ، وعندي إمتحان لازم أتنفخ فيه بسرعة "نظر أيمن إلى شادي مظهراً ملامح إمتعاض مسرحية ، ثم قال :_ " هو مش دا ننوس عين أمه "وشادي هز رأسه مظهراً تعبير الإشمئزاز ، برفع شفته السفلى حتى كادت أن تغطي على العليا قائلاً :_ " كنا لسه بنقول أنه يوم أسود "وانا ابتسمت في سعادة حقيقية قلما أستشعرها وتساءلت :
_ " إزيكوا يا بهايم "أيمن كان يكتب الشعر . شادي كان يرسم . إستخدام الفعل الماضي "كان" وعدم الإقتناع بفكرة أن نتركه في حاله كما تنصح ليلى مراد ، تعني أنهما لا يفعلان الآن أياً من كتابة الشعر ، أو الرسم .فكرت أننا الآن سنبدأ في سؤال بعضنا البعض عن أسئلة شديدة الخصوصية محاولين التظاهر في كل سؤال أننا نهتم فعلاً ، وأنني لو لم أعرف ماذا يفعل شادي هذه الأيام ، أو ما أخبار أيمن تحديداً وهو على شفا حفرة من التخرج _ أنني لو لم أعرف هذا فلن أنام الليل ..شادي بدأ الحفلة متسائلاً :_ " عامل إيه يا عم ؟ " .. وأكمل طبعاً :_ " فينك كدا ؟ "هذه الأسئلة بالذات لا حل لها سوى أن أبتسم إبتسامة دبلوماسية ، وأهز كتفي قليلاً ، ثم أثني برأسي قائلاً أنني :_ " موجود .. " ثم ألقي الكرة في ملعبه مبتسماً من الداخل في خبث :_ " إنت اللي مش باين "_ " أنا موجود على طول .. إنت مش باين "يُذكر إسم رامبو كلما ذكر التوقف عن الكتابة بشكل عام ، عن كتابة الشعر بصورة أخص .. رامبو انهى رحلته الشعرية وهو في سن العشرين لا غير .. توقف فجأة ! .. وقال كلاماً يليق بشاعر عن أن إلهة الشعر توقفت عن منح بركتها له عقاباً له على موبقاته .. توقف عن الموبقات آملاً أن ترضى عنه ، لكن يبدو أن إلهة الشعر بلهاء بشكل ما .. مات وهو يبلغ من العمر 37 عاماً .. ولم يكتب كلمة منذ سن العشرين .. وقال جملة شهيرة _سيستخدمها أيمن طبعاً_ : أنا أنتهيت .
حسناً .. أيمن لم يقل أنه أنتهى بالظبط .. في الحقيقة هو لم يخبرني مباشرة أنه توقف عن الكتابة .. في فترة ما كانت صداقتنا تسمح لي بسؤاله كل فترة عن الجديد .. وهو كان يهز رأسه بصمت .. وحينما تحدث أخيراً قال شيئاً عن كونه ليس ماكينة قهوة .. وأخبرني أن أطلع من نافوخه .. و في النهاية قال مشمئزاً من شيء ما كالعادة أن :_ " جبت آخري من الليلة الوسخة دي " .. أخبرته أن هناك تشابه لا يخلو من فقر في الإبداع بين جملته تلك ، وجملة رامبو ، فقال لي :_ " ملعون أبو رامبو "ثم نظر لي وأكمل رافعاً حاجبه الإيمن :_ " وبعدين رامبو مش بتاع ضرب النار والأكشن والجو دا ؟ .. كتب شعر إمتا بقا ؟يسألني شادي عن ميعاد إمتحاني .. أخبره أن أمامي حوالي نصف ساعة .. يتساءل عن السبب الذي يدعوني للقدوم إلى الإمتحان قبل نصف ساعة ، فأخبره أنني أفعل هذا لأنني لو جلست في البيت فلن أذاكر ، ولو جلست في البيت ولم أذاكر سأشعر أنني حقير .. لهذا فالحل الوحيد هو الضياع في الطرقات حتى موعد الإمتحان السعيد ..يهز رأسه ثم يسألني عن السبب الذي دعاني إذاًَ للنظر في ساعتي .. فأخبره أن هذا رد فعل شرطي لا أكثر ولا أقل ..شادي أسبابه كانت أكثر إبهاماً بكثير .. ربما من درجة إبهامها ، يمكنك القول أنها ليس لها وجود منذ البداية .. فجأة ، قرر أن لا شيء يستحق أن يُرسم .. وعندما سمعت هذه الجملة للمرة الأولى شعرت أنها مستفزة .. وكنتيجة طبيعية دار جدل طويل ، ربما يمكن تسميته بالشجار المهذب .. انتهى بقوله لي أن "إنت مالك بقا .. أرسم ، مرسمش .. براحتي " .. وهي كلمة سحرية تخرس بها من أمامك بسهولة .. وللأسف لم أكن قد طورت رداً عليها بعد (وهو ما فعلته مؤخراً) .. لهذا قررت أن أخرس . وعرفت بعدها بفترة أنه لم يتخلص من لوحاته بعد ..من تخلص من كل شيء ، كان أيمن .. عرفت بعدها أن غضبه كان حقيقياً .. "غضب" لأن هذه الكلمة الوحيدة التي يمكن بها وصف إعطاءه كل ما كتبه منذ البداية لبائع الطعمية على ناصية شارعهم .. أي كل ما كتبه منذ البداية .. شعر البدايات هذا المصاب بالكساح ، حيث القضية الأهم ، والحدث الأوحد هو فلسطين . والمصاب كذلك بحالة مرضية تجعل حروف القافية على صورة لا تتغير : ( الأولينا .. الآخرينا .. الأخسرينا .. الأفضلينا) ، ثم تخبطه ، ومحاولاته المتكررة في عدل الوزن ، أو استبدال صيغة غير شعرية بأخرى تقترب أكثر من الشعر .. ثم رسوخه النسبي ، وبدايات كفره بحروف الروي والقافية ، وهي تجارب بدت لي شديدة الجمال والحساسية .. ثم في النهاية امتلاكه للأدوات التي من خلالها يكتب ، والأهم : الرؤية .. منعني شيء ما من سؤاله وتحويل السؤال إلى شجار كما فعلت مع شادي ، وإن كنت عبرت له عن استغرابي ، كون الورق لن ينفع مع الطعمية المتشربة بالزيت .. فطمأنني أنه سيأخذ أكثر من ورقة واحدة طبعاً لصنع قرطاس .. ثم قال بلا أي تعبير :
_ " يعني القرطاس هيرسى على قصيدتين "
أخبرني بفخر أن بائع الطعمية فرح بهذا الكنز .. وإن كان أنقص من سعره قليلاً ،
_ " عشان مكتوب فيهم .. الورق الأببض أغلى مرتين تقريباً "قلت له أن هذا التصرف يبدو لي غاضباً أكثر من اللازم ، وهذا يحوله إلى رومانسي أكثر من اللازم ، وبالتالي هناك شعور بعدم الأصالة في الأمر .. وكل هذا يحوله إلى مشهد تقليدي من فيلم عربي قديم .. البطل الحزين لابد أن يربي ذقنه ويكتئب في حجرته .. الشاعر المكلوم في قصيدته أو وحيه أو أي هراء من هذا القبيل لابد أن يبيع كتاباته لبائع الطعمية ، ثم يقول لصاحبه وهو بائس ان القرطاس سيحمل قصيدتين .." يا إلهي ! .. كل ما كنت أفعله سيتحول إلى قرطاس" .. يجب أن يقول هذه العبارة وهو ينتحب ولو دمعت عيناه : أفضل وأفضل..في النهاية اعترفت أنني أجده أذكى من هذا التصرف .. وأكثر وعياً من تحويل شيء كهذا إلى مشهد سخيف من فيلم درجة ثانية ..
نظر لي بلا تعليق ، حتى أتمتت كلامي ثم قال ، أن الحياة ليست قصة قصيرة ، و أن الأبطال فيها _ على العكس من القصص _ أحياناً يفعلون أشياءاً لا مبرر درامي لها .. وأنا لم أستطع الرد ، لأن ردي كان هو نفس كلامي السابق .. كلامه عن الأبطال والحياة والقصص القصيرة ، هو في حد ذاته محاولة للتفلسف لم تنجح كثيراً .. وكذلك لم أستطع أن أقول له أنني محاط حالياً ببشر لا يفعلون شيئاً إلا قول : " الحياة هي " .. و " الحياة ليست " ..يجذبني شادي من ذراعي ليبعدني عن مسار العربات المسرعة ، مزامناً هذا مع قوله :
_ " مش أيمن هيخطب ؟ "
_ " هذه أخبار جديدة أيها السادة الكرام" ..
_ " تخيل ! "
قالها أيمن وهو يلوي بوزه هازاً رأسه بمرارة ..إسمها رهف .. وهذا يؤكد أن الأمور تسير بشكل غريب .. لماذا يرتبط الشعراء _ أو من كانوا _ بهذه الأسماء بكثافة .. يبدو هذا سراً ملحمياً يصعب كشفه .. لهذا ابتسمت وهنأته .. وهو تقبل التهنئة بهزة رأس متمتماً أن :
_ " عقبالك "
وأنا تذكرت الرد الذي يعجبني في مثل هذه الحالات وقلت :
_ " في حياتك "أخبرني بعد أن ترك الرسم تماماً ، أنه يجدها من قبيل سخرية القدر أنني ، وأنا والوحيد الذي لم يأخذ أمر الكتابة بجدية ، مازلت مستمراً في فعلها .. أما هما ، من كانا يقرئان كلام سارتر عن الفنان الملتزم ، والفنان المنتمي ، تركا كل شيء ..
يتحدث هو عن الرسم ، وعن افتقاده لشعور الانتهاء من لوحة ، أكثر مما يفعل الشاعر .. يتصف الأمر ببراعة حين يقول أن أصابعه نظيفة على الدوام ، وهذا يبدو له من قبيل الإهانة ، بعد أن كانت فعلاً لا تختفي منها الألوان .يسألني إن كنت لا أزال محتفظاً بالكاريكاتير القديم .. أهز رأسي .. وأحاول تذكر مكانه ..أيمن بدا متململاً بعض الشيء .. سألته إن كان مشغولاً بشيء ما ، فهز رأسه بالنفي .. أقرر بما أنه يكذب أن أقول له ما كنت أفكر فيه من فترة :
_ " كنت بفكر أكتب عنكم من فترة . "
ينتبه ، يضيق ما بين حاجبيه .. ويهز رأسه بدهشة تقترب من الإستنكار متسائلاً :
_ " نعم ؟ "
_ " أنت وشادي "
_ " نعم ؟ "
_ " أي نعم "
_ " إزاي يعني ؟ "
قلت له رأيي مباشرة ، الحقيقة إنها فكرة تستحق .. الشاعر الذي انخرط وسط الناس ، لا يعرف مثلاً جاره في الأتوبيس أنه كان يكتب شعراً .. والرسام الذي لم يعد يرسم .. ولم تعد علامة الجودة الألوانية على أصابعه مثلما كان دائماً .. لا تنكر من فضلك أنها فكرة لا بأس بها أبداً ..
_ " مش قصدي إنها وحشة .. قصدي أنها مكررة .. نفس الفكرة الغريبة .. شفتها في مليون فيلم ومليون رواية "
فكرة فيلم The incredibles بالظبط .. الخارقون الذين منعهم المجتمع من الحياة فيه وهم مختلفون .. فعاشوا كخارقين في ثوب بشر معتادين .. فكرة فعلاً مكررة ..
و احتد قليلاً وهو يطلب مني أن أنضج ..
وشادي هز رأسه ثم رفع أصابعه أمامي قائلاً أنه الآن سعيد .. على الأقل أصابعه نظيفة .._ "الكلام عننا ملهوش أي فايدة "وأنا قلت أنني سأكتب عنهما .. ثم أستخدمت السلاح المتميز :
_ " وانت مالك بقا " .. ثم ضحكت :
_ " هغير الأسماء . وأكتب زي ما أنا عايز .. ممكن حتى أسميك عبد العال .. واسمي الأخ دا حمودة .. وأطلعكم متخلفين عقلياً من صغركم .. أو من مجاذيب السيدة حالياً "ثم هززت كتفي قائلاً أن الحياة على عكس القصة .. يفعل أبطالها أشياءاً لا يوجد لها أي معنى .. ككتابة القصص عن أصدقائهم .. وهي أفعال في الواقع لا مبرر درامي واضح لها .
الأحد، 30 نوفمبر 2008
سمّعنا صوتك
كنت أكره هذا الكلام بغرابة .. لا .. التعبير السليم ليس : "أكره" .. ولا حتى أشمئز .. ربما هو القليل من "أختنق" على الكثير والكثير من "أحتقر" .. والقليل من الأول هدفه التأكيد على حالة تخرج من كونها نفسية إلى الواقع الملموس وتستقر في حلقي مباشرة .. والكثير من الثاني هدفه طبعاً محاولة تفسير لإبتعاد نظراتي عن وجه من يحدثني .. وهو الفعل الذي يمكن تفسيره كذلك على أنه سمت التفكير . لكن لا ..ابتسم في حكمة وهو يقول ، أن هناك لحظة يتوقف فيها ما يحدث ، ويحدث ما لم يكن يحدث ، وانا فكرت في هذا الكلام للحظات ، وتوصلت إلى أنه هراء لا أكثر ، أو هو محاولة بلهاء لإدعاء أنه ليس هراءً ..لم أرد .. استمر في الحديث مصمماً ، أن الشاب مامي _مثلاً_ لم نعد نسمع له حساً منذ فترة لا بأس بها .. وتنهد وهو يقول ، حال الدنيا ببساطة ..هز رأسه بعد أن أنهى جملته وصمت .بعد فترة تذكرت ان الشاب مامي سمعت حسّه منذ فترة لا بأس بها .. هو حتى غنّى أغنية لا بأس بها مع إليسا أستغل كونها مزة حقيقية لا بأس بها .. فكرت أن الأغنية كانت جميلة فعلاً لا (لا بأس بها) فقط . وأنني حتى سمعتها لفترة .. أينعم كنت أعرف أنني لن أستمر كثيراً في هذا لكن هذا لا ينفي أنها بدت مميزة للحظات ..هو مثلاً ليس كرامي صبري الذي مازال عنده القدرة ، والشجاعة ، على ترديد كلام مثل "قولي ألاقي أنا زيك فين" ..فكرت أن هذا هو مربط الفرس .. وأن الشاب مامي لا بأس به ، ورامي صبري شبة عمرو دياب ..قلت له كل هذا الكلام ، استغربت أنني لم أبذل مجهوداً شديداً في إقناعه ، إنتهى الأمر بي منتصراً .. وأنا تساءلت بعدها عن معنى كلمة مربط الفرس التي فكرت فيها منذ ثوان ٍ .. فكرت في سؤاله عن معنى الكلمة .. لكنه ، وبصدفة غير مبررة منطقياً ، سألني هو عن مشكلة قول كلام مثل : "قولي ألاقي أنا زيك فين " ؟ .. وانا ابتسمت في حكمة وقلت له أن هذا هو ، ببساطة شديدة ، مربط الفرس .
الخميس، 20 نوفمبر 2008
يـبـدو
وقال بنبرة جديدة مستسلماً :_ " أتدري يا بني ، يبدو أن أكبر خطأ نرتكبه في حياتنا هو الإعتقاد بأن الهدف هو السعادة "
(نجيب محفوظ _ عصر الحب )
الاثنين، 3 نوفمبر 2008
شـمـس الشـمـّوسـة
بالطبع تذكرين ذلك اليوم ..
واقفين كعادتنا نتبادل الحديث في هدوء , ربما بثقة الفلاسفة , وسكينة رهبان التبت , لهذا .. ولهذا فقط .. تصبح انفعالاتنا شيئاً ثميناً حين تحدث .. شيئاً يكسر الهدوء المخيم على كلينا , وعليّ أنا بالذات حين أكون معك ِ
كان اليوم مشمساً , تذكرين ؟!
أحيانا ً تغيب الشمس ، فقط لتعرف كم نفتقدها على الأرجح ، و أحياناً ، تفرض حضورها حتى يصبح مقيتاً ، كريهاً , غبياً بلا حد ..
كان اليوم مشمساً ، مقيتاًَ إذاً ..ولا أعرف بالضبط لمَ لم ْ نقف في مكان أقل تعرضاً للشمس من هذا المكان المفتوح تماماًَ ، غير المحدد بأي شيء من أي اتجاه .. فقط الشمس من فوقنا هي الشيء الوحيد الذي يشي لنا ، بمعنى كلمة (فوق) ..
الشمس كانت تستعرض قوتها بشكل غير محتمل ، هذه القوة التي يجب أن تعرف أنها ليست بحاجة لإثبات من الأصل ..
كنت أنا واقفاً ، ظهري للشمس ، وجهي ناحيتك ِ .. ربما كما أفعل مع كل أزمة أمر بها .. أعطيها ظهري ، بكل بساطة .. قبل أن أحرك قدميّ طبعاً ، مستعداً للركض بعيداً عنها ..
وأنت ِ واقفة أمامي .. بالظبط أمامي .
والشمس تسقط عليّ ، فتصنع الظل ، الذي تعلوه كرة ما ، هي رأسي ، التي يسقط ظلها , هي تحديداً ، على وجهك ، فيصبح بإمكانك ساعتها أنا تفتحي عينيك مباشرة ، و أنت ِ تنظرين إلى وجهي ..
كنت سعيداً بالطبع ، لا أنكر هذا ، و أنا أتأمل وجهك ِ الناظر لي ، و الذي لم تحركيه لحظة ، عن وجهي ..
عدم التحريك هذا ، بدا لي غير طبيعي ، في البداية ، ثم تجاهلت هذا الخاطر سريعاً ،
لكني ، فجأة ، شعرت باستغراب ، أجرؤ أن أسميه خوفاً ..
الاستغراب كان لأنني تغاضيت , في البداية , عن عدم طبيعية أمر ما ، وهذه الأمور بالذات تصيبني بشعور يشابه شعوري حين أحك الفوم ببعضه ، أو أسمع صوت حركة أشياء صدئة على بعضها البعض ..
الخوف كان هو الأوضح ..والأمر كان سؤالاً بريئاً : هل تنظرين لأنك تريدين ذلك ، أم لأن نظرتك لأي شيء آخر تعني الشمس ؟!
أكره استغرابي هذا ، الذي أجرؤ أن أسميه خوفاً ، ولكن من المستحيل أن أتجاهله في هدوء ، وأفكر في شيء آخر ..
حينما يأتي ذلك الشعور اللعين ، لا يصبح بإمكاني إلا الانصياع في هدوء ، وبلا أدنى مقاومة ..
تحركت ببطء من مكاني .. درت نصف دائرة .. الغريب أنك لم تعلقي بأي شكل ، الغريب أنك تقبلت ما يحدث باعتباره شيئاً عادياً ، الغريب أن هذا أسعدني ..
لم تبدلي من وضع وقوفك على الإطلاق .. فقط كنت تدورين معي ، مستكملة حديثك بهدوء تام ، وأنت تنظرين لي ، وأنا أدور نصف دائرة قطرها أكبر من دائرة وقوفنا ..
الآن وصلت حيث كنت أرغب .. وظللت أنت مكملة حديثك دون أن تغيري من نبرة صوتك ..
تابعت حديثك ، الذي أضعت نصفه ، والذي بدا أنه مهم جداً ، من كلماتك المتلاحقة ، التي بدأت تمييزها ، ومن نبرة صوتك ، التي لم تتغير ، ولكني لاحظت أنها كانت عالية بعض الشيء ..
انتبهت أننا الآن نقف في وضع غير متعرض للشمس على الإطلاق ، وأنها أصبحت على جانبنا ، مستأنسة الضوء تماماً ..
لكني فجأة شعرت باستغراب أشد ، أجرؤ بثقة أكبر أن أسميه خوفاً ..
بدا لي أنك تتلفتين كثيراً حولك ِ ، وأنك تتكلمين ، وأنت تشيحين وجهك بعض الشيء .. ولم أعد أستطيع تمييز طريقتك الطبيعية في التعبير بالوجه واليدين ، عن حركاتك الغير طبيعية ، التي انتابني شعور أنها موجودة .. رغم عدم قدرتي على التمييز فجأة .. بالأحرى لم أعد أعرف ما هو الطبيعي وما هو الغير طبيعي .. والغير طبيعي دليلي القوي أنه موجود ، أنني اشعر بهذا بقوة ..
مباشرة فكرت فيما يجب فعله ، للتأكد من كونها طبيعية أو غير طبيعية ، وكيف يجب فعل هذا دون أن تشعر هي بما يدور في دماغي ، لأنها لو عرفت ، فالطبيعي سيتحول لغير طبيعي ، والغير طبيعي سيتحول إلى طبيعي طبعاً ، وهو ما يبدو غريباً ، كيف يتحول الغير طبيعي لطبيعي بهذه البساطة ؟ .. هكذا يتصرف الإنسان ببساطة حين يشعر أنه مراقب ربما ..
لم أسترسل في فكرة الطبيعي للأسف ، لأني لاحظت أنها توقفت عن الحديث ونظرت لي صامتة . انتبهت بعد فترة من الصمت ، أن ما يخيم علينا ، هو الصمت فعلاً ..
حاولت بطريقة مثيرة للشفقة أن أرسم بسمة بلهاء على وجهي ، لكنها لم تسمح لتلك البسمة بالاكتمال :
_ " أنت لست هنا نهائياً ؟ "
حاولت ، مرة أخرى أن أرفع ملامح وجهي ، وأن أحرك عضلات البسمة على وجهي ، لكنها أجهضت المشروع تماماً حين عادت تقول :
_ " انت أصلاً لا تنظر لي "
وأنا تذكرت هنا ، أنني كان لابد أن أنظر لها وأنا أفكر في كل هذه الأفكار ..
حين أكون غير طبيعي ، يجب أن أتظاهر أنني طبيعي ، هذه هي القاعدة ببساطة .. ياللغباء !
الاثنين، 6 أكتوبر 2008
الثلاثاء، 30 سبتمبر 2008
خذني لأكبرَ , خذني لتصغرَ
قال لها: ليتني كنت أصغر...قالت له: سوف أكبر ليلاً كرائحةالياسمينة في الصيفثم أضافت: وأنت ستصغر حينتنام، فكل النيام صغارٌ، واما أنافسأسهر حتى الصباح ليسودَّ ما تحتعينيَّ. خيطان من تعب متقن يكفيانلأبدو أكبر. أعصر ليمونة فوقبطني لأخفي طعم الحليب ورائحة القطن.أفرك نهدي بالملح والزنجبيل فينفر نهدايَأكثر /قال لها: ليس في القلب متسعللحديقة يا بنت... لا وقت في جسديلغدٍ... فاكبري بهدوءٍ وبطءٍفقالت له: لا نصيحةَ في الحب. خذنيلأكبرَ! خذني لتصغرَقال لها: عندما تكبرين غداً ستقولين:يا ليتني كُنتُ أصغرقالت له: شهوتي مثل فاكهةٍ لاتؤجَّلُ... لا وقت في جسدي لانتظارغدي!
( قال لها ليتني كنت أصغر .. محمود درويش )
الأحد، 21 سبتمبر 2008
.. ولا حتى
معرفش ليه تنحت للدنيا كداوفجأة لقيتني مسكون بالملللا عندي رغبة في البكا ولا في الكلام ,ولا عايز أنام ,ولا حتى بسأل إيه دا إيه ، و آخرتها إيه ، وإيه العمل ..حالة كدا ..وأخاف أقول لأي حد .أحسن يقوم يقلبها جد ..حد صاحبي ينزعج ,يمد إيده جوا قلبه من باب الكرم ، عشان يشاركني الألم ..أو يستلف لي من لئيم حبة أمل ..حالة كدا .. معرفش إيه ..حالة كدا , ملهاش معاد ..ساعات تزورني في الشتا , في الربيع , في الحر ,و في عز الشتا ..وتجيب حاجات لا فيها روح ولا ميتة ..حالة كدا ..لا معاها ينفع كلمتين , ولا غنوتينولا لقطة من ألبوم صور ,ألاقي قلبي في الهوا ويّا الكور ..أخاف أقول لأي حد , أحسن يقوم يقلبها جد ..حالة كدا , معرفش إيهلكني برجع منها بعد السكات , فاكر شوية , فاهم شوية في اللي فاتحاسس أوي بحضن الصحاب ..محظوظ انا ..سعات بشاور يتفتح لي ألف باب ..لكني برجع , وبغلط في الحساب ..
( حالة كدا .. علي سلامة )
السبت، 6 سبتمبر 2008
فـسـتـان وجيـبـونـة
كنت في غاية التعب , ربما لهذا لم ألحظ أن صديقي توقف فجأة عن السير إلا بعد أن تحركت مسافة لا بأس بها . لم يبد هذا غريباً , حين ينمو إرهاقي بشكل أسطوري , تصبح مسألة إدراكي لما يحدث حولي في حكم عجائب الدنيا ..نظرت خلفي , وجدته واقفاً , يبتسم , وينظر عبر الشارع للناحية الأخرى , مددت بصري , وانتقلت لي مباشرة عدوى الابتسام هذه ." ابتسام " .. هكذا تمتمت , وسط ضحكة صغيرة احتلت وجهي , وتركت بقايا ابتسامة بعدها , وأنا أتحرك لأعود للمكان الذي توقف فيه صديقي متابعاً إياها .لفترة طويلة نسبياً , كنت أرى ابتسام بشكل يومي .. نقضي _كمجموعة عمل _ ما يقارب السبع ساعات . استمرت مجموعة العمل هذه ما يقارب الستة أشهر , ضحكنا فيها ما يقارب الخمس والنصف كما قال مديرنا في الجلسة الختامية , وهو يرمق الجالسين بنظرة لوم , قبل أن يثبت تلك النظرة على ابتسام تحديداً , بنظرة عتاب لم تفلح في إخفاء الضحكة المستترة خلفها , تلك التي انفجرت عندما قالت ابتسام بجدية شديدة أن نصف الشهر هذا هو الفترة التي قضاها هو في الخارج , وأننا أتممنا المدة بأكملها ضحكاً والحمد لله .عند انفصال المجموعة , نالت هي أكبر كم ممكن من الهدايا يمكن تخيله .. لم أندهش كما فعل واحد منا وهو يرمق الهرم الصغير من العلب , زاهية التغليف , على مكتبها .ابتسام كانت ملكة متوجة , لها حكمها الشامل علينا جميعاً , بلا أدنى شك ..وقفت أنا وهو ننتظر عبورها الشارع .. ذلك العبور الذي تأخر قليلاً , ليس من كثرة العربات المارة , بل من خوفها الطفولي هذا . ضبطتها أكثر من وهي تنظر نحو اليمين مرة ثم نحو اليسار , رغم أن الشارع كان في الواقع ذو اتجاه واحد لا غير.ضحكت , وصممت أن أقول لها هذا الأمر لأثبت لها أنني لازلت صاحب الملاحظات الذهبية كما كانت تطلق عليّ ..ثم تحركت أخيراً , وبدأت تقطع الطريق .كتمت ضحكتي بصعوبة , وأنا أرها تجري , فيرتج جسدها بوضوح , هي نفسها كادت أن تضحك .. كانت تضم شفتيها , وعلى وجهها ملامح ضحك لا شك فيه , وهي تنظر أثناء حركتها نحو السيارات ..مباشرة , توقفت أمامنا .. وجهها مندى بالعرق الخفيف .. قالت وهي تصفق بيديها مرة واحدة , وكأنها تفاجئنا :_ " أجمل من في الحفلة مين ؟ "ضحكنا بصوت عال ٍ معاً , قال مغالباً ضحكاته :_ " دبدوبة التخينة "أكملت وهي تصفق ثانية , مرة واحدة كما الأولى :_ " نطي نطة يا دبدوبة "ثم أكملت سريعاً :_ " إزيكو يا عيال "_ " إزيك انتي ؟_ " زي القمر طبعاً .. الحمد لله " .. قالت , ثم أكملت ضاحكة :_ " بعمل ريجيم صحيح الأيام دي "ضحكنا بشدة , وكأننا لم نفترق إلا لراحة الغذاء لا أكثر ..قلت بعدها حين صمتنا ,وأنا أبتسم :_ " إنتي كدا زي الفل .. كفاية الطلة "كانت " الطلة " هي أحد تعبيراتها المعتادة عن الجمال كما تراه هي .. كنا نقضي ساعات سوداء معاً وهي تحاول أن تقنعني بجمال فتاة على حساب أخرى من مجرد الـ " طلة " .. ذلك التعبير الذي لم أفهمه حتى الآن , كما تراه هي ..
لكي أفهم أي شيء , لابد من تفهمه , وتخيله تماماً , وهي ترى هذا عبطاً , وتخلفاً عقلياً في دماغي , وهي الملاحظات التي تقولها لي بلا أي حرج أو تخوف ..لكن المهم أنها ضحكت حين قلته .._ " الله يكرمك يا سيدي .. " قالت ..ثم أكملت :_" وطلعتوا فيكوا الخير , وفاكرين أهو "انخرطت بعدها في حديث باسم معه .. صمت أنا وشردت للحظات كالعادة ,ولكني وجدتها فجأة تقطع كلامها معه , لاحظت هذا لأنه كان مستمراً في التحدث حين نظرت لي وقالت وهي تضيق عينيها :_ " بس مفيش مانع يعني , أخس شوية كدا "
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
