
جرافيتي على الباب الرئيسي للداخلية
الصورة للشهيد : خالد محمد سعيد
( 27 يناير 1982 - 6 يونيه 2010 )
مراراً .. يتزايد يقيني بنظرية العيش دون محاولة التفسير ، وإيجاد العلاقات بين الأشياء .. العيش هكذا .. كثور في مرعى أخضر .. لا العشب ينتهي ، ولا الثور بطبيعة الحال يشبع .. ويستمر الأمر على هذا المنوال حتى يحدث بشكل غامض أن ينتهي العشب ، او يشبع الثور ، أو بالطبع النيزك الذي سيسقط على كوكب الأرض فينهي المسألة .
في اللحظة التي سيحاول فيها الثور أن يفهم ما يحدث له ، سيتوقف عن الأكل ، ربما سيظل في بيته أياماً لا يخرج ، وينام بملابس لم يغيرها منذ أسبوع كامل .. ولولا حرص القطيع على اطعامه وامداده بالسوائل ، لمات منذ زمن .. حسناً .. هذا تعبير شكسبيري بشكل ما ، لا أحد يموت من الجوع للأسف ..
عندما تعافيت بعد أسبوع كامل .. كانت القطة في انتظاري ، قطة سوداء كقلب الكافر ، كانت تجلس على عتبة البيت الذي امامي .. بمجرد أن فتحت الباب ، رفعت رأسها عن يديها ، وحدقت فيّ .. ابتسمت ، ولكني ، كثور تعلم من الدرس جيداً ، قررت أن أراها ، وأن تنتهي علاقتي بها ، بمجرد أن تختفي من على شبكية عيني ، القطة ، لا تعني شيئاً ، غير القطة .
عندما بدأت نزول السلالم ، نزلت مسرعة قبلي .. خمنت أنها خافت .. لكن الحقيقة ، فكرت ، الخوف غريب في هذه الحالة .. هي تقريباً قررت ان تخاف ، بعد أن أعطيتها ظهري وبدأت نزول السلم ، معلناً لها بصوت عال أن لا خوف مني .
عندما كنت أعبر الشارع ، أو قبل أن أعبر الشارع .. المؤكد أنه ليس بعد أن عبرت الشارع .. سرحت .. هذه الأشياء تختار أوقاتاً غريبة لتحدث .. سرحت هكذا .. وليس في شيء محدد ، او أي شيء ، سواء كان محدد أو غير .. الأدق ، هو القول أن دماغي قررت أن تتوقف عن العمل لبعض الوقت ، ولم تبلغني أنها ستفعل ، وأكتشفت أنها فعلت ، عندما عدت لكوكب الأرض ..
كنت على الناحية الأخرى من الشارع .. تحديداً على الرصيف .. نظرت للشارع ، الذي كان كما يليق به ، سياراته لا تتوقف .. في الواقع ، كان يمكن أن اموت .
عندما كدت أستدير لأمشي ، وجدت على الجدار المجاور ، صورة عملاقة ، وبالألوان ، لطقوس الاحتفال بوفاة الفرعون ، تحتمس الرابع .. كنت أعرف هذا ، لأن أبي قال لي هذا .. كانت حتحور ، واقفة تقدم للفرعون الميت شيئاً ما ، لا أذكر ماهو .. حاولت ألا أنظر لقرني البقرة على رأسها ، قبل أن أقرر العودة للبيت .
حين التقينا : لم تسل من انتَ ؟ ..أو من أين ؟!وقبلتني خلسة ونحن في المترو ..مُحاصرين .. واقفينوقبلتني وأنا أخرج مفتاحي ..أمام غرفتي الفقيرة !وقبلتني .. حالما أغلقتْ البابَ وراء ظهرهالامعة العينين !!** ** ** **لا نهدها ( اليمامة التي تهم بانطلاقها )ولا انحسار الثوب فوق ساقهاهو الذي حاصرني في الجسد _ الجزيرة .لكنه .. شيء بها .. كأنه اليتم ..كأنه الفرار ..يذوب ما بين ذراعيّ : فتهدأ السريرةوتلتوي الأنامل البيضاء حول كتفي ..كانما نحن : الغريق .. والحطام الخشبي !تمسك بي ..في لحظة احتراقها ..في لحظة التخلي عن عناقها !تمسك بي ..حتى مع استراحة النوم القصيرةاذا انفلتُّ من يديها ..وهي في استغراقها !!وصار بيتي بيتنا معاً ، وصارْ ..أرجوحة وثيرة .وصارت الألفة ثوباً واحداًنلبسه تحت جلودنافلا يبلى ..ولا يلحقه الغبار !عارية ً _ إلا من الحب _ تروح وتجيء .يأتي غناؤها بصوتها الدافيء ،وهي ترش الماء في الحمام ،أو .. جالسة على الأريكة الأثيرةوهي تسوّي شعرها ،أو .. وهي عند النارتعد فيها قهوة الإفطارأو تمنح الرونق للأشياءفي لمستها الخبيرةتكوي المناديل الحريرية .. والتنورةأو تمسح الغبار حول صورةوها أنا بعد رحيلها المفاجيءأعمى بلا بصيرةفتشت عنها كل حانات المدينة الكبيرةوغرف الطلاب ..والمستشفيات ..والملاجيء ..لكنني لم أر غير الوحشة المريرةوذكرياتها المنثورة ..تنتظر اليد الأميرةتنتظر الخيط .. الذي ينظم اللآليء( أمل دنقل .. فصل من قصة حب )
ستصبح كلها ذكريات لطيفة ؟ اتفقنا ، ستصبح لطيفة .. في الخمسين ، السن التي ترتبط في دماغي بالكسل كأسد بعد وجبة مهمة ، سأتذكر الأشياء اللطيفة وأنا أطل من شرفة البيت على ما أريد ، وأبتسم بحكمة السنين ، أدخن السيجار بحكمة ، وأملس على صلعتي اللطيفة ، وأبتسم . لكن قسماً بالله ، لو لم يحدث هذا ، قسماً بالله ، ستكون سنة سوداء على البشرية بحالها .