الخميس، 26 نوفمبر 2009

ندى


كلما شعرت بأنني رأيت كل شيء ، أكتشف أنني مجرد أحمق كبير ، مغرور ، لا يعرف عن الدنيا أو عن نفسه ، أي شيء .
لظروف التخصص ، ولضرورات الحياة ، ولحكم القدر ، رأيت من قبل أناساً تموت .. عرفت لحظات الصمت ، والوهن ، والخوف ، والقشعريرة التي تظهر على وجوه الموشكين على الرحيل ، قبل أن يحصلوا على اللقب رسمياً ، ويرحلوا .
لكن هذا المشهد ، مختلف ..
إسمها ندى ، وهو أسم جميل .. وهي قد ماتت الآن .. ماتت لأنها كانت تتظاهر في طهران ، إحتجاجاً على فوز الرئيس الحالي (أحمدي نجاد) بالإنتخابات ، وهزيمة (حسين موسوي) ، ماتت لمجرد أنها خرجت للشارع اعتراضاً على ما تم اعتباره من الكل ، تزييفاً للإنتخابات وتلاعباً بالأصوات ضد مرشح لم يحز رضا السلطة الدينية .
كلماتها الأخيرة كانت : "إنني أحترق .. إنني أحترق"
ليرحمها الله ، وليرحمنا حين تحين ساعتنا ،
ملاحظة أخيرة .. الفيديو غير مناسب مطلقاً للمشاهدة ، لا لأصحاب القلوب الضعيفة ولا القوية ، لم أكن أود وضعه بأي حال ، لكن الأمر فقط لكي لا ننساها ، ولا ننسى الألوف الذين يموتون ميتة لا يستحقونها كهذه .. حتى لو جلدنا هذا ،

">

الأحد، 22 نوفمبر 2009

كطلعة وردة


سألتك : هزّي بأجمل كف على الأرض
غصن الزمان !
لتسقط أوراق ماض وحاضر
ويولد في لمحة توأمان :
ملاك . . وشاعر !
ونعرف كيف يعود الرماد لهيبا
إذا اعترف العاشقان !
أتفاحتي ! يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي
أنا ، عجبا ، كيف تشكو الرياح
بقائي لديك ؟ و أنت
خلود النبيذ بصوتي
و طعم الأساطير و الأرض . . أنت !
لماذا يسافر نجم على برتقاله
و يشرب يشرب حتى الثمالة
إذا كنت بين يديّ
تفتّت لحن ، وصوت ابتهاله
لماذا أحبك ؟
كيف تخر بروقى لديك ؟
و تتعب ريحي على شفتيك
فأعرف في لحظة
بأن الليل مخدة و أن القمر
جميل كطلعة وردة
و أني وسيم . . لأني لديك !
أتبقين فوق ذراعي حمامة
تغمّس منقارها في فمي ؟
و كفّك فوق جبيني شامه
تخلّد وعد الهوى في دمي ؟
أتبقين فوق ذراعي حمامه
تجنّحني . . كي أطير
تهدهدني . . كي أنام
و تجعل لاسمي نبض العبير
و تجعل بيتي برج حمام ؟
أريدك عندي
خيالا يسير على قدمين
و صخر حقيقة
يطير بغمزة عين
** ** ** **
ملحوظة (1) : القصيدة لمحمود درويش .. وإسمها ( أبيات غزل)
ملحوظة (2) : أنا مش عارفني أنا تهت مني ، أنا مش أنا :)
ملحوظة (3) : صباح الفل .

السبت، 21 نوفمبر 2009

قالت الست


القمر ، من فرحنا ، هينوّر أكتر ..
والنجوم هتبان لنا ، أجمل وأكبر
والشجر ، قبل الربيع ، هنشوفه أخضر
واللي فات ننساه .. ننسى كل أساه ..
يلا نلحق من الزمن أيام صفا
دي الحياة من غير لقانا ، مش حياة ،
وإحنا مش هنعيش يا روحي ، مرتين .

ألحان محمد عبد الوهاب طبعاً

الاثنين، 16 نوفمبر 2009

زي جنينة

خضارك زي جنينة ، وطرحت تينات
عودك ، في مشيته .. عاملّه منحنيات
عضامك لينة ، لاقيين على التنيات
تانية واتنين تلاتة .. وأربع خمس تنيات
يا أم عقدين دهب .. تلاتة وتلاتين طارة
ما عيناً رأت ، ما وردت على بكّارة
يوم طلّت علينا ، الكل وقعوا سكارى
سقطت في الحليب ، ما بينت له عكارة
(عشق البنات .. محمد منير)


الأحد، 15 نوفمبر 2009

سمّني ما شئت


- لا أعرف اسمكِ
> سمني ما شئتَ

- لستِ غزالةً
> كلا. ولا فرساً ..

- ولستِ حمامة المنفى
> ولا حوريةً

- من أنتِ؟ ما اسمكِ؟
> سمني، لأكون ما سميتني

- لا أستطيع، لانني ريح
وأنتِ غريبة مثلي، وللأسماء أرض ما

> إذن، أنا «لا أحد»

> لا أعرف اسمكَ، ما اسمكَ؟
- اختاري من الأسماء أقربها
إلى النسيان. سميني أكن في
أهل هذا الليل ما سميتني!

> لا استطيع لأنني امرأة مسافرة
على ريح. وأنت مسافر مثلي،
وللأسماء عائلة وبيت واضح

- فإذن، أنا «لا شيء»...

قالت «لا أحد»:
سأعبىء اسمك شهوةً. جسدي
يلمك من جهاتك كلها. جسدي
يضمك من جهاتي كلها، لتكون شيئاً ما
ونمضي باحثين عن الحياة...

فقال «لا شيء»: الحياة جميلة
معكِ... الحياة جميلة !
( لا أعرف أسمك .. محمود درويش)

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

عروق الشجر المشتبكة


مختار الصحاح له رأي في المسألة :
الشَّجَنُ :
الحزن والجمع أشْجَانٌ وقد شَجِنَ من باب طرب فهو شَجِنٌّ و شَجَنهُ غيره من باب نصر و أشْجَنَهُ أيضا أي أحزنه و الشَّجْنُ كالفلس واحد شُجُونِ الأودية وهي طرقها ويقال الحديث ذو شجون أي يدخل بعضه في بعض و الشُّجْنةُ بكسر الشين وضمها عروق الشجر المشتبكة ويقال بيني وبينه شجنة رحم أي قرابة مشتبكة وفي الحديث {الرحم شجنة من الله تعالى} أي الرحم مشتقة من الرحمن والمعنى أنها قرابة من الله تعالى مشتبكة كاشتباك العروق ..
** ** ** **
هناك أغنية لكارم محمود ، والسيد الوالد يعتبره مع محمد قنديل من أساطير الكون ، وأنا أوافقه الرأي ، الأغنية هي ( أمانة عليك يا ليل طوّل) ، والتجربة _وهي كذلك خير برهان_ تثبت أنني كلما استمعت لهذه الأغنية أشعر بمشاعر من يدهسه أتوبيس .. وهو ما يثبت أن الأغنية رغم ما بها من قدر لا يستهان به من السعادة ، تثير شعوراً لا يمكن فهمه إطلاقاً بالنسبة لي .. قديماً سمعت صديقاً عزيزاً ، يملك واحداً من أجمل الأصوات التي سمعتها في حياتي يقول لي أنه تمت " فرتكته " من قبل أغنية ما ، لا أتذكر الأغنية تحديداً ، لكن ما أتذكره الآن أن بعرور أصدر أغنية بالعنوان نفسه ، فرتكة .
والآن ، وفي اللحظة الآنية ، هذه اللحظة تحديداً ، أي الآن ، التي ستتحول بعد ادراكي لها إلى "القديم" ، أنتظر شيئاً ما .. أنتظره بكل جزيئة من جزيئات الكائن المحكوم عليه بالفناء يوماً ما ، والذي يدعو ربه ، أن يعينه ، وأن يكرمه ، في الكام يوم اللي حكمت مشيئته أن يقضيها على الكوكب اللطيف هذا .
** ** ** **
يقال ، والعهدة على الراوي ، أن أوراق الشجر ، تتخذ شكلاً معيناً ، ونسقاً شديد التعقيد ، يسمح لها _مع الإنتباة لحقيقة أن الشمس تغير موضعها بإستمرار .. يسمح هذا النسق والترتيب ، لضوء الشمس بالوصول لكل ورقة على حدة بالدرجة التي تسمح للورقة بممارسة حياتها الطبيعية .. وتجعل لكل ورقة حصة معينة من الضوء .. لا أعرف بالظبط مدى صحة المعلومة ، لكنني أصدقها .
** ** ** **
يمكن كذلك أن نرى رأي محمد خان فيما يحدث

السبت، 24 أكتوبر 2009

بـثـبـوثـة


_ تفتكر أكلمها ؟
_ مش عارف والله .. انت عايز تكلمها ؟
_ مش فكرة عايز .. فكرة إني قلقان شوية ..
_ يبقا انت عايز تكلمها شوية ..
_ آة بالظبط .. عايز أكلمها شوية .. تفتكر الشوية كفاية اني أكلمها ؟
_ It depends ..
_ متتكلمش بالإنجليزي .. على إيه بقا ؟
_ يعني الشوية دول ممكن يكونوا كتير جداً .. دي اسمها النسبية يا سيد .
_ نسبية إيه ؟
_ آة أنت غبي النهاردة .. بص .. الفكرة أن الشوية دول ممكن يكونوا كتير بالنسبة لك ..
_ أنا قلت انهم شوية بالنسبة لي يا بني ..
_ غبي ..
_ متشتمش يا جدع ..
_ والله العظيم تلاتة غبي .. افهم يا ثور الله في برسيمه .. دلوقتي لو انت مليونير .. معاك 100 مليون .. وجيت انا خدت منهم مليون .. انا شايف ان المليون دا مبلغ عظيم .. لكن انت بإعتبارك مليونير شايف انه ولا حاجة .. لكن الحقيقة أن المليون دا مهم ، وهو مبلغ كبير في حد ذاته ..
_ لحظة .. بس احنا بنتكلم عني انا هنا .. يعني المليون ولا حاجة ..
_ لا المليون دا كتير اوي
_ بمعيار مين ؟
_ بمعيار البني آدمين .. جايز انت شايف الشوية دول ولا حاجة .. بس انت عشان عايز تكلمها شوية ، ومش عارف تعمل دا ولا لأ .. قارفني دلوقتي .. يبقا دا مش شوية خالص
_ اه .. تفتكر أكلمها ؟
_ كلمها .
_ وأفرض مردتش عليا
_ يبقا نصيبك كدا .
_ وليه أحط نفسي في الموقف اللعين دا .. وأفضل بقا أفكر هي ليه مردتش عليا ، ويا ترى هتتصل ولا لأ ، ويا ترى لما اتصلت بيها وهي شافت اسمي كان رد فعلها ايه ..
_ ................
_ ها ؟
_ عندك حق .. الشعور دا لعين فعلاً
_ مش بقولك .
_ والألعن والألعن لو هي متصلتش بعد ما انت اتصلت
_ اه .. بكدا تكتمل فصول المأساة
_ خلاص متتصلش .
_ رأيك كدا ؟
_ اه متتصلش .
_ وأفرض هي متصلتش .
_ يبقا نصيبك كدا .
_ بس انا كدا حاسس اني كتلة حرجة .. مادة مشعة مش مستقرة .
_ مممم .. شعور مش لطيف
_ اه .
_ خلاص اتصل .
_ مش لسه قايل متتصلش ؟
_ ما هو انت كدا كدا في وضع حرج ، الجميل انك تبقا في وضع حرج وتتصرف .
_ والشعور اللعين ؟
_ لو مردتش عليك تقصد ؟
_ اه ..
_ استحمل بقا مقابل انك تخرج من الحالة السخيفة دي ، من الجميل ان الكتلة الحرجة ترجع تاني للحالة الطبيعية ، الإشعاع هنا هيكون لما تفرغ قدر من الطاقة في المكالمة ، وتحس الشعور اللعين .
_ حاجة تقرف
_ حاجة تقرف فعلاً
_ هتصل خلاص .
_ شاطر ..
_ ولو ردت هقولها الله يحرقك ..
_ دي فكرتك عن الرومانسية ؟
_ عشان تعرف ان الله حق
_ طيب قول
_ بس هي هتزعل .
_ تزعل
_ بس انا مش عايز ازعلها ، انا عايز اقولها اني انا اللي زعلان ، لو زعلت هي مني هبقا كدا خسرت بونت .
_ انت عبيط يا بني ؟ دا مش متش بلاي ستيشن .
_ الحياة كلها بلاي ستيشن
_ يادي الهباب الأسود .. أبوس رجلك بلاش الأقوال الحكيمة دي .. الحياة بلاي ستيشن ، الحياة صينية بسبوسة ، الحياة محشي ورق عنب .
_ تعرف انها لادغة في السين ؟
_ تشرفنا يا سيدي .. يبقا الحياة صينية بثبوثة يا صاحبي ، ولا تزعل .. اتحرك بقا
_ هتصل .
_ شاطر ..
_ ولو ردت هقولها اني زعلان منها
_ قول
_ مش هشتم عشان متزعلش
_ اه .. وانت تشتمها ليه اساساً
_ ولو زعلت بقا براحتها
_ تزعل ليه ، ما انت مش هتشتم .
_ اه صح .. قصدي عموماً .. حتى لو زعلت بعد كدا انا مش مسئول ، وهبطل بقا احس بالذنب تجاة كل مشاكل الكون
_ شطور .. وتبقا إنسان جديد أحسن ، وذلك من أجلك ومن أجل الآخرين
_ بتتريق ليه طيب ؟
_ أبوس رجلك اتصل
** ** ** **
بعد انهاء المكالمة بثلاث دقائق .. كان جالساً بجواري صامتاً تماماً .. ملاحظاتي كانت أنه تحدث ، وانه شعر بصدمة ما ، وأنه يجلس بجواري فاقداً القدرة على النطق ..
فكرت أنني يجب أن أساند صاحبي ، وأن أتجنب الكلام الكثير ، وأقول كلاماً لا يفهم بأكثر من طريقة ، ويجب الإبتعاد عن الأقوال الحكيمة ، والإختصار الشديد ..
_ خير ؟
_ انا حاسس اني في نكتة دلوقتي
_ خير ؟
_ عارف هي بتعمل ايه دلوقتي ؟
_ لا والله .. أكيد معرفش
_ بتلعب بلاي ستيشن .
_ واااو .. طيب بص .. الحياة محشي ورق عنب على فكرة بقا .

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

* قليل من الحب ، كثير من العنف



قلت سابقاً أنني أسمع _للأسف الشديد_ WestLife .. وهو شيء لازمني منذ بداية تفتح وعيي أن هناك موسيقى في الكون غير أغاني الأخ عمرو دياب ربنا ياخده ..
المهم .. بصفتي متابع ، ولمن لا يتابع .. فالفرقة أنفصل عنها أحد أعضاءها وهو السيد Brian mcfadden .. ولو أني لم أكن من محبي صوته المائل إلى الخنف بشكل ما .. إلا أنني تعثرت في أغنية له منذ فترة ، وهي مناسبة تستحق قليلاً من الإحتفال .. اسمعوا اذا بتريدوا ..
** ** ** **
بها قدر لا بأس به من الهيافة ، أليس كذلك ؟ .. في العموم لن يستطيع المرء أن يصل لحل في هذه المسألة .. هل الصواب أن يقول المرء ما يود قوله مباشرة أم يلجأ للإستعارة والمجاز .. هل كلمة "أحبك" هي شيء جميل في حد ذاته ، أم أن الصواب أن يقول الإنسان بدلاً منها : "أحبك حب القوافل واحة عشب وماء " ، وكل هذا الهراء الذي يجعلنا معشر البشر " فوق الحياة قليلاً" .. وهذا عنوان رواية لطيفة لسيد الوكيل .
على أيه حال .. لمن آذت مشاعرهم الأغنية السابقة ، أدعوكم أيها السادة لمقتطفات من مباريات (نسيم حميد) .. وهو ابهار بصري يستحق الرؤية .. من اللطيف دائماً أن ترى المتبجح أو الفم الكبير بالتعبير الأمريكي ، يتم ضربه .. أفلام المراهقين قائمة على هذه الفكرة أساساً .. الفتى الضخم المتبجح السخيف الذي يتم ضربه في نهاية الفيلم .. لكن ماذا لو لم يحدث هذا ؟ .. نسيم يسخر من منافسيه بشناعة ، ويستفزهم بطريقة مهينة .. ولكنه في النهاية يفوز .. وهو فوق هذا عنيف جداً .. والأجمل من كل هذا ، أنه بعد أن هُزم الهزيمة الوحيدة في تاريخه ، اعتزل !
** ** ** **
(*) العنوان هو عنوان رواية لفتحي غانم ، تم تحويلها لفيلم تقريباً

الخميس، 8 أكتوبر 2009

عايشة


هم دائماً في جماعات .. بوجوه على شفا الإبتسام ، ودودة بلا شك ، بها نوع من الحذر لا شك ، أمر يسهل تبريره .. الشارع هنا غابة إلى أن يثبت العكس .
التحرك يتم دوماً بتوقيت يثير الإستغراب _ربما التهكم من وقت لآخر_ من قدرة الجميع على الإنتهاء من الطعام مثلاً .. أو قضاء مشترواتهم في وقت واحد .. في النهاية ، وفي كل الحالات سترى سرباً ، يحلق حاملين أكياساً مليئة بالخضار ، أو ممسكين بكتبهم الدراسية ، التي إن كانت بالعربية فهي تعني الأزهر بلا جدال .
"الأزهر بلا جدال" هكذا قررت وأنا أنظر إلى الكتاب الذي كان يضعه على الطاولة التي كانت محاطة من جهتين بكنبة تأخذ زاويتها ، أجلس على ضلعها الأول وحدي ، في حين يحتل هو الضلع الآخر ، وبيننا ، خلف الكنبة ، حوض سمك عملاق تسبح فيه ثمان سمكات ، كنت قد عددتها في أوقات انتظار مماثلة . بينهم سمكة سوداء كريهة المظهر ، أخبرني أحد العاملين في المكان أنها نموذج لصفيحة القمامة حيث تقتات على فضلات الأسماك الأخرى مباعدة بالتالي بين أوقات تنظيف الحوض .
هم دائماً في جماعات .. لهذا كما أعتقد بدا رفيق انتظاري هذا قلقاً بعض الشيء .. تأكد انطباعي الأول أنهم يفعلون كل شيء معاً .. ففي الوقت الذي احتل فيه أفراد مجموعته كل الأماكن المتاحة على الأجهزة ، بقي هو منتظراً أن يتهي شخص ما من الأقلية المصرية ما يفعله على الجهاز لكي يجلس مكانه ..
المسئول عن المكان ، نظر فجأة إلى الإجهزة صارخاً وهو يضحك : " الماليزيين احتلوا البلد " .. تصاعدت عدة ضحكات من الجالسين على الأجهزة ، وأنا ابتسمت بركن فمي . والفتى الجالس أمامي بدا أنه أنتبه لكلمة "ماليزيين " وحدها دونما فهم كامل لبقية الجملة ..
مستجد .. فكرت .. في الغالب ، وطالما نحن في بدء العام الدراسي .. فهو غالباً عامه الأول .
اشفقت على حاله ، دنيا مختلفة ، طباع و أشخاص لا يمكن وصفهم بالسهولة حتى على أبناء البلد، و امتياز أن يجلس على جهاز ليتصل بالعالم الخارجي يبدو بعيداً عنه بشده . الألعن كان أنني جئت قبله ، ولم أكن في حالة تسمح لي بمشاركة الخير والمحبة مع الآخرين .. حتى لو كانوا مغتربين ، وحتى لو أشفقت على حالهم .
لم أكن في مزاج رائق للقراءة ، لهذا بدا حوض الأسماك حلاً مثالياً .. السمك يسبح .. ويسبح .. ويسبح .. يتخبط قليلاً في جدران الحوض ، مقترباً ومبتعداً من بعضه البعض ، ليسبح ويسبح ويسبح .
شعور الثقل في أجفاني كان شديداً لدرجة أنني عانيت صعوبة حين عدت إلى العالم ملاحظاً أنه يبتسم لي ..
"جميل" ..
قال .. وأنا ابتسمت تلقائياً قائلاً أنه فعلاً : "جميل"
قال هو : " السمك جميل .. glorious "
أنت تقصد "جليل" يا صاحبي وليس "جميل" .. قلت : "جليل" .. وهو قال : "جليل" .. هززت رأسي .
كرر هو : "جليل .. عظيم "
قلت : " magnificent " .. هز رأسه . وابتسم .
عدت مرة أخرى بعد تردد لمتابعة حوض السمك الممل .. لم يكن الوضع قد تغير كثيراً .. كان السمك لا يزال يفعل اللا شيء المعتاد . عندما سمعت صوت هاتفه المحمول _المتقدم جداً_ شعرت أن هناك خدعة في مكان ما .. كانت أغنية (عايشة) للشاب خالد .. لا يمكن الخطأ في هذا لأنها كانت احدى اغنياتي الأهم ، ولأن مفردة (عايشة) واضحة تماماً ..
ابتسمت ، قلت في سري : يا بن اللذينة .. وصلت لها إزاي دي ؟ .. وقلت له : " عايشة .. شاب خالد "
وهو ضحك وكأنني ألقيت نكتة رهيبة ، وهو يمسك هاتفه .. وقال : "عايشة .. نعم " , أجاب على الهاتف ، متجاهلاً نظراتي الفضولية .. لم أفهم شيئاً بطبيعة الحال ، لكنه كان مبتسماً ابتسامة عريضة للغاية وهو يتكلم بسرعة ، ضاغطاً على حروف كلماته بشدة .. وهو ينظر في ساعته كلما أنهى جملة ، ومتفحصاً الأجهزة بنظره كل عدة ثوان .. لكن الإبتسامة لم تغادره ولو للحظة .. انهى مكالمته ، ونظر لي ، وبلا مقدمات قال : "عايشة" .. كنت قد بدأت أفهم .. ابتسمت وقلت في سري :" الله يسهلك يا سيدي " .. ابتسم مرة أخرى وبدا مستمتعاً جداً بالحياة ..استرخى في جلسته .. ماداً قدميه حتى وصلت لحافة الطاولة ، استند بأطراف أصابع قدميه عليها ، و استعادت جلسته هدوءها بعد قليل .. نظر للسمك وقال لي : " ليس طبيعياً " .. قالها بعربية شنيعة .. لم أفهم .. منذ لحظات قال أنه جليل ، وعظيم..
قلت : " جليل ؟ " .. هز رأسه ، فقلت بسرعة : " عظيم ؟" .. هز رأسه نافياً مرة أخرى ..
"مجنون وربنا " .. قلت لنفسي .. وابتسمت في وجهه .
لم أنتبه لمرور الوقت إلا لحظة القيام الجماعي للسرب .. فجأة أصبح مقهى الإنترنت الواسع ، شبة صحراء إلا من الأقلية المصريين الذين تناثروا في أجهزة متباعدة ..
قبل أن يتجهوا للدفع ، اتجهوا جميعاً ناحيته ، مشاهدة السرب شيء، والإقتراب منه إلى هذه الدرجة شيء آخر تماماً .. كنت وسطهم تماماً ، وهم يحادثونه من مختلف الزوايا ، متفرقين حولي ، ومحتمين بحاجز اللغة .. تشاغلت بالنظر لحوض الأسماك العتيد ، وأنا أختلس النظر له ، بتعتبيرات وجهه الغريبة ، التي بدا واضحاً أنها لا تتفق مع جدية محدثيه .. كانت السمكة السوداء قابعة في أرض الحوض ، ملتصقة بالصخور الصناعية تماماً ، تأملت السمك الآخر ، وتساءلت عن السبب الذي يمنعهم من تكوين سرب في الحوض .. بالتأكيد مع ذاكرة الأسماك التي تبلغ خمس ثوان لا غير ، لا يعرفون حقيقة أنهم في حوض أصلاً ، هل هي مسألة عدد مثلاً ؟ .. حولت رأسي عن الحوض إلى وجهه الذي كان لا يزال على حاله .. كرر كلمة "عايشة" أربع مرات وسط كلامه ، وهم بدأوا في التفرق .. اتجهوا جميعاً ناحية الرجل ، وأخرجوا نفس المبلغ بتكرار يثير الإعجاب .. نظرت لرفيقي الذي كان ينظر إلى أصابع قدميع . وقلت له بصوت غير مسموع : " وأنت مش هتنتشروا ؟ " .. ولكنه سمعني فيما يبدو .. أو لم يفعل .. هو فقط أكتفى بالنظر لي ، ومط شفتيه قائلاً : " عايشة " .. بادلته النظر لفترة ، ثم هززت رأسي قائلاً له : "مجنون وربنا " .. وابتسمت في وجهه .

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

بقالهم خمستاشر جولة يا باشا بيدغدغوا بعض


_ هو إيه اللي حصل ؟
_ المتش خلص ..
_ ماتش إيه اللي خلص ؟ أمال فين القاضية ؟
_ ما هو .. مفيش قاضية
_ وإزاي البطل بيكسب من غير قاضية ؟
_ ما هو البطل مش هيكسب
_ وإزاي البطل بيخسر ؟

">

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

فيلم فرنسي قديم


عزيزتي العزيزة :

دون خوف من السقوط في فخ التعميم .. وهو فخ شديد الخطورة ، يمكن أن يؤدي إلى إنهيار فرضية كاملة , مكتملة المعالم ، بكل بساطة لو تم اكتشاف هشاشة الأساس الذي ترتفع بفضله . ودون أدنى قلق من الوقوع في فخ التحذلق اللطيف ، وهذا الفخ مشكلته الوحيدة إن المتحذلق لا يلاحظ أبداً أنه كذلك .. يمكنني أن أشرح لك في ثلاث ساعات علاقة فيلم رد قلبي بمقررات الثانوية العامة ، ولكنني هنا أخاطر أن تشعري في أي لحظة أنني متحذلق ، والصفة هذه من المستحيل تقبل أي شيء من أي شخص يحملها ..
محاولاً ألا أخاف ، يمكنني يا عزيزتي أن أقول بكل بساطة أن البشر على وجه الكرة الأرضية يمكن تقسيمهم إلى قسمين ، واحد يتبع القائمة الأولى ، وآخر يتبع القائمة الثانية .. إذن و بغض النظر عن ما يتم تقسيمهم على أساسه ، لا يوجد من يقف وحيداً بصدره في المنتصف ، ويسمي نفسه في معسكر الوسط . ربما تخمنين الآن سبب كرهي للسادات . الحالة الوسطي هي سخف مقام على الأرض بأيد بني البشر . وهو فساد في البر وفي البحر أن نكذب على الأطفال الصغار الأبرياء ، قائلين لهم أن يكونوا في حالهم وأن يقفوا لا مع هذا ولا ذاك .. بهذا نرتكب جريمة في حقهم ، لأن ومهما كان شخص المنتصر أو نوعه ، أو آراءه في الحياة ، سيقوم بضربهم على قفاهم .. والألعن أنهم ، وللأبد سيشعرون بالظلم ، لأنهم لم ينتموا للمعسكر الخاسر ، وهذا هو المبرر الوحيد بالنسبة لهم (وهذا صحيح نسبياً بصراحة) لكي يضربوا على القفا ، لكنهم يتجاهلون حقيقة أنهم لا ينتمون إلى المنتصر أو المنتصرين ، وبهذا يصبح من حقه أو من حقهم أن يعلّموا عليهم . ميزة المهزوم في هذه الحالة الوحيدة ، هو أنه البني آدم الوحيد الذي يخسر كرامته ، وهو يعرف تماماً لماذا ..

عزيزتي العزيزة :
اعذريني لو انسقت خلف دماغي ، واعذري الكلام الذي يبتعد بي تماماً عمّا أريد قوله تحديداً ..
ما كنت أود قوله ، هو أن البشر يتم تقسيمهم إلى فئتين على الدوام .. مثلاً :
هناك من يربون الظفر الأصغر في أيديهم ،يمثلون القسم الأول ، ومن لا يربون الظفر الأصغر معنا على الناحية الأخرى ..
يمكننا تعقيد الأمر قليلاً ، نتيجة تساؤل بشري مشروع ، عن اليد ، إن كانت يمنى أم يسرى ، وهو تساؤل مشروع تماماً كما أوضحت لك ِ ، حسناً سنقول أن البشر يمكن تقسيمهم كالتالي :
هناك من يربون أظافر أيديهم ولنبتكر لهم أي أسم .. ربما يكون فريق الصقور مثلاً .. وتحت هذا العنوان الكبير سنضع عنوانين فرعيين : ونضع علامة على اليد التي يتم تربيه الظفر فيها .. وهناك على الناحية الأخرى من لايربون أظافر أيديهم ، ولنعطهم أسم الرائعون كعنوان كبير ، وهناك كذلك عنوانين فرعيين يختصان باليد التي يتم ارتكاب هذه الجريمة فيها .
ما رأيك الآن ؟ .. وجهه نظري تثبت نفسها : لا يوجد من يقبع في المنتصف .. انت إما تفعل أو لا تفعل . وببساطة لا يمكن الكتابة على الخط الفاصل بين طرفي المقارنة حتى لو أراد شخص ما أن يقبع في المنتصف .
سأتوقف الآن عن استخدام الأمثلة ، وسأقول الفكرة التي كان لابد من قول كل هذا الكلام للوصول لها ، وادخل في الموضوع مباشرة ودون تأخير .. حسناً .. كنت أقول أن البشر دوماً يمكن تقسيمهم إلى فئتين :
هناك من ينفجرون حين يتم استفزازهم .. يطلقون عليهم كذلك العصبيين ، وإن كان لفظ العصبي لا يعبر تماماً عن هؤلاء الأشخاص ، فيظل التعبير منقوص المعنى ، العصبي هو شخص تكون كل انفعالاته على درجة واحدة من الحدة .. في كل مرة سينفجر نفس الانفجار لو تعرض لنفس المؤثر الذي جعله يطلق العنان لإنفعالاته .. وهذا الشخص لا ينتمي للمقارنة التي أخبرك عنها . يمكننا نسيانه .
الأشخاص ذوي القابلية للإستفزاز هم من أتحدث عنهم .. وهم الذين يمكن أن تلتقط أسماعهم كلمة معينة فيبتسمون استحساناً لها ، وقد يستمعون لنفس الكلمة ، بنفس الحالة المزاجية السابقة ، ولكن الإختلاف الوحيد سيكون في طريقة قول الكلمة مثلاً ، أو _أنهم وياللصدفة !_ تذكروا شيئاً سخيفاً مرتبطاً بطريقة قول الجملة ، فيحدث انفجار كوني يشابه الإنفجار الكبير في بداية خلق الكون ..
هم غير عقلانيين ، لا ترتبط حالاتهم المزاجية بأي شيء له علاقة بالمنطق ، الحقيقة أنهم نقيض المنطق بكل أشكاله .. والحقيقة أنني أنتمي لهذه القائمة البديعة .. بصراحة أكثر ، لو أننا كونّا _معشر القابلين للإسفزاز _ مملكة مستقلاً نسكن نحن فيه فقط .. وجاء علينا هجوم المغول الذي لا يبقي ولا يذر ، وبعث المغول برسالة تهديدية يحملها رسول ملكهم .. وكانت مملكتنا المستقلة بلا رئيس (لأسباب سأحكي لك عنها فيما بعد) ، وسألنا رسول المغول بعربية ركيكة عن الشخص الذي يمكنهم _كمغول_ أن يتحدثوا معه ، وبدأ الجمع ينظرون إلى بعضهم البعض ، وإلى كرسي العرش الخالي تماماً من أي ملك (لأسباب سأحكي لك عنها فيما بعد) ، سأكون أنا من سيتقدم وسط الجمع لأقول للمغولي أن بإمكانه التحدث معي كملك ، ولن ينبس أحد من الجالسين بكلمة .. ليس لأنهم لا يريدون أن يكونوا ملوكاً ، ولكن لأنهم يعرفون أنني سأنفجر في الشخص الذي سيجرؤ على قول شيء مماثل ، أو أن يبدي تشكيكاً ولو ضئيلاً في صلاحيتي .. نعم .. وأكثر من ذلك بصراحة .. في الواقع أنا التعبير الإنساني الذي يمشي على الأرض للمثل الشعبي : "خدوهم بالصوت ليغلبوكوا" . أنا التجسيد الحقيقي لسيطرة جذع المخ على القشرة المخية نفسها ، انفعالاتي لا علاقة لها بأي سيطرة للإنسان على ذاته ، انفعالاتي هي سيطرة للبدائية بداخلي على التحضر الذي يتوارى في هذه اللحظات .. في أغلب اللحظات لو شئتِ الدقة . ولو كان جميع البشر يتحكم فيهم جذع أمخاخهم فقط في اللحظات التي تستدعي ذلك ، كرد الفعل المنعكس مثلاً ، الذي يظهر في لحظات معينة ، لا تحتمل انتظار القشرة المخية للتفكير فيها ، كإغماض العين مثلاً حين يتجه شيء ناحيتها سريعاً ، أو كما يلتفت الجسم كله حين يدوي صوت شديد العلو ، كنوع من محاولة الإنتباه لخطر قد يأتي من هذه الناحية ، وكلها أفعال تدافع عن وجود الكائن الحي .
وهو ما قد يعني أنني شديد الهشاشة أدافع عن نفسي ضد كل شيء ، لأن جذع مخي الفاضل لا يعترف بقشرتي ككيان قادر على الدفاع . وهو شيء ربما يكون صحيحاً ، لولا أنني سأكره نفسي جداً لو كان صحيحاً ، لهذا سأتجاهل كل هذا الكلام . وأطلب منك فعل المثل .
أنا ، بإختصار إذن ، أعيش برد فعلي المنعكس الذي قد تسيطر عليه قشرة دماغي أحيانا ً قليلة . وهو شيء لا أحبه ولا أكرهه ، هو شيء خلقت به .
كل هذا الكلام ، هو نوع من التقديم ، للكلام الذي أود قوله ، و هو ما يجعلك تخمنين أنني فعلاً خائف مما سأقوله ، لهذا أسلك أصعب الطرق إلى هذا .
بإختصار إذن .. ما حدث ، هو كالتالي :
كنت أنتِ في حالة شديدة السوء ، وكنت أنا كطفل أضاع أمه في سوق الخضار .. كل الموجودات حولي ، فجأة تتحول إلى أشباح مستعدة لإلتهامي في اللحظة التي أغمض عيني فيها .. وأغفل عنها ..
في هذه اللحظات التي تذهبين فيها إلى أرض الأشباح ، وكلمة أرض الأشباح هذه ليست من قبيل المبالغة ، أنا أكاد أرى المكان الذي تتجولين فيه في تلك اللحظات ، ومدى الرعب الذي تستشعرينه هناك . كلنا يملك أرض أشباحه الخاصة ، لكن أرضك أنت في دماغك ِ ، تحملينها معكِ طيلة الوقت ، ويبدو مجرد محاولة إبعادك عنها في الأوقات التي تكونين فيها من قبيل الأمنيات الطيبة .. لطيفة لكنها بلا تأثير ..
أردت أن أقول شيئاً ما .. شيئاً كنت شبة متأكداً من كونه ملطف عام ، ستضحكين ربما ، ستفكرين قليلاً وتقولين شيئاً شديد الروعة ، أو ستصمتين مفكرة فيه للحظات .. أي أنك في كل الحالات ستخرجين للتنفس الحر ولو قليلاً .
لكن كل هذا لم يحدث .. رد الفعل لم يكن ما توقعته ، رد الفعل كان مهيناً بعض الشيء : طلبت مني الصمت أو قول شيء مفيد .
سأوقف المشهد هنا لفترة لأتحدث قليلاًَ ..
سأحكي فقط قطعة من التاريخ حدثت منذ فترة ليست بالبعيدة .. ها أنا ممسك بسماعة التليفون ، أحادث صديقاً ، في موضوع لا يهم كثيراً أن نتذكره .. وها هو المشهد المعتاد الذي لم يعد يثير الدهشة : أبدأ في الإنفعال ، وتخرج مني الكلمات مزدحمة ، وكأنها تهرب بالمعنى الحرفي من الجحيم الذي بدأ في الإشتعال .. وهو لم يكن ذكياً ليدرك أن الانحناء حتى تمر العاصفة أمر شديد الفعالية للنجاة بحياته .. هو كان غبياً بعض الشيء ليطلب مني الآتي :
1) أن أحترم نفسي
2) أن أعرف جيداً أنني لا أكلم طفلاً في الحضانة
3) أنه لا يقبل مني هذا الأسلوب مطلقاً
وأنا في الحقيقة لم أستمع إلا لأول طلبين ونصف .. بمعنى أن أذنى لم تلتقط ما بعد كلمة ( يقبل ) ، وهذا حدث لسبب وجية ، أنني أغلقت الهاتف .. وضعت السماعة في مكانها مغلقاً الخط .
ما حدث بعدها أنه ملأ الدنيا صراخاً ، وحدثت عدة محاولات للصلح كانت مشكلتها الوحيدة أنني لم أكن مهتماً أصلاً بأي شيء ..
لماذا لا نقول الأمر بصيغته الحقيقة بدلاً من البحث عن الكلمات ؟
لو أن الأمر كله كان سينتهي بأن أقول له كلمة : "آسف" وهي كلمة تتكون من ثلاث حروف ونقطة ومد ألف ، وتستغرف أجزاء من الثانية لنطقها ، وكان هذا سيحل كل شيء ، ويجعل طيور الخير التي تسعى بيننا تعود إلى أعشاشها سعيدة .. فأنا لن أقول أي شيء .
سؤال استنكاري : هل ستتغير حالتك المزاجية لو زالت من كوكب المريخ جميع مرتفعاته الصخرية ؟ .. هل كنت تعرفين أصلاً أن كوكب المريخ عنده مرتفعات صخرية ؟ هل تهتمين أصلاً بالحالة المزاجية لكوكب المريخ ، وما إن كان مستريحاً في حياته أم لا ؟ هذا هو الأمر بالظبط .. ما حدث كله ، جعلني أدرك أن هناك _ياللعجب_مرتفعات صخرية في كوكب المريخ .. ولكن الخطوة التالية والتي تقتضي أن أهتم وأنفعل وأشياء من هذا القبيل ، هي أمور تحتاج لأن يكون المريخ في مجالي الكوكبي ، وهو أمر حدث منذ فترة بأقصى صورة منذ ستين ألف سنة وتخيلي أنه سيتكرر بعد مئتين وتسع وسبعين سنة .. وما يحدث أننا يمكننا رؤيته فقط . فقط أن نراه جيداً .
قد يبدو هذا متناقضاً مع سهولة الإستفزاز التي تحدثت عنها ، أنا لا أهتم بالكوكب صحيح ، لكنني كذلك ، لن أسمح لكوكب المريخ أن يبعث سكانه لكي يلعبوا في دماغي .
ملخص كل هذا الكلام : فليحيا جذع المخ . ولتتوار القشرة المخية ، لأن لا مكان لها .
فلنعد الآن للحظة الأصلية :
أنا سمعت ما تقولين وشعرت بالإهانة ، وأن ما حدث هو قفا معنوي شديد القوة ، له صوت كذلك .
ما "يفترض" به الحدوث الآن هو التالي :
سينتفض جذع المخ للإهانة ، سيصرخ كطرزان وسط الأشجار .. وينتفض مرسلاً سيلاً من الكهرباء إلى لساني ، وسيلاً مماثل التردد ، أشد في القوة إلى حنجرتي ، محركة أوتاري الصوتية . ولساني سيتحرك لكي يترجم صرخة جذع مخي إلى ترددات صوتية صادرة أساساً من الحنجرة ، وأنا يفترض أن أبدأ بقول كلام لا أميزه شخصياً ، عن أنني لا أقبل هذا ، وأن كلامي لا يمكن أن يتم معاملته بهذا الإستخفاف ، وأنني لا يمكن أن أسمح لأي شخص حتى لو كنتِ أنتِ (وهي جملة تبدو جميلة فعلاً) بأن يتعامل معي بهذا الشكل .
ولكن على أرض الواقع ، وبإستخدام الفعل الماضي ، فما "حدث" هو التالي :
كاد جذع المخ أن ينتفض لما يتصور أنه إهانة ، وأن يصرخ كطرزان وسط الأشجار ، وبدأ فعلاً في إرسال سيل من الكهرباء العصبية إلى اللسان ، واللسان بدأ في التحرك ، منتظراً فقط اللحظات التي تلزم عضلات التحدث في الإنقباض مفسحة المجال أمامه ، وأن ينفتح الفم مسافة تكفي ليخرج الصوت / الصراخ ، وأن تنتهي الأوتار من الإهتزاز الكامل .
لكن التصرف الذي فعله جذع المخ كان عكس كل هذا .. رد فعلي المنعكس يا عزيزتي ، كان أن أمسك اللسان ، ومنع أي سيالة عصبية بسيطة من الخروج .. طرزان إذن تصرف دون أهم أسلحته ، وتعلم أن عنده عضلات قد تكون أهم كثيراً من صوته . جذع مخي للمرة الأولى في حياتي ، تنحى .. مفسحاً المجال أمام القشرة المخية التي تسلمت الأمور ، مندهشة بالتأكيد ، ومنتظرة أن يعود الجذع في رأيه .. لكنه لم يفعل . وابتعد تماماً حتى اطمأنت إلى موقعها كمتحكمة تامة .
ما حدث في هذه الأثناء أنني فكرت في أنك الآن تعانين ، وأن الله لم يبعث بي لكي أكون فقرة جديدة من فقرات المعاناة والإيذاء ، وأنني _ببساطة _ لا أريد أن يحدث هذا .
ما حدث أنني أشفقت عليكِ من نفسي . وأشفقت على نفسي من إيذاء من لا يملك زمام نفسه . فابتسمت ، واعتذرت . رغم وجود أدلة يسهل توثيقها لإثبات حقيقة أني لم أخطأ لأعتذر ، ورغم أن هذا النوع من الإبتسامات اللطيفة _في نفس الوقت _ تناسب أكثر مشهداً من فيلم فرنسي قديم . والتي يتصادف أنني لم أكن يوماً ممن يهوونها .


المتابعون