الأحد، 11 مارس 2012

إني آنست ناراً


لم أكن طفلاً لين المعشر بشكل عام، في بدايات محاولة أبويّ تعليمي الصلاة بشكل منتظم، والتي كنت أقاومها بشراسة، وجدت الفرصة لسؤال جدي لأمي، الذي كان أزهرياً متديناً بشكل مفرط، عن السبب الذي يجعل كل الناس واثقين فعلاً من وجود الله، في حين أن أحداً لم يره يوماً..
كنا جالسين في شرفة البيت، هو ترك الكرسي كالعادة، وفرش سجادة الصلاة التي احتفظ بها منذ أن صلّى عليها أثناء الحج، وأنا اتجول على قدمي ذهاباً وإياباً، اسند ظهري قليلاً على الحائط واقول له: سيدنا موسى شاف ربنا.. 
يهز رأسه نافياً، يكرر لي أن أحداً لم ير الله فعلاً. كان أشعرياً، وبالتالي كان يؤمن بأن الله لم يظهر لسيدنا محمد حتى في الاسراء والمعراج.. 
ابتسم، قال لي أن سيدنا موسى أراد أن يشاهد الله جهرة، فقال له الله أن ينظر إلى الجبل، إذا احتمل تجلي الله، فسيظهر لموسى، وهو ما لم يحدث، تحول الجبل إلى تراب، بمجرد التجلى، والتجلي أقل درجة من الظهور حتى.. لكن الجبل لم يحتمل هذا، أصبح هشاً تقدر نسمة هواء على تفتيته قال لي هذا بإشفاق، حتى في هذه السن، ميزت نبرة الاشفاق هذه. قلت له أنني لا أفهم أي شيء.. تنهد وقال لي أنه أيضاً لا يفهم شيئاً.. حتى التجلي لموسى، أو طمأنة قلب إبراهيم، كانا لأنبياء، ونحن لسنا إلا مجموعة من البشر الذين لا وزن لهم.. 

في محمد محمود، ووسط الضرب، كان هناك ذلك الرجل.. لا أعرف إن كان مجذوباً أم درويشاً، 
أم أنه أساساً خيل إلي من فرط رعبي،
 لحيته الطويلة كانت ترجح كفة مجاذيب السيدة، لكن ملابسه، وهيئته التي استطعت تمييزها وسط الظلام كانت تقول إنه واعٍ تماماً  .. لكنني رأيته وسط الشارع، والرصاص يشق الهواء أسرع من جملة " خد بالك" التي نملك ترفها حين نتعامل مع الغاز، وتصبح عبثاً حين يبدأ الرصاص، رأيته وسط كل هذا يسجد، وسط الشارع بالظبط، وأنا شعرت أنني أتحول لترابٍ وأنني سأتهاوي لو مستني الريح كجبل موسى.. 


الأربعاء، 1 فبراير 2012

ورقة بحثية عن مخاطر إدمان الغاز المسيّل للدموع



أيامها كان كل ما يسيطر على تفكيري أنني سأجد فريد محمولاً بهرجلة، ثم مُرمياً على الأرض، ثم مطلوباً مني أن أعاينه، وأنني سأقف متسمراً، دون ان أتحرك خطوة. الأفلام الهندية لا يجب السخرية منها أو اتهامها بعدم الواقعية أبداً. تعلمت أنني لن أسخر من أي قصة مهما بدت مفتعلة، لن أتهكم على حكاية الولد الذي توقف عن تدخين الحشيش، ثم ذهب للمسجد ليصلي فمات وعلى وجهه ابتسامة التقوى.

لم يكن فريد هو الأكثر رعونة بيننا، لم يكن الوحيد الذي اقلق عليه كذلك، لكنه كان الوحيد الذي يقلقني بتصرفاته أكثر من الجميع، كان الأكثر تحليقاً بدماغه، وبشكل لا يتضمن أي افتعال كمحاولة لتشجيع نفسه أو الآخرين، كان يفعل هذا لأنه يفعل هذا في المعتاد، وغالباً لم يكن يرى سبباً لتغيير عاداته. لم أسمع عن بني آدم بكامل عقله دخل الخطوط الأولى لأي مواجهة في الدنيا، وتحديداً تلك التي تتضمن الغاز المسيل للدموع، مشعلاً سيجارته ! هذا يفوق حتى التصور العادي عمّا يفعله الأبطال، ساعتها لم أستطع تحديد هل هو أبله فعلاً لا يعرف الخطر الذي يواجهه، أو صوفي مؤمن بشكل يتجاوز التصور؟ أو حتى مدمن أدرينالين، كل هذه الأشياء كانت تقلقني أكثر فأكثر.
لكنني الآن أعرف أنه كان يتعامل مع الأمر على أساس أنه سبب للانبساط، شيء يفعل به ما يقوله في كلامه المعتاد مع أصدقائه.

واقفين على العشب، في الحديقة التي تقع أمام صيدلية ملاك، عدت منذ لحظات من المستشفى، أستريح قليلاً، وأفكر في النوم بعض الوقت، وفريد يقوم من رقدته، منهياً فترة الراحة، عائداً إلى ولاد الوسخة، أتابع ببصري فريد وهو يعدّل هندامه بهدوء وتأن، كالمقبل على مقابلة مهمة، يخرج الآيس كاب من جيب الجاكيت، ويدخل يده فيه برويّة ليعدل من وضعه بعد تجعّده في الجيب، لا يجب أن يكون الآيس كاب مجعداً طبعاً، هذه من الأمور الأساسية، خاصة عندما تواجه رصاص الداخلية، بعدها يأتي دور الكوفية التي يرتديها بهدوء شديد، ويعدل وضعها لا على وجهه كما يفعل الثوار السيس، بل على رقبته ككمال الشنّاوي في شبابه، يقول بصوت متوسط:"تمام كدا"، يمد يده إلى جيب الجاكيت الآخر، ويخرج علبة سجائره المعدنية.. لا يسحب فريد سجائره من علبة سجائر ورق كما يفعل المدخنون السيس، بل يقوم بتفريغ السجائر من العلبة الورق إلى العلبة المعدنية التي يحملها معه دائماً، غالباً يفعل هذا لأنه لا يحب صورة الرئة المشوهة، أو القدم المصابة بالجذام على العلبة، فريد لا يخاف على صحته وإلا لكان توقف عن التدخين، لكنه لا يحب القرف غالباً، يشعل سيجارته الكولوباطرا، ويضيق عينيه وهو ينفث دخان أول نفس بإستمتاع، ثم يقول بهدوء للواقفين والجالسين :"مش يالّا بقا؟"

** ** ** **

لا أحد يعرف بالتحديد كيف أصبح فريد صديقاً له، وبشكل عام كذلك، لا يعتبر أحد أن فريد صديقه.. على العكس، فريد "صديقنا"، نعتبره ملكيّة عامة، لنا جميعاً. وهو الذي دخل في حياتنا كذلك، بالطريقة التي أرادها هو، مقرراً شكل الصداقة هذه منذ أول لحظة. في يونيو 2011 كنت غالباً أفكر في الباطنة، أو في شيء يتعلق بالباطنة، أو في شيء أتمنى فعله لولا الباطنة، عندما وجدت مستطيل المحادثة على الفيسبوك ينير بإسم فريد، الذي لم أكن أعرف عنه حينها إلا أن دماغه حلوة، وذوقه برنس، قال :"مساء الأنوار" ثم سألني عمّا أفعله مع جزارة البني آدمين التي أدرس فيها، ضحكت فعلاً من التعبير، ولم أندهش بعدها حين عرفت أن أمنية حياة فريد هي جثّة مصنوعة على يده.. ليس هذا مزاحاً بالمناسبة، وهذه هي المسخرة بالظبط..

في فترة ما، كان السؤال الأهم: "هو مين فريد إتش وهدان دا؟".. اذكر جيداً أن عدد من سألني هذا السؤال في يوم واحد تجاوز الخمسة.. نحن استيقظنا من النوم، فوجدنا فريد، الذي يتصرف بشكل يوحي به أنه يعرفنا جيداً، وأننا كذلك نعرفه بذات القدر. دون أن نشعر بكثير من الغرابة فيما نفعله، أو نفكر فيه مليّاً، أصبح فريد وسطنا بشكل طبيعي تماماً، كأن هذا مكانه الذي تركه قليلاً ثم عاد ليجده كما كان، كما يترك المرء حقيبته في مكان من المدرج، ليشتري كوباً من القهوة قبل المحاضرة، ثم يعود ليطالب بحقّه في هذا المكان، فنفسح له.

** ** ** **

ربما لأنه كان أكثر من يعرف ترددي ناحية ممارسة الطب بعد التخرج، قبل النوم، حوالي الساعة 12، استعداداً للاستيقاظ في الفجريّة، ميعاد ضرب الأمن المعتاد، سألني فريد وهو يعدل البطّانية الثانية التي فرشها على الأرض، "وإنت عامل إيه كدا"، هذه الجملة ربما تكون لازمة فريد الأهم، مفتاحه الأساسي لبدء أي حوار، قلت له أنني تمام، قال لي تمام، مدد على الأرض، وسند ظهره على النخلة، وانتظر حتى فعلت مثله ثم سألني بهدوء وكأنه يكمل حوارنا الممتدد، "وإنت ناوي تكمّل في طب بقا"..قال لي هذا وكأنه يقرر أمراً واقعاً، لا سؤالاً ينتظر مني إجابته، هززت رأسي بلا معنى وأنا ابتسم بخجل وكأنه من العيب أن يقول لي هذا قبل أن أحكي له هذا بنفسي.

يوماً ما، لا أذكر بالظبط المناسبة، قال لي فريد وهو يبتسم مليء شدقيه كالعادة :"ربّك بيسترها مع الخائفين"، وأنا اعتبرها الآن واحدة من أجمل الجمل التي سمعتها في حياتي، والتي لم أفهمها إلا متأخراً، الخوف عامل مهم نستحق به شفقة الله. لأننا خائفون مما سيحدث لنا، فغالباً لن يوقعه بنا، رحيمٌ فيما يتعلق بهذه النقطة.

** ** ** **

أناقش مع فريد مواضيعاً فلسفية ممتعة غالباً قرب الفجر، يكون كل الخلق قد ناموا، والفيس بوك ممل كالعادة، عندها أزوره أو يزورني، مصطحباً معي الـ"إصطباحة" التي سنتقاسمها، أو حين يعثر هو على بضاعة تستوجب القسمة على اتنين، لا يجب أن يمسك أي شخص السلك العريان وحيداً، لابد من نديم للشراب، فريد هو نديم شرابي في المعتاد، لا تكتمل الاصطباحة، إلا لو وصلت ليديه كذلك، أو السؤال الذي سيسأله واحد منا للآخر، بداية من سبب تعفّن جثث البني آدمين، وبم تفسر القانون الذي ينص أن كل اللبنانيّات مزز ثم تحطيم التساؤل نفسه: ومن قال أصلاً أن كل اللبنانيّات مزز؟ إشاعات.. والعودة للأصل: سيبك، المصرية تكسب، خفة الدم أعلى من السيليكون،  سؤال عابر ثابت ممتد منذ قرون عن السبب الذي يجعل من الصعب قتل مونيكا بيلوتشي لأنه حرام يكون حدّ جميل بهذا الشكل. ثم سؤال بعدها مباشرة عن جثّة مونيكا بيلوتشي بعدما تتعفن، هل ستتعفن؟ أقول له أن جثث الشهداء وحدها هي التي تحتفظ بحالتها، ثم ننتبه معاً لجملة : "الشهيدة مونيكا بيلوتشي"، فنضحك،

نقطع الكلام حين يقوم واحد منا لتدخين سيجارة في السريع، أو حين يجب النوم. لا أعتقد أنني قلت هذا لفريد يوماً ما، لكن فؤاد حدّاد يوماً ما كتب قصيدة من قصائد المسحراتي، غنّاها الشيخ سيّد مكاوي، صاحب البهججة كما نسميه، يقول فيها:"وأنا المغني، ولجل إنّي، يدوم شبابي، ينقص منابي، من السنابل، لكن مناب الأمل تمام".. يمكن للمرء أن يكتفي بهذا حين يتحدث عن فريد، لكنّه الغرور الذي يجعل المرء متوقعاً أنه سيقول المزيد في أي لحظة..

على أنني وأنا واقف في مستشفى/ مسجد عباد الرحمن، في فترات الراحة المختلسة وسط العكّ، تذكّرت أن الله سيسترها مع الخائفين، يكفي كل ما حدث، يكفي جداً،  لن يكون المُصاب غالباً أكبر من هذا، وابتسمت.




الاثنين، 16 يناير 2012

عن الأفيال الوردية

كانت هذه هي المرة الثالثة التي أهزه فيها ليستيقظ، في المرة الأولى ابتسمت محاولاً بعبثية تامة أن أعطف عليه وأنا ألمح وجهه المتململ، وعينه التي لم يفتحها أصلاً.. المرة الثانية تقلّب وكأنه في سرير بيتهم، لا نائماً في الشارع، فشعرت بالزهق، وأنني غير قادر على المواصلة هكذا، حتى لو أردت، والثالثة تمتم بكلام لم أفهمه، جعلني أغضب فعلاً، فأهزه بعنف أكبر وأقول له بصوتٍ عال: "اصحى بقا" .. 
وهو انتفض، بسرعة قام من مكانه ممسكاً العصا المعندية التي استلبها من جندي أمن مركزي منذ يوم وكان فخوراً بها كطفل يمسك لعبته الأثيرة.. ركض إلى خارج الحبل البائس الذي ارتجلناه كفاصل للمستشفى عن الشارع، ووقف صارخاً : "ها .. فين ؟ فين ؟ "
قلت له أن يهدأ، لا داع للفزع.. وكل شيء تمام، والأمن مستتب، وكل شيء تحت السيطرة، وأنا لازم أنام.. وهو لم يترك لي فرصة اكمال ما أقول، وهو يتحرك بهدوء إلى مكانه الذي تركه، اندس تحت الغطاء، محتضناً العصا، وأنا قلت بصوت مرتفع ليسمع :"الله يخرب بيت أمّك يا سيد"

** ** ** **

نظرت في ساعتي، كانت تقترب من الخامسة صباحاً، ومسألة ابقاء عيني مفتوحة بعد أربعة أيام من الاستيقاظ المتواصل، اصبحت مستحيلة..

بعين نصف مغمضة، بحثت عن الاستاذ عادل.. بدا من الصعب تمييزه وسط كل هذه الأجساد الممدة، والأغطية التي تخفي الوجوه في هذا الجو.. قدّرت مكانه، وهززته، استيقظ مباشرة بلا عناء، نظر لي بلا تركيز ثم قال : "خير يا دكتور؟"..قلت له أن سيد نائم حتى الآن، وأنا لم أنم منذ أربعة أيام، وسيد نام خمس ساعات ونحن قد اتفقنا أننا سنبدل الورديات كل خمس ساعات يا أستاذ عادل.. وأنني ربما أنام وأنا أكلمه أساساً..

بدا على وجهه الامتعاض، وقال لي : "مينفعش الكلام دا".. قلت له :"بالظبط".. فقال:"تهريج بجد.. المفروض هو نام كويس، كفاية عليه الخمس ساعات بتوعه، في غيره منمش.. وانت دكتور وملكش دعوة بالأمن أصلاً" ..هززت رأسي، بالظبط.. بالظبط.. هناك كذلك نقطة أنني لم أنم منذ أربعة أيام، وأنني بدأت أرى أفيالاً وردية وهذا خطر.. الرجل تحمّس، وبدأ صوته يعلو وهو يقول لي :"يعني الدينا هديت النهاردة ومحصلش ضرب لأول مرة من أربع أيام كلها طحن، وهو مستخسر فيك كام ساعة نوم" .. وأنا هززت رأسي بأسف، فهز رأسه بأسف، وقال لي :"طيب حاول معاه تاني" .. وبسرعة استلقى، ولفح الغطاء على وجهه، أنا نظرت له عاجزاً عن التفكير في رد مناسب لأني انشغلت بمحاولة ابقاء عيني مفتوحة بمجهود مستمر

** ** ** **

استيقظ سيد بعد أن لكمته في ذراعه.. صرخ، وقال لي :"أ*ا يا دكتور، ايه شغل العيال دا".. قلت له أنه استيقظ، مبروك، وأنني سأنام، الآن، وحالاً.. جررته من ذراعه، فوقف، واحتللت مكانه، شعرت أن عظام جسمي متكسرة فقط لمجرد أنني مددتها للمرة الأولى منذ أربعة أيام.. قلت لنفسي، أربعة أيام.. تذكر أنك واصلت لأربعة أيام.. قبل أن أفكر في شيء آخر، شعرت بجزء من الغطاء، يُسحب، وسيد مستلقٍ بجواري، وهو يقول لي: " سيب شوية من عندك يا دكتور".. وأنا نظرت له وقلت:"سيد.. على فكرة مش المفروض إننا ننام إحنا الإتنين، المفروض إنت تصحى دلوقتي وأنا انام".. وسيد نظر لي وكأنني اخرف وقال:" تفتكر لو أنا صحيت، وهمّا هجموا علينا، هحميكوا أنا يعني؟ " ثم اعتدل، وعلا صوته وقال :" والمصحف..شوف والمصحف؟ لو المشير بنفسه وقف فوق دماغي وأنا نايم، ما هصحى.. لا أنا ولا أنت هنعمل حاجة يا بني.. نام الله يكرمك".. وتركني ومدد.. بعدها بلحظات، علا صوت شخيره المنتظم..

وأنا نظرت لسيد، هرشت في رأسي قليلاً، وقلت له بصوت واضح :" الله يحرقك يا سيد" ثم شددت الغطاء على رأسي، ونمت..


الاثنين، 26 سبتمبر 2011

حسن الأسمر ليس في الكتب



في سن التاسعة، وبعد أن قمت بواحدة من أكبر الكوارث التي يمكن تخيلها في تاريخ طفولة أي كائن بشري، وبعد غضبة أسطورية من أبي تليق بكبير آلهة الأولميب، تسللت جدتي إلى الحجرة التي لجأت إليها بعد نهاية العاصفة.. القاعدة تنص على أن الجدات حكيمات إلا المريضات النفسيات منهن، جدتي كانت سليمة العقل حتى لحظة وفاتها، سليمة العقل أكثر من اللازم ربما..
كنت على سريري، ولم أكن أبكي، وهي عادة سأصطحبها معي فيما بعد، جلست بجواري وقالت لي انها ستقول لي ما يجب أن"أضعه حلقة في أذني".. أخذت نفساً عميقاً ثم قالت لي "قبل ما تعمل حاجة".. استدارت لي، ورفعت سبابتها في وجهي وهي تكرر :" أي حاجة "، ثم وهي تنظر في عيني هذه المرة: " أي أي أي حاجة .. شوف اذا كانت تستحق بلاويها ولا لأ"

في سن التاسعة، لم يكن ما فعلته، يستحق البلاوي التي تبعته..
كانت هذه طريقة في غاية الذكاء لرؤية الأمور، تجعل المرء يرى الأمور بحجمها الطبيعي، وتجعله يرى نفسه بحجمها الطبيعي والأهم يدرك جيداً عواقب ما يفعل، قبل الفعل نفسه..

** ** ** ** 

كنت طفلاً شديد الانطواء، انعزلت بعد فترة من الشقاوة المجنونة، تحديداً بعد التغريبة الأولى تجاة دولة من دول الخليج النفطية، واكتشفت أن هناك شيئاً ممتازاً يفعله الناس حين لا يجدون شيئاً آخر يفعلونه: القراءة، القراءة، والمزيد والمزيد والمزيد من القراءة، مللت سريعاً من برامج التلفزيون المحدودة في ذاك الوقت، وتزامن هذا مع اكتشافي المُدهش لنبيل فاروق، الذي مللته سريعاً هو الآخر حين اكتشفت أنه يكرر حبكاته بتناحة غير طبيعية، بعد 500 عدد تقريباً قررت ألا اقرأ لهذا البصمجي مرة أخرى، بغض النظر عن تعداد الكتب التي قرأتها، كنت قد قرأت كثيراً جداً جداً، وربما قررت حينها أنني أحكم بني آدم على وجه الكرة الأرضية، الأمر الذي دعا أبي لاطلاق لقب :"سقراط" عليّ دون عناء كبير، كان هذا هو نفس الوقت تقريباً حين سألني خالي بسخرية عما أقرؤه بالظبط، كنت جالساً باسترخاء وبين يديّ كتاب اقرؤه، كنت في مصر، الأجازة السنوية التي كنت أقضيها كاملة في البيت كطفل لا يحب الآخرين، لم أكن قد التقطت سخرية خالي من كل شيء، نبرته التي تقارب العبثية لم تكن بعد ضمن المفردات التي أضعها في اعتباري وأنا أتعامل معه، لهذا كانت سخريته بالنسبة لي أمراً ممقوتاً وبشدة.. صعبة الرد عليها لأنها شديدة الذكاء، وتضايقني بشدّة، لأنني كنت متخلفاً لأتعامل معها بجدّية مفرطة، كانت تمثّل شيئاً مربكاً بالنسبة لطفلٍ يعاني من متاعب في التواصل.

قلت لخالي أنني اقرأ كتاباً ما، فسألني أنه يعرف أنني اقرأ كتاباً ما، هو يسألني عن ماهية الكتاب نفسه.. لم أرد، فقال لي : "الأستاذ حسن الأسمر عندك؟" ..
لم أكن أعرف من هو الأستاذ حسن الأسمر بالظبط، عقدت حاجبي، وسألته من هو الأستاذ حسن الأسمر، فرسم على وجهه أفظع علامات الدهشة، وسألني وهو يهز رأسه: "إنت بجد.. بجد.. متعرفش الأستاذ حسن الأسمر؟".. أذكر جيداً القشعريرة التي انتابتني، اللعنة! .. أنا لا أعرف حسن الأسمر، الألعن: يبدو أنه مهم بشدّة لأعرفه، ويبدو عدم معرفته مدهشاً لهذه الدرجة.. قلت له أنني لا أعرف الأستاذ حسن الأسمر، بخجل قلت له أنني لا أعرفه، فرد علي باستهجان: "أمال بتقرا إيه في الكتب اللي معاك دي؟"..أشحت بنظري، فاستمر هو:"يابني إنت بتقرا كل الكتب، وسايب أهم كتاب" شعرت بالعار.. أنا بالظبط اقرأ كل مالا يهم قراءته. 

لم أستطع أن اسأل عن حسن الأسمر، لم أكن لأحتمل نظرة السخرية تلك مرة أخرى، كان الشعور قاسياً جداً واستمر معي لأيام، أنا اقرأ كل هذا، ولا أعرف حرفاً عن شيء رأيت في نظرة خالي عنه كل شيء. 

تركني خالي وحيداً اتخبّط، ولم أسمح لكرامتي بأن تتهشم مرة أخرى بسؤالي لأي شخص.. وقفت على حافة العلم، ونظرت لكل ما أعرفه، ووجدته ناقصاً.. 

في مكتبة دار المعارف بالأسكندرية، دخلت، ومباشرة، ذهبت إلى المسئول لأسأله السؤال الذي ادخرته بفخر للحظة مناسبة، وجمعت كل ما يمكن جمعه من أموال لتتويجه، سألته: "لو سمحت حضرتك، عندك كتاب الأستاذ حسن الأسمر؟".. الرجل نظر لي وقال لي غير قادر على الفهم:" نعم؟".. كررت بثبات:"كتاب الأستاذ حسن الأسمر.." الرجل هز رأسه تحسراً في الغالب على حال الأطفال قليلي التربية، وقال لي وهو يشيح بوجهه عنّي: "يلّا يا بني من هنا.." لم أفهم ما يحدث فسألته:" أنا معايا فلوس والله، وهشتري الكتاب".. بدا في صوت الرجل نفاذ الصبر وهو يقول :" يلّا يا بني من هنا بدل ما أضربك".. لم أفهم ما الذي يحدث بالظبط، فكرت أن الكتاب مهم لدرجة أنه لا يصلح لطفل.. خرجت من المكان مكسور الجناح، بعدها توقفت عن البحث.

انتهت المأساة الأغريقية بعدها بأربع سنوات، جالساً بهدوء اقرأ كتاباً ما ليوسف السباعي، الذي بدا مناسباً جداً لمرحلة المراهقة بمسدساتها وخيولها، وفتياتها المبهورات بالأبطال، والراقصات المغرمين بالشباب الوطني المتحمس، كنت اقرأ تاركاً التلفزيون كخلفية لطيفة،  برنامج السهرة في الغالب على القناة الثانية، حين قالت المذيعة، أننا الآن على موعد مع حسن الأسمر، وكتاب حياتي.. وأنا وقع قلبي في قدمي، لم تقل أنّها أغنية حتى، بخل العالم عليّ بهذه التحية الأخيرة، قالت أننا على موعد مع حسن الأسمر، وكتاب حياتي، هكذا بالظبط، تساءلت حتى عن السبب الذي يدعوهم لوضع برنامج الأستاذ حسن الأسمر، وسط برنامج هلس كهذا.. رفعت رأسي ببطء، وأنا أحس بثقل كل عضلة في رقبتي، إلى التلفزيون، الذي أظلم للحظات، ثم بدأ يعرض الأغنية التي سأشاهدها لأول مرة في حياتي. أهم أغنية شاهدتها في حياتي.. 



الجمعة، 23 سبتمبر 2011

طعم الماء



كل يومين ثلاثة، غالباً بعد منتصف الليل، وفي الوقت الذي أفعل فيه الأشياء الطبيعية التي يفعلها البشر بعد منتصف الليل، اقرأ مثلاً، أشاهد فيلماً ما، أذاكر شيئاً في كتاب يفترض أن أذاكر فيه، أو حتّى أحدّق في السقف، هوايتي الأصيلة، يحدث أن أشعر فجأة بعطش حارق، "فجأة" أعني بها: على حين غِرّة، على غفلة، دون اشارات مسبقة.

تقول الكتب أن الناس يشعرون بالعطش على مراحل، لا يشعر الإنسان أنه يريد أن يشرب لتراً من الماء إلا لو كان في صحراء الربع الخالي مثلاً، لكن الشعور بالعطش، غالباً ما يأتي على مراحل، تدريجياً، الرغبة في التبول كذلك. 
يعرف الجسم أنه يريد الشرب عبر عملية معقدة، فيها خرف كثير عن الهرمونات ومنسوب الضغط الأسموزي وخلافه، بالتدريج ينبّه الجسم صاحبه أن هناك نقصاً في الماء، بالتدريج وبشكل متصاعد، ثم  يصل في النهاية للاحتجاج، العطش.

أنا لا أشعر بأي من هذا، فقط أعرف شعوراً واحداً وهو العطش لاغير، أمضي أياماً بلا شرب ماءٍ، و فجأة أشعر بأنني أختنق.. الشوك في حلقي يضغط بلا هوادة على الجوانب، مجرد الكلام يصبح أمراً غير قابل للفهم. وعيني تحرقني بشكل غير مفهوم، في المرّات التي يحدث لي هذا، وأكون في المحاضرة أو أي مكان آخر يفترض أن استأذن قبل تركه، تكون المأساة، لأنني لا أفعل.. أقوم فعلاً من مكاني، وأخرج من الباب بكل هدوء، محاولاً الحفاظ على الجزء الباقي من كرامتي، وأجري بعدها بحثاً عن الماء لأشربه.. الماء وليس شيئاً آخر لا يروي، المشروبات الغازية تجعلني أكره حياتي في هذه اللحظات. كل هذه الفقاقيع والسكر والأحماض.

لكن الجيد في الأمر، ما يجعلني لا أكره ما يحدث هذا تماماً، أننيغالباً الوحيد على ظهر الكوكب، الذي يعرف جيداً أن للماء طعماً، أن له رائحة جميلة كذلك، لا يشعر بها إلا العطشان، طعمه يملأ فمي في هذه اللحظات التي أشربه فيها وأنا أكاد أموت من العطش.. بعد أن أشرب لأول مرة، ويغمر الماء حلقي، أنتظر قليلاً ثم أشرب ثانية، لا يمكن للنشوة أن تحصل على تعريف أدق. أشعر أنني سعيد. في هذه اللحظات، أملك الدنيا بحذافيرها.

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

لا أحد يقرأ موبي ديك

أريد فقط صباح الجمعة.. قبل الصلاة، في التاسعة صباحاً مثلاً، وقت اللهاث للحاق بالمواعيد الرسمية، يكون العالم خاملاً، هادئاً، كسولاً كقطٍ يلعق فراءه تحت الشمس.. 
في هذا الوقت تحديداً، كل شيء يصبح ممكناً.. لكن يوم السبت.. غداً سأحل كل المشاكل، واحل مشاكل أصدقائي أيضاَ لو تبقى وقت، ساتغلب على كل ما يعيق طريقي، وأذاكر، أشاهد الأفلام المهمة التي أريد مشاهدتها، واقرأ الكتب الضخمة التي ترقد في المكتبة يعلوها التراب، سأقرا موبي ديك، حتى لو كان كتاباً مملاً، سأنهيه في يومين. سأصير شخصاً أفضل، يوم السبت إن شاء الله..
أريد فقط فرصة للبدء من جديد، فما بين يديّ الآن، خَرِبٌ تماماً ولا جدوى منه.

الخميس، 15 سبتمبر 2011

اليد اليمنى، والقدم اليسرى


في الرابعة فجراً، اليوم، كنت جالساً على حافة النافذة، أشرب كوب قهوة سكّرها زائد، ومعها سيجارة أحاول قدر الإمكان ألا أنهيها بسرعة، لأنها الوحيدة.. نجحت مؤخراً في تقليص العدد، واصبحت اكتفي بواحدةٍ ادخنها باستمتاع شديد، وقلق بالغ من انتهاءها.. نافذة البيت في الطابق السادس، قدمي اليمنى داخل البيت، واليسرى معلقة في الفراغ.. كل فترة، غالباً مع كل نفضةٍ للرماد، انظر إلى الشارع، واذكر نفسي بالجملة ذاتها: المسافة بين قدمي اليسرى، وبين أسفلت الشارع كبيرة جداً. مع الاعتياد، توقفت عن الخوف، اصبح الأمر لطيفاً حتى، تحولت قدمي اليسرى بمثابة مزحة غير مفهومة إلا لي، الشيء الوحيد من جسدي الذي يقترب من الأرض ، الأرض يعني أسفلت الشارع، يعني الأرض الحقيقية، لا أرض البيت الأسمنتية البائسة.
 منذ ساعة تقريباً، كنت اقرأ في مجلة علمية ما، عن السيدة العجوز التي قامت بانشاء المحمية الأولى من نوعها لإنقاذ صغار الفيلة التي تعرض ذووها للصيد، بهدف الحصول على لحمهم، أو العاج، أو تعرضت هي نفسها للاعتداء لأن هناك بعض المهووسين أولاد الحرام يعتقدون في قدرات خارقة للحوم الفيلة حديثة الولادة..
كانت العجوز تحكي عن انثى الفيل الصغيرة : "عايشة".. التي انقذتها من الموت، ثم رعتها لعدة شهور، واضطرت لتركها لحضورحفل زفاف ابنتها.. ماتت "عايشة".. تحكي السيدة بمرارة، لأنها تعلقت كثيراً بها.. تحولت إلى الأم الثانية، وحين تركتها، ماتت من الحزن. عادت بعد شهرين لتجد الصغيرة قد ماتت. تقول بمرارة: " لا يجب أن يتعلق أحد بشيء ما لهذه الدرجة". قرأت الجملة، ودمعت عيناي.
تذكرت الجملة وأنا في منتصف السيجارة، وانتبهت حين لسعت أصابعي. افلتّها وشاهدت سقوطها الحر بحسرة حتى ارتطمت بالأرض.. الاتفاق اتفاق.. سيجارة واحدة في اليوم.
حاولت الانتحار وأنا ابلغ من العمر خمسة عشر عاماً.. لا استطيع تحديد ما اذا كانت محاولة جادة، أم مجرد تصريف هرمونات زائدة. لكني اتذكر شعوري واقفاً على قدميّ على ارتفاع 7 طوابق، ومصمماً على التنفيذ، حين خطرت ببالي أكثر الافكار بديهية في الدنيا، أنني لن أكون موجوداً لأعرف بالظبط ما الذي يشعر به المنتحر.. كان هذا مفزعاً. لم استطع فهم كيف يكون الشخص غير موجود. وكيف يكون غير موجود بارادته الحرة، هذا سخيف بشكل لا يصدق. لهذا قررت العدول، وفي طريقي للنزول، اختلت قدماي، وامسكت بالعمود الذي على يميني بكل قوتي، لدرجة أنني بعد أن تمالك انفاسي كنت غير قادر على اجبار يدي اليمنى على تركه. كانت لها ارادتها المستقلة وقررت التصرف بمعزل عن المعتوة الذي سيذهب بهم إلى داهية. ظللت هكذا وقتاً لا اذكره، حتى قررت يدي اليمنى أن تخفف قبضتها أخيراً. 
قررت أن الاتفاق لا يسري على نصف السيجارة، الاتفاق كان واحدة كاملة، نزلت بحذر، وشعرت بالبهجة حين لامست قدماي الأرض بسلام، ذهبت إلى المكتب، اشعلت سيجارة أخرى، وصارحت نفسي أنني خائف. 

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

عبر البحر، وإلى الشاطيء الآخر


كنت أكتب في مدونة أخرى منذ حوالي ست سنوات، وجدت حتى صعوبة في تذكر اسمها منذ قليل، لكن ما اذكره جيداً كان العاطفية المفرطة والواضحة في نفس الوقت في كل ما أكتبه..
قبل هذه الأيام المجيدة، وكمراهق عبيط، كسرت قلب فتاةٍ تصغرني بعام، النظرة المتفهمة لما حدث، تقول أن هذا لم يكن متعمّداً، لكن أشياء كهذه تحدث.. كما يحدث أن تسقط شرفة سليمة تماماً على مارٍ عابر بريء في شارع ما، فيموت. سواء أحببنا هذا أم كرهناه، أشياء كهذه تحدث طيلة الوقت. لا يجب على صاحب العمارة أن يشعر بالذنب تجاه الميت، سليم.. قل هذا لصاحب العمارة وهو يتأمل الجثة أمامه.
لم أتفهم هذا.. لم أستطع نزع فكرة أنني شخص دنيء من رأسي.. كنت أشعر بالذنب، بأن الله خلقني ليعذب بي عباده الطيبين، البؤساء، أنني الاختبار الذي يضعهم أمامه، وأنني الشرير الذي لم ينقذهم منه، ووضعهم في تجربة مباشرة معه.
لم تكن المدونة القديمة هذه وسيلة لأي شيء، سوى تنفيس غاضب عمّا يحدث لي طيلة اليوم، أخرج من الكلية، لأدخل إلى السايبر الذي يتوسط المسافة إلى البيت، وأكتب كلاماً يبدو لي لا بأس به، عن الكلية، عمّا أفعله هناك، عن الموسيقى التي تعجبني، والأفلام التى شاهدتها، عن الكتب، أكتب كلاماً أحاول فيه أن أقترب من الأدب كما أتصوره، صورة نجيب محفوظ الشهيرة تلح على خيالي، مبتسماً بفتور، ابسامته الأليفة تلك، ممسكاً بعصاه، والنظّارة الطبية تحجب نصف وجهه.
لم احتمل الشعور بالذنب، كان هاجساً مستمراً، بأنني دمّرت حياة انسان بشكل لا يقبل الاصلاح.. هذا الكلام الذي أعرف أنه خرف كبير الآن.. الآن للأسف وليس وقتها.. منذ كنت طفلاً وانا أتمنى أن تكون لديّ القدرة على معرفة ما سيكون. الغيب سيظل هو الهاجس الأهم بالنسبة لي. المهم أنني وكوسيلة للتخلص من هذا العبء، قررت أن أكتب في تدوينة ما نصّه أنني أعتذر.. وأنني أعرف إن امكانية قراءتها لهذا الكلام صفر كبير، لكنني على كل حالٍ، آسف، والله آسف.. كان هذا استدعاءاً للعبة القديمة كنت ألعبها مع أولاد عمتي على بحر اسكندرية، يكتب كلّ منا رسالة ما، ويضعها في زجاجة مياة غازية مسدودة بقطعة فلّين ويلقيها في البحر.. وباعتباري صاحب نظرة مبعدية، كنت أكتب ثلاث نسخ، على ثلاث ورقات، كل واحدة منها بلغة، العربية والانجليزية والايطالية التي يجيدها زوج عمّتي، والذي كنت انظر له باعتباره ساحراً..على اعتبار أن احتمال وصول الرسالة لإيطاليا ليس بعيداً جداً..
كانت في بلد أخرى في هذه الفترة، وكنت في مصر، وكانت كل المراسلات بيننا قد انقطعت، ولا يوجد بيننا أصدقاء مشتركون، ولم أكن أكتب بأسمي الحقيقي أصلاً وقتها، ولم تكن هناك وسيلة اتصال واحدة ممكنة. ورغم ذلك، حدث أنها عثرت على المدونة بصدفة ما، دوناً عن قرابة بليون صفحة ذات محتويً عربي على الانترنت، قرأت نصوصاً تعرفها، كانت قد قرأتها قديماً، ثم قرأت الاعتذار الموجه لها. 
وأنا الذي وقت كبرت قليلاً، كنت اعتبر نفسي طفلاً سخيفاً، حين أتوقع أن الرسالة قد تعبر البحر المتوسط لتصل ليد إيطالية على الشاطيء الآخر ..


الأحد، 28 أغسطس 2011

آخـر الخَـط




اسمع منّي فلا وقت، باق من الزمن أربع شهور ليكتمل الحول.. وأذكّرِك وأذكّر نفسي بالجملة المناسبة التي تتسق مع ختام مدهش كهذا : 
كل شيء سيكون على ما يرام ! قل الجملة لها قدر ما يستوجب القول ولا تملّ، قلها حتى تمّل وزِد فتتجسد أمامك وأمامها. 
لا تعبثوا بجروح قديمةٍ بمطواةٍ صدئة، لا يتصلن أحد بمن تركه، ولا يعتذرن أحد عمّا فعل، الاعتذار عبث. وإن كان لابد، فتذكرٌ وابتسامٌ طيب، وذِكر اسمٍ في دعاء ينفع. وادعوا لأمهاتكم وآبائكم مهما كان الألم المصاحب. 
وليمسكن الأحبة منكم بأيدي بعضهم على كوبري قصر النيل وإخوته الأشقاء من الكباري، دون خوف ولو لمرة. ومن استطاع منكم تقبيل فتاته، فليفعل. ومن لم يستطع، فليفعل. قبلة أولى كأنها أخيرة تجفلون منها كشهقات التنفس المؤلمة الأولى، والوقوع الأول عن دراجة أولاد عمّاتكم على مدخل الشارع. 
وليعلم من يعرفني منكم، أني سأكون جالساً معها على قهوة في الطريق، ليس فيها أحد إلا صدى صوتينا، نشرب الشاي المحلّى بالنعناع، ونضحك على خلق الله. 
واقرأوا فاتحة الكتاب ونجمه ومريمته ، وصلّوا صلاة مودِّع

الجمعة، 12 أغسطس 2011

الثالثة فجراً في الشارع

يعني مثلاً أن نكون واقفين على السلم، ننهي بقايا الحديث المقطوع بسبب اتصال أبي ، وطلبه مني العودة.. واقول بلا خجل أن أبي لا يزال حتى هذه اللحظة التي أبلغ فيها من العمر ما يربو على ربع قرن، لازال ينتظر عودتي كل ليلة لينام.. حتى لو كانت الساعة كما هي الآن، تتجاوز الثالثة فجراً.. 
فتضحك أنت وتقول لي أن اباك لا يسمح لك حتى هذه اللحظة التي تبلغ فيها ما يربو على الربع قرن، بالعودة في الثالثة فجراً أصلاً، وانت انهيت دراستك، وبدأت في العمل، فأضحك، وأقول أنني في الخارج حتى الثالثة فجراً لأني قلت أنني احتاج نسخة من كتابٍ للكلية على فلاشة.. وبعد الانتهاء من الدعابات التقليدية المكررة المعتادة _والمضحكة رغم كل هذا_ عن "نهين" و "نهون"، تدخل انت للبيت، لتحضر لي فلاشة، لا أفهم في البداية، فتقول أنها احتياطي لسؤال أبي عن الفلاشة، واستعيد مباشرة أجواء ثالثة اعدادي ودليل المذاكرة، قبل الخروج من البيت، وأضحك.. 
أشياء كهذه يا فريد.. أشياء كهذه .. 

الأحد، 31 يوليو 2011

كمّ مُهمل



اليوم الثلاثاء، انتظر الخميس، لأنام وأصحو في السبت قاتلاً الجمعة قبل تكوّنه، أصبحت محترفاً في تمرير الأيام، بالظبط كما يفعل مرضى الكلى بحصواتهم، بلا ألم، بلا عناء، أتبول يومي كل صباح بهدوء..

أوقن بأن كل ما نفعله.. كل هذا الصخب والعنف والقسوة والعجرفة والسخرية والتصارع والغباء، وكل الكلام، والشعر، والنثر، الغزل والتعفف واللمس المختلس، وكل المشاجرات المسائية والصباحية، وكل تمهيدات الشجار مهما اختلفت اشكالها، كل الخرف الذي يصبه سائق التاكسي، والجنون الذي أراه على وجوه الناس في الشارع، نفس جنون المراكز التجارية، والنهم في المطاعم، الابتسام المبالغ فيه حين التعرف على شخص جديد.. كل هذا فقط لنثبت للآخرين، أننا أحياء، مثلهم، ربما أكثر منهم.

المفاجأة ستكون في الغالب، أنهم موتى، غالباً أكثر منّا. وأن الأرض خالية إلا من رمل ناعم يغطّيها.

الاثنين، 25 يوليو 2011

الناس عمرها ما كانت مبسوطة

أعتقد_ والله أعلم_ أن البشرية فقدت ثلاثة أرباع تراثها، في اللحظة التي اكتشف فيها شخص يجلس أمام جهاز كومبيوتر، أن بإمكانه كتابة حرف هاءٍ متكرر، دون أن يضحك .

الاثنين، 18 يوليو 2011

إنهم يذاكرون الباطنة في التحرير

أيام التحرير الأولى، واحد صاحبي قرر الاعتصام في الميدان بمصاحبة مئتي وخمسين جنيهاً، يأكل منهم، ولحاف ثقيل، وكتاب باطنة.. لم نكن نعرف ميعاد الامتحان، حين اضطربت الأمور، وهو لم يكن قد فتح كتاباً بعد، وشعر بالفزع من فكرة أن تفشل الثورة، ويقرر "النظام" عودة الحياة لطبيعتها في اليوم التالي، فيدخل على امتحان لا يعرف عنه كلمة، لهذا قرر امساك العصا من المنتصف.. 

أيام التحرير الثانية، قابلت صديقاً لي بالصدفة، وعيني وقعت على كتاب الباطنة المألوف، رديء الطباعة، فاقع اللون والمحتوى، سألته عمّا يفعله بالكتاب هنا، فقال انه لم يستذكر كلمة لامتحان الأسبوع القادم، وأن هذا هو الحل الوحيد، سألته هل ذاكر إذن، فضحك وقال إن الأمل في وجه الكريم.. ما بين هتاف وهتاف، يجلس في خيمة ويقرأ كلمتين.  

دعك من التعريفات الأكاديمية، أن أنظر لأي كتاب باطنة الآن فأبتسم دون ارادة، رغماً عن الحقيقة العلمية التي تنص على أنني أكره حتى كل علامة ترقيم فيه، فهذا هو تعريف المجاز .


السبت، 16 يوليو 2011

خلال ثلاثة أيام، حلمت نفس الحلم ثلاث مرات. أكون ماشياً وحدي على كوبري مبهم التفاصيل، ولا أرى أمامي إلا شخصاً يقترب بنفس سرعتي في المشي، عندما يصبح بمحاذاتي يدير وجهه للناحية الأخرى، فلا أميز من ملامحه أي شيء، بعد تجاوزه بخطوات، أشعر باليد التي تدفعني من الخلف ناحية السور المنخفض، تسقط نظارتي وأفقد التمييز للحظة، وأشعر باليد ترفعني عن السور الذي أشم رائحة صدئه، أحاول التشبث بأي شيء، لكنني أفشل. استيقظ قبل الوصول للماء بلحظات.

الأحد، 10 يوليو 2011

أين يمكن أن يذهب الناس في يوم مشمس كهذا؟

(1)
قبل نزولي للقاهرة، حظيت بفرصة شجار مع والديّ حول جدوى نزولي ميدان التحرير. حجتمها كانت بسيطة : مادمنا نعرف جيداً، وبشكل يقيني، أن مظاهرة اليوم ستكون مليونية. وأن العدد حسب التقديرات سيكون الأكبر منذ فترة لا بأس بها، فما هي فائدة نزولي بالظبط؟
الكارثة_فكرت بفزع في الفترات المقتطعة من الصراخ المستمر_ أن هذا يبدو صحيحاً فعلاً.

(2)
مجلة ميكي مجلة غير بلهاء، وفي الوقت الذي يشتريها الأهل بهدف "تسلية" أطفالهم، فإنها تلعب ألعاباً عجيبة كذلك في أدمغتهم. ليس موضوع الغزو الثقافي فقط(وهو موجود) لكنه كذلك تقديم أفكار شديدة التعقيد بشكل شديد التبسيط..
خذ عندك هذه القصة مثلاً: يقرر بطوط، في يوم مشمس صافي، والأولاد الثلاثة(سوسو- لولو- توتو) أن يذهبوا إلى البحر. يعدّون كل شيء، لكن واحد من الأولاد يتساءل بصوت عالٍ قبل الخروج من البيت: ولكن معنى أننا قررنا الذهاب، لأن الظروف (الجو وخلافه) مناسبة، أن الناس كلها ستقرر مثلنا النزول للبحر في هذا اليوم، لهذا فالشاطيء سيكون مزدحماً جداً، ولن يمكننا اللعب كما يجب، وبالتالي فليس اليوم هو اليوم المناسب. وهو كلام منطقي، الثاني يقول أنه لو فكر كل الناس بهذا الشكل، فإنهم كلهم سيجلسون في بيوتهم مقررين عدم الذهاب خوفاً من "الزحام" وبالتالي سيكون الشاطيء خالياً تماماً.. يقول الثالث : ولكن لو فكّر كل الناس أن كل الناس(الآخرين) سيفكرون بهذا الشكل، فالناس(الآخرون) سيصلون لنتيجة أن الشاطيء سيكون خالياً تماما، وبالتالي سيذهبون.. وبذلك سيكون الشاطيء مزدحماً !  يقول بطوط، ولكن لو .. إلخ ..
في نهاية القصة (التي تستغرق صفحة واحدة، نجد الشاطيء خالياً تماماً ما عدا سبّاح الانقاذ الذي يتساءل : "أين يمكن أن يذهب الناس في يوم مشمس جميل كهذا؟" . الحقيقة أن الناس كلهم لم يذهبوا إلى أي مكان وجلسوا في بيوتهم يفكرون دون أن يصلوا لنتيجة .. الناس لم يذهبوا لأنهم لم يعرفوا بالظبط ما الذي سيفعله "الآخرون".

(3)
لم أكن قادراً على ترك المظاهرة، كنا حشداً في حدود الثلاثة آلاف، متجهين نحو التحرير عن طريق ميدان طلعت حرب، الألتراس غالباً هو من يقودها، الطبلة، الهتافات الملحنة على ايقاع الطبلة عملاقة الحجم، والصافرة حول رقبة أغلبهم، تيشيرتات رياضية، وبعضهم عاري الجذع حتى،  وبالطبع سب الداخلية ما بين هتاف وهتاف. اشتباكات الشرطة معهم يوم الخميس ألقت بظلالها بشكل واضح.. الداخلية فقط، لأنه حين بدأ يقول "حكومة وسخة" اعترض الناس ورفضوا الهتاف.. صمم على رأيه في البداية، ثم لان أخيراً، وبدأ الهتاف ضد المشير..
 كان يجب أن أترك المظاهرة لأنضم لرفقة السفر حتى نعود، تناقشت معهم قبل الوصول للقاهرة، في إذا كنا سنعتصم أم لا، قررنا عدم الاعتصام حفاظاً على القلة القليلة الباقية من احتمالات نجاحنا في الامتحان بعد أيام..
كانوا ينتظرونني في ميدان طلعت حرب. هذه هي المرة الثانية التي سأترك فيها المظاهرة..انفصلت عنهم عند الوصول للميدان لأنضم لمجموعة من أصدقائي كانوا هنا منذ الصباح.. وهم نفس المجموعة التي شاركتني المظاهرة منذ بدايتها.
وقفت معهم للحظات، وهم كانوا ينظرون بحسرة للمظاهرة، سألني وهو يعرف الإجابة: انت كنت في المظاهرة دي؟ .. هززت رأسي، الحقيقة انه رآني أخرج من وسطها..  لم أعرف بالظبط ماذا حدث، لكني وجدتهم فجأة وسط المظاهرة بعد أن انهيت كلامي. لحقت بهم وأنا أضحك..
ابتعدت عنهم.. وأنا أمسح بعيني المتظاهرين، حتى وصلت للوجوه المألوفة المحمرّة المسمرّة المتعبة، التي لم ترحمها شمس اليوم الرهيبة، ضحكوا حين رأوني، تساءلوا عن سبب عودتي.. شرحت فهزوا رؤوسهم .
المرة الثالثة كانت حينما نادت رفقة السفر للتحرك في شارع لا أعرف اسمه، الحقيقة أنني كنت أشعر بحسرة غير طبيعية وأنا أودعهم للمرة الثانية.. عدت لرفقة السفر الذين اشاروا إلى شارع ما سنمشي فيه..  لأكتشف أنه موازٍ للشارع الذي تسير فيه المظاهرة بالفعل، أؤكد على هذا، ثم أعود للركض من جديد لأدخل وسط الناس، يندهش أصدقائي الذين ودعتهم منذ لحظات، احاول ان اشرح لهم بخجل، ثم نؤخذ بالهتافات الجديدة..

(4)
هناك فكرة فلسفية مملة تبدأ كالآتي:
في ذقنك، شعرة واحدة.. هل يمكن أن نعتبر هذه الشعرة لحية؟ لا .. إذن سنضيف شعرة ثانية.. هل نعتبر اثنان لحية؟ لا.. ثالثة؟ لا.. سنستمر في هذا حتى نصل مثلاً لعدد 50 ألف شعرة.. الخمسون ألف شعرة هو عدد مقبول للحية..
كان الفارق بين شعرة واحدة واثنتين هو شعرة واحدة.. والفارق بين الخمسين ألف شعرة والربعمائة تسعة وتسعون هو شعرة واحدة كذلك.. في الحالة الأولى لم تكن الشعرة الواحدة مؤثرة كفاية حتى نغير حكمنا، في الحالة الثانية كذلك، الشعرة الواحدة ليست هي العنصر المؤثر..
تتوقف النظرية هنا.
لكن الحقيقة أن لولا الشعرة الثانية، ثم الثالثة، والرابعة، كلّ على حدة، وكل واحدة بشكل مستقل، لما كان من الممكن أن نصل للخمسين ألف.. هل يبدو هذا بديهياً؟ غالباً.. لكن  البديهيات هي دائماً ما ينقص لكي يكتمل الأمر.

(5)
أثناء توجة المظاهرة لميدان التحرير، كنت أبحث_بدرجة من حزن_عن طريقة أذهب بها لميدان طلعت حرب، حيث مكان التجمع تمهيداً للعودة، المظاهرة كانت مستمرة في السير، حين قيل لي أنني سأنتظر حتى تصل المظاهرة لشارع عمودي معين على شارع طلعت حرب المؤدي للميدان، وبهذا أنفصل عن المظاهرة، وأتحرك لأصل لطلعت حرب.. عندما وصلنا للشارع إياه.. ودعتهم لأتحرك.. كانت هذه هي المرة الأولى.. كنت حزيناً، ودعوت الله أن يتوقفوا قليلاً عن السير لأهتف معهم لوقت أطول. هنا  لاحظت أن المظاهرة توقفت تماماً.. لحظات ثم قرروا تغيير مسارهم، وبدلاً من اكمال الشارع، سيتوجهون عن طريق ميدان طلعت حرب عن طريق الشارع الذي كنت سأسير فيه.. وبدلاً من السير وحدي سار معي ثلاثة آلاف متظاهر (عدا ثمان منهم) لا يعرفون غالباً أن هذا هو طريقي أصلاً..
نظرت لهم بذهول، ثم ضحكت.. لا يمكن لأحد أن يقول شيئاً يعلق به على أشياء كهذه.. مثلاً حين نظرت للسماء، كان القمر نصف دائرة بالظبط، نصف دائرة بالتمام والكمال، وكأنها محسوبة بالورقة والقلم والمسطرة. كان هذا جميلاً ببساطة، لا ضرورة لأن يكون له معنى، لكنه جميل، وربما كان هذا معناه. كذلك، من الجميل أن المرء حين يدوس على قدم من أمامه لأربع أو خمس مرات متكررة لدواعي الزحام، ينظر صاحب الحذاء للخلف، ثم يضحك حين أضحك، ثم يسلم علي ويربت على كتفي هكذا بلا مناسبة .هذا الموقف من بديهيات الثورة، قاله ألف قائل، وشرحه لي بانبهار ألف واحد، لكني وأنا أحكيه لأخي بعد عودتي، واثقاً من أنه يعرف ما أحكي عنه، وسمع عنه بالضرورة، كنت أشعر كالذي شهد الأسطورة وحده، الناس هناك تدوس على أقدام الآخرين، ثم تعتذر فيُقبل اعتذارهم . 

(6)
تتكرر في القرآن اشارات إلى أن الحساب لن يكون اجمالياً، وأن كل انسان محاسب على ما يفعله هو، هو بالتحديد، هو فقط .. "وإن كل آتيه يوم القيامة فرداً"، تقول بوضوح أن الحساب لن يكون أبداً على أساس المجتمع أو المجموع البشري مهما كان توصيفه..
يقول غسان مطر في وصاياه_وصيته الوحيدة لو أردنا الدقة، لأنه رفض قول المزيد_ أن على الواحد أن يعمل الصح.. وهذا ليس بالضرورة سهلاً، لكنه في كل الأحوال جميل. 

(7) 
في طريق العودة، حيث كنت أحاول مقاومة النوم، و التغلب على الصهد الذي أشعر به. فكرت أن كل هذا سينتهي يوماً، بأي شكل قٌدر له الانتهاء عليه، وأن هذا هو الامر الواضح لا لبس فيه. عندما كنت في العاشرة تقريباً، سألت جدي، المُقعد، الذي كف بصره، ولم يعد يسمع إلا بالصراخ جوار اذنه، والذي رغم ذلك كان يصر على شرح منهج العربي بالكامل قبل بدء الدراسة، مضيعاً عليّ وقتاً ممتعاً من اللعب، سألته عن فائدة كل هذه المذاكرة، مادمنا كلنا سنموت في نهاية الأمر.. وهو سؤال يليق بصبيّ ذي فلسفة وجودية لا بأس بها، على كل حال ما أتذكره جيداً انه صمت، ثم ضحك، ثم قال : أدينا بننبسط.

المتابعون