Wednesday, December 24, 2008

The incredibles



كرد فعل شرطي لا يد لي فيه ، نظرت في ساعتي بطرف عيني ، حينما رأيتهما يتجهان نحوي .. ثم لمت نفسي .. النظر في الساعة علامة مؤكدة على الضجر ، إستعجال مرور الوقت ، كره اللحظة الحالية ، ولكي نكون منصفين .. لم أكن ضجراً ، ولم أستعجل مرور الوقت ، ولا حتى كنت أكره اللحظة الحالية لأني توقفت عن ملاحظتها من الأصل .. فقط هناك إمتحان ما ينتظر تشريفي ، والتغيب عن الإمتحان هو الخطوة التي أؤجلها حتى لحظة الإنحراف الكامل .
هناك أشخاص يفهمون المزاح .. لا يعني هذا أنهم أذكى ، أو أفضل ، أو حتى يمتازون بأي ميزة مرتبطة بكونهم على هذه الشاكلة.. هم فقط يفهمون المزاح ..
رفعت ذراعي اليسرى حينما أقتربوا مسافة كافية .. ونظرت في ساعتي بطريقة مسرحية وأنا أقول بصوت عال أن :
_ " شافوني .. يادي النيلة .. هنقعد بقا نتكلم ونحكي ، وعندي إمتحان لازم أتنفخ فيه بسرعة "
نظر أيمن إلى شادي مظهراً ملامح إمتعاض مسرحية ، ثم قال :
_ " هو مش دا ننوس عين أمه "
وشادي هز رأسه مظهراً تعبير الإشمئزاز ، برفع شفته السفلى حتى كادت أن تغطي على العليا قائلاً :
_ " كنا لسه بنقول أنه يوم أسود "
وانا ابتسمت في سعادة حقيقية قلما أستشعرها وتساءلت :
_ " إزيكوا يا بهايم "
أيمن كان يكتب الشعر . شادي كان يرسم . إستخدام الفعل الماضي "كان" وعدم الإقتناع بفكرة أن نتركه في حاله كما تنصح ليلى مراد ، تعني أنهما لا يفعلان الآن أياً من كتابة الشعر ، أو الرسم .
فكرت أننا الآن سنبدأ في سؤال بعضنا البعض عن أسئلة شديدة الخصوصية محاولين التظاهر في كل سؤال أننا نهتم فعلاً ، وأنني لو لم أعرف ماذا يفعل شادي هذه الأيام ، أو ما أخبار أيمن تحديداً وهو على شفا حفرة من التخرج _ أنني لو لم أعرف هذا فلن أنام الليل ..
شادي بدأ الحفلة متسائلاً :
_ " عامل إيه يا عم ؟ " .. وأكمل طبعاً :
_ " فينك كدا ؟ "
هذه الأسئلة بالذات لا حل لها سوى أن أبتسم إبتسامة دبلوماسية ، وأهز كتفي قليلاً ، ثم أثني برأسي قائلاً أنني :
_ " موجود .. " ثم ألقي الكرة في ملعبه مبتسماً من الداخل في خبث :
_ " إنت اللي مش باين "
_ " أنا موجود على طول .. إنت مش باين "
يُذكر إسم رامبو كلما ذكر التوقف عن الكتابة بشكل عام ، عن كتابة الشعر بصورة أخص .. رامبو انهى رحلته الشعرية وهو في سن العشرين لا غير .. توقف فجأة ! .. وقال كلاماً يليق بشاعر عن أن إلهة الشعر توقفت عن منح بركتها له عقاباً له على موبقاته .. توقف عن الموبقات آملاً أن ترضى عنه ، لكن يبدو أن إلهة الشعر بلهاء بشكل ما .. مات وهو يبلغ من العمر 37 عاماً .. ولم يكتب كلمة منذ سن العشرين .. وقال جملة شهيرة _سيستخدمها أيمن طبعاً_ : أنا أنتهيت .
حسناً .. أيمن لم يقل أنه أنتهى بالظبط .. في الحقيقة هو لم يخبرني مباشرة أنه توقف عن الكتابة .. في فترة ما كانت صداقتنا تسمح لي بسؤاله كل فترة عن الجديد .. وهو كان يهز رأسه بصمت .. وحينما تحدث أخيراً قال شيئاً عن كونه ليس ماكينة قهوة .. وأخبرني أن أطلع من نافوخه .. و في النهاية قال مشمئزاً من شيء ما كالعادة أن :
_ " جبت آخري من الليلة الوسخة دي " .. أخبرته أن هناك تشابه لا يخلو من فقر في الإبداع بين جملته تلك ، وجملة رامبو ، فقال لي :
_ " ملعون أبو رامبو "
ثم نظر لي وأكمل رافعاً حاجبه الإيمن :
_ " وبعدين رامبو مش بتاع ضرب النار والأكشن والجو دا ؟ .. كتب شعر إمتا بقا ؟
يسألني شادي عن ميعاد إمتحاني .. أخبره أن أمامي حوالي نصف ساعة .. يتساءل عن السبب الذي يدعوني للقدوم إلى الإمتحان قبل نصف ساعة ، فأخبره أنني أفعل هذا لأنني لو جلست في البيت فلن أذاكر ، ولو جلست في البيت ولم أذاكر سأشعر أنني حقير .. لهذا فالحل الوحيد هو الضياع في الطرقات حتى موعد الإمتحان السعيد ..
يهز رأسه ثم يسألني عن السبب الذي دعاني إذاًَ للنظر في ساعتي .. فأخبره أن هذا رد فعل شرطي لا أكثر ولا أقل ..
شادي أسبابه كانت أكثر إبهاماً بكثير .. ربما من درجة إبهامها ، يمكنك القول أنها ليس لها وجود منذ البداية .. فجأة ، قرر أن لا شيء يستحق أن يُرسم .. وعندما سمعت هذه الجملة للمرة الأولى شعرت أنها مستفزة .. وكنتيجة طبيعية دار جدل طويل ، ربما يمكن تسميته بالشجار المهذب .. انتهى بقوله لي أن "إنت مالك بقا .. أرسم ، مرسمش .. براحتي " .. وهي كلمة سحرية تخرس بها من أمامك بسهولة .. وللأسف لم أكن قد طورت رداً عليها بعد (وهو ما فعلته مؤخراً) .. لهذا قررت أن أخرس . وعرفت بعدها بفترة أنه لم يتخلص من لوحاته بعد ..
من تخلص من كل شيء ، كان أيمن .. عرفت بعدها أن غضبه كان حقيقياً .. "غضب" لأن هذه الكلمة الوحيدة التي يمكن بها وصف إعطاءه كل ما كتبه منذ البداية لبائع الطعمية على ناصية شارعهم .. أي كل ما كتبه منذ البداية .. شعر البدايات هذا المصاب بالكساح ، حيث القضية الأهم ، والحدث الأوحد هو فلسطين . والمصاب كذلك بحالة مرضية تجعل حروف القافية على صورة لا تتغير : ( الأولينا .. الآخرينا .. الأخسرينا .. الأفضلينا) ، ثم تخبطه ، ومحاولاته المتكررة في عدل الوزن ، أو استبدال صيغة غير شعرية بأخرى تقترب أكثر من الشعر .. ثم رسوخه النسبي ، وبدايات كفره بحروف الروي والقافية ، وهي تجارب بدت لي شديدة الجمال والحساسية .. ثم في النهاية امتلاكه للأدوات التي من خلالها يكتب ، والأهم : الرؤية .. منعني شيء ما من سؤاله وتحويل السؤال إلى شجار كما فعلت مع شادي ، وإن كنت عبرت له عن استغرابي ، كون الورق لن ينفع مع الطعمية المتشربة بالزيت .. فطمأنني أنه سيأخذ أكثر من ورقة واحدة طبعاً لصنع قرطاس .. ثم قال بلا أي تعبير :
_ " يعني القرطاس هيرسى على قصيدتين "
أخبرني بفخر أن بائع الطعمية فرح بهذا الكنز .. وإن كان أنقص من سعره قليلاً ،
_ " عشان مكتوب فيهم .. الورق الأببض أغلى مرتين تقريباً "
قلت له أن هذا التصرف يبدو لي غاضباً أكثر من اللازم ، وهذا يحوله إلى رومانسي أكثر من اللازم ، وبالتالي هناك شعور بعدم الأصالة في الأمر .. وكل هذا يحوله إلى مشهد تقليدي من فيلم عربي قديم .. البطل الحزين لابد أن يربي ذقنه ويكتئب في حجرته .. الشاعر المكلوم في قصيدته أو وحيه أو أي هراء من هذا القبيل لابد أن يبيع كتاباته لبائع الطعمية ، ثم يقول لصاحبه وهو بائس ان القرطاس سيحمل قصيدتين .." يا إلهي ! .. كل ما كنت أفعله سيتحول إلى قرطاس" .. يجب أن يقول هذه العبارة وهو ينتحب ولو دمعت عيناه : أفضل وأفضل..
في النهاية اعترفت أنني أجده أذكى من هذا التصرف .. وأكثر وعياً من تحويل شيء كهذا إلى مشهد سخيف من فيلم درجة ثانية ..
نظر لي بلا تعليق ، حتى أتمتت كلامي ثم قال ، أن الحياة ليست قصة قصيرة ، و أن الأبطال فيها _ على العكس من القصص _ أحياناً يفعلون أشياءاً لا مبرر درامي لها .. وأنا لم أستطع الرد ، لأن ردي كان هو نفس كلامي السابق .. كلامه عن الأبطال والحياة والقصص القصيرة ، هو في حد ذاته محاولة للتفلسف لم تنجح كثيراً .. وكذلك لم أستطع أن أقول له أنني محاط حالياً ببشر لا يفعلون شيئاً إلا قول : " الحياة هي " .. و " الحياة ليست " ..
يجذبني شادي من ذراعي ليبعدني عن مسار العربات المسرعة ، مزامناً هذا مع قوله :
_ " مش أيمن هيخطب ؟ "
_ " هذه أخبار جديدة أيها السادة الكرام" ..
_ " تخيل ! "
قالها أيمن وهو يلوي بوزه هازاً رأسه بمرارة ..
إسمها رهف .. وهذا يؤكد أن الأمور تسير بشكل غريب .. لماذا يرتبط الشعراء _ أو من كانوا _ بهذه الأسماء بكثافة .. يبدو هذا سراً ملحمياً يصعب كشفه .. لهذا ابتسمت وهنأته .. وهو تقبل التهنئة بهزة رأس متمتماً أن :
_ " عقبالك "
وأنا تذكرت الرد الذي يعجبني في مثل هذه الحالات وقلت :
_ " في حياتك "
أخبرني بعد أن ترك الرسم تماماً ، أنه يجدها من قبيل سخرية القدر أنني ، وأنا والوحيد الذي لم يأخذ أمر الكتابة بجدية ، مازلت مستمراً في فعلها .. أما هما ، من كانا يقرئان كلام سارتر عن الفنان الملتزم ، والفنان المنتمي ، تركا كل شيء ..
يتحدث هو عن الرسم ، وعن افتقاده لشعور الانتهاء من لوحة ، أكثر مما يفعل الشاعر .. يتصف الأمر ببراعة حين يقول أن أصابعه نظيفة على الدوام ، وهذا يبدو له من قبيل الإهانة ، بعد أن كانت فعلاً لا تختفي منها الألوان .
يسألني إن كنت لا أزال محتفظاً بالكاريكاتير القديم .. أهز رأسي .. وأحاول تذكر مكانه ..
أيمن بدا متململاً بعض الشيء .. سألته إن كان مشغولاً بشيء ما ، فهز رأسه بالنفي .. أقرر بما أنه يكذب أن أقول له ما كنت أفكر فيه من فترة :
_ " كنت بفكر أكتب عنكم من فترة . "
ينتبه ، يضيق ما بين حاجبيه .. ويهز رأسه بدهشة تقترب من الإستنكار متسائلاً :
_ " نعم ؟ "
_ " أنت وشادي "
_ " نعم ؟ "
_ " أي نعم "
_ " إزاي يعني ؟ "
قلت له رأيي مباشرة ، الحقيقة إنها فكرة تستحق .. الشاعر الذي انخرط وسط الناس ، لا يعرف مثلاً جاره في الأتوبيس أنه كان يكتب شعراً .. والرسام الذي لم يعد يرسم .. ولم تعد علامة الجودة الألوانية على أصابعه مثلما كان دائماً .. لا تنكر من فضلك أنها فكرة لا بأس بها أبداً ..
_ " مش قصدي إنها وحشة .. قصدي أنها مكررة .. نفس الفكرة الغريبة .. شفتها في مليون فيلم ومليون رواية "
فكرة فيلم The incredibles بالظبط .. الخارقون الذين منعهم المجتمع من الحياة فيه وهم مختلفون .. فعاشوا كخارقين في ثوب بشر معتادين .. فكرة فعلاً مكررة ..
و احتد قليلاً وهو يطلب مني أن أنضج ..
وشادي هز رأسه ثم رفع أصابعه أمامي قائلاً أنه الآن سعيد .. على الأقل أصابعه نظيفة ..
_ "الكلام عننا ملهوش أي فايدة "
وأنا قلت أنني سأكتب عنهما .. ثم أستخدمت السلاح المتميز :
_ " وانت مالك بقا " .. ثم ضحكت :
_ " هغير الأسماء . وأكتب زي ما أنا عايز .. ممكن حتى أسميك عبد العال .. واسمي الأخ دا حمودة .. وأطلعكم متخلفين عقلياً من صغركم .. أو من مجاذيب السيدة حالياً "
ثم هززت كتفي قائلاً أن الحياة على عكس القصة .. يفعل أبطالها أشياءاً لا يوجد لها أي معنى .. ككتابة القصص عن أصدقائهم .. وهي أفعال في الواقع لا مبرر درامي واضح لها .