Tuesday, October 30, 2007

أخضر .. قصة قصيرة

.. توقف الميكروباص على بعد أمتار عني
تزاحم الناس , الذين كانوا حولي , على الركوب وبقيت أنا واقفاً .. أنظر لهم وأنتظر فرصة أخرى .. هذا الوضع غير بشري أصلاً

التقت نظراتي فجأة مع نظرات المنادي , الذي كان واقفاً بالكاد ممسكاً بالحاجز المعدني الأفقي , على ما يبدو
_ " يلّه يا أستاذ "
ماذا ؟! .. لا يوجد مكان يسمح لي حتى بالوقوف .. نظرت للناس الذين خرجت أجسادهم خارج الميكروباص وكل منهم يجاهد ليمسك شيئاً ما ..
نظرت لكل هؤلاء وتحركت مقترباً لكي أقول أنني لا أستطيع أبداً الركوب بهذا الشكل ,
تحركت نحوه فمد لي يده وقال بلهفة :
_ " بسرعة بس عشان العسكري "

لا لا .. لا أعني أنني أريد الركوب .. لا أريد التعلق للدقة .. لا يمكنني حتى لو أردت .. لا يمكن ..

كل هذا دار برأسي في لحظات , وهو يمسك يدي , ويجذبني نحوه , ويطلب مني أن أثبت قدمي حتى لا أسقط ..

شاعراً بالذهول , حاملاً حقيبتي على كتفي , وقفت .. تثبت كتعبير أدق .

جسدي الآن بالكامل في الفراغ , وما يمنعني من السقوط الآن وتهشيم عظامي , بحساب سرعة العربة التي تسارعت بشكل مخيف , أن لدي أربعة أطراف .. قدمان أضعها على الأرض محاولاً عدم تحريكهما مطلقاً , ويدان تمسكان الشبكة المعدنية العلوية ,

كنت أنا في الوسط .. على يميني كان المنادي يشرب الشاي في هدوء , دون أي شعور بغرابة ما يفعل , وعلى الناحية الأخرى كان أحد طلاب الثانوية العامة , كما خمنت من ملابسه ومن عناوين الكتب الصغيرة التي يحملها , يضحك هو وأصدقائه الذين يجلسون في الداخل , وهو يبدو عليه الاستمتاع الشديد بوضعه .

بدأت _ لدهشتي _ في الاعتياد على وضعي , بل وبدأت أتأمل الشوارع عبر عينين , أغلقت نصفهما , اتقاء للهواء الذي يهاجمنا كما نهاجمه بسرعة عربتنا العالية .

_ " أنت أول مرة تركب ولا إيه ؟! "
مازال ممسكاً بكوب الشاي في يده اليمنى , وباليد اليسرى يمسك بالحاجز الرأسي بجوار الباب , بلا إهتمام حقيقي , يسألني .

_ " لا.. ركبت كتير "
_ " أمال مالك قلقان يعني ؟! "
_ " قلقان إزاي يعني ؟ "

إزاء لهجتي الحادة نوعاً صمت .. هز رأسه وعاد للشاي مرة أخرى ..

أستمر الوضع كما هو للحظات ..

من النافذة عرضت علي سيدة جالسة فجأة أن تحمل حقيبتي عني , حتى أستطيع _ أنا حبة عينها _ أن أقف .

شكرتها بإمتنان وقلت لها أن الوضع لا يستدعي هذا ..

_ " مش بقولك قلقان "
علق هو على الوضع .. لم أستطع الإنكار هذه المرة .. قلت له أن هذه هي أول مرة أركب فيها بهذه الطريقة .. ضحك وقال :
_ " لازم يبقا فيه أول مرة "

عندما تخرج حكمة تعرفها أنت كاسمك بهذه العفوية يصبح الأمر غير قابل للوصف أصلاً .. "ربنا يسهل "
قلتها في هدوء ..
ادار جسده بالكامل ليواجهني ومد يده بكوب الشاي :
_ " اتفضل "
_ " تسلم "
وضحكت وأنا أكمل :
_ " هشرب إزاي بس وأنا كدا "
ترك يده الأخرى الممسكة بالحاجز ثم أستند بظهره على مكان الباب وقال :
_ " ما انا بشرب أهو يا عم .. امسك بس .. "
_ " امسك ايه ؟ " .. بذهول نظرت له .. انه يتحدث جدياً على ما يبدو .
_ " سيب إيدك اليمين .. ايوا كدا .. انت ماسك بالشمال .. دا كفاية اوي لعلمك .. امسك بقا كباية الشاي .. امسكها من فوق .. تمام .. حاسب فيه مطب .. اعلى بالكباية لما المطب ييجي .. فل عليك .. شوف بقا الشاي عامل إزاي "
رشفت منه رشفة وعيني على الطريق .. ابتسمت ثم قلت له :
_ " مش ناقص سكر ؟! "
_ " ناقص سكر "
أجابني بسرعة ..
لم أسأله لماذا .. نظرت لملامح الطريق المألوفة , والتي تعلمني بقرب وصولي ثم قلت :
_ " أنا نازل كمان محطة "
هز رأسه وهو يبتعد عني قليلاً .. ليضع كوب الشاي الخالي بعدما قضى عليه , بجوار الباب ..
_ " مبيقعش إزاي دا ؟ "
سألته بإستغراب حقيقي ,
_ " لما بنحوّد ناحيته بسنده برجلي "

لم أستطع الرد على جملته الأخيرة لأن حقيبتي الطائرة بفعل الهواء وبفعل الانحناءات المستمرة , اصطدمت بسيدة تسير في الشارع تحمل أكياساً شفافة ظهر الخضار منها والفاكهة ..

_ " آسف والله معلش "
صحت بها .. لاحظت أنها غاضبة فعلاً لكنها هزت رأسها ورسمت إبتسامة ظهر منها تقبلها للوضع ..

_ " بتحصل ولا يهمك "
قال بسرعة فهززت رأسي ..

_ " ربنا يكون في عونّا "
قال فسألته :
_ " مين ؟ "
_ " كلنا "

لم أرد ربما لأني أنشغلت بمتابعة الطريق , وإقتراب مكان نزولي

_ " هنا يا ريس "

توقف الميكروباص بالفعل , ولكن ليس لي هذه المرة , توقف بسبب الزحام المفاجئ في هذا المكان ..
نزل المنادي أمامي , وهو يحرك قدميه اللذين تيبسا من كثرة الوقوف .. تحركت أنا قليلاً لأشغل مكانه ثم أنزل .

صوت التهشم طرق أذني قبل أن أنزل تماماً من العربة ..
نظرت بسرعة لألمح كوب الشاي مهشماً على الأرض , مختلطاً ببقايا الشاي الصلب منها والسائل ..
ونظرت بعدها بسرعة للوجه الذي توقعت أنه سينفجر في ..

وجدته ينظر للكوب كفعل طبيعي للصوت , ثم نظر لي , وضحك !
_ " مش بقولك قلقان "

انفكت عقدة لساني , قلت :
_ " آسف والله أنا ..

قاطعني :
_ " يا عم على ايه .. الواد سعيد دا ربنا بيربيه بس ..
يا جدع دا بيحاسب على الشاي بسكر والشاي من غير سكر "
قال جملته المختلطة بضحكاته العالية وأنا أنظر له في ذهول لا أعرف كيف أتحدث

_ " أنا بجد آسف .. انا ممكن أدفع ثمن الكبا..
قاطعني مرة أخرى :
_ " يا عم ما قلنا خلاص بقا .. وانا هتلكك لسعيد بقا عشان اتخانق معاه .. ويبقا يفتح بقه .. هطلع عليه كل قرف الشاي اللي من غير سكر اللي عمال يسم بدنا بيه "

ضحكت أنا هذه المرة ..

بدأ الميكروباص في الحركة مرة أخرى .. تحرك هو بسرعة ليتعلق مرة أخرى , بجوار طالب الثانوي ذي الضحكات المميزة , ثم نظر لي وقال :
_ " طريقك أخضر يا باشا "

نظرت له , ثم قلت :
_ " طريقك أخضر "

وتذكرت فأضفت بسرعة ليسمعني وهو يبتعد بسبب سرعة الميكروباص التي تزايدت فجأة :
_ " و بسكر "