Saturday, October 5, 2013

لا يدوم اغترابي

نجحت بشكل ما خلال الفترة الماضية في تثبيت عدد معيّن من العادات، وسيلة مقاومة بشكل ما لكل تغيّر مستمر يحدث دون سيطرة مني في كل ناحية، والاستعانة على قضاء الحوائج بالمشي لأطول فترة ممكنة، والسعي لروتين اسبوعي كل جمعة، الوجود في السلطان حسن مثلاً قبل الصلاة، كلام لطيف موصول عن مقدمة ابن خلدون، صلاة الجمعة في الأزهر، المشي بعدها، قدر ما استطعت، في القاهرة القديمة، حتى لو مكانش عندي مزاج أو رغبة في النزول من البيت أساساً، هدّة الحيل طوال النهار، ثم انهاء اليوم سريعاً، والاستعانة بتكرار الأحداث على اليوم الذي يليه.. كلها محاولات لتمرير الأيام، والبحث عن علامات ثابتة.
الشارع الذي وقع عليه الاختيار في رحلة العودة اليومية من العمل، هو تقريباً أقدم الشوارع في المنطقة المحيطة، يقال إن شجر الشارع يعود إلى مئات السنين، من بداية التأسيس نفسها، بعضه تم قطعه لأنه بدأ يضايق بيت مدير الأمن، لكن أغلبه موجود.. طريق المشي اليومي هناك شديد اللطف، ويسمح بإن وداني تسمع صوت خطواتي دون تشويش، وهو الأمر الذي اكتشفت إنه لطيف فعلاً رغم إني كنت بستسخفه في البداية.

النهاردة شفت ولد وبنت ماشيين قدامي في الشارع الفاضي تماماً في عز الصهد، وبدلاً من تجاوز بركة المياة في وسط الشارع، الناتجة عن خرطوم مهمل على جانب جنينة، بدلاً من العبور بجواره ببساطة، الولد وقف قصاد البركة متوسطة الاتساع، ومد إيده للبنت، وهي ترددت للحظات وهي بترفع طرف الجيبة، لكنها في النهاية تركت له يدها، وسندت عليها وهي تأخد خطوة واسعة، كأنها في سبوع.. المعتاد إن رد فعلي بيكون حاد نوعاً ناحية أشياء من هذا القبيل، السخرية سلاح مهم طبعاً، التراب المتراكم على القلب، والقسوة غير المقصودة ناحية أفعال شديدة البساطة والخِفة، لكن أقابلها بدرجة من العنف. الاستخفاف مريح.

واحد من أهم الأسئلة المستمرة معايا من زمان، هو سؤال التمييز بين المعنى وبين الشيء نفسه، شيكسبير عبّر عن كل هذا سابقاً، بجملة تقريرية يؤكد فيها إن الدال والمدلول شيء واحد، وإن الوردة ستظل وردة حتى لو لم نطلق عليها اسماً ما. الفكرة دي مريحة نسبياً، وتسمح بدرجة من خلو البال، والاطمئنان لسير الأمور، بغض النظر عن موقع البني آدم كمراقب، لكنها في نفس الوقت أصبحت مريبة بالنسبة لي، أحياناً خادعة، واطمئنانها زائف.

مع الوقت تكوّن انطباع عندي، بإن هدف الفلسفة النهائي، هو خلق نسق ما، بغض النظر عن كنهه، المهم إن كل عناصره تكون مرتبطه بالعناصر المجاورة، ويستطيع الواحد مشاهدة الصورة النهائية لهذا التشكيل. يمكن لهذا السبب بالتحديد أحب نيتشه، وزين الدين زيدان، أنا مش من متابعي الكرة بإخلاص، لكن من فترة، كان مجموعة من صحابي بيتكلموا عن لحظات توقف فيها الزمن تماماً بالنسبة لهم.. وكل واحد منهم كان بيحكي حكايات شديدة الشجن والقسوة، أو الجمال والخِفة.. 
اللحظة اللي فكرت فيها تلقائياً، وبشكل غير مفهوم، كانت لحظة طرد زين الدين زيدان من كأس العالم، بعد نطحتة العظيمة لمتايراتزي.. فكرت بالتحديد في إنه لا توجد نهاية لمسيرة مثل مسيرة زيدان، أجمل من نطحة بهذه الدقة والقوة.. لحظة مثالية للخروج عن النص، تحطيم النسق بالكامل، واللعب في مساحة خيالية كأنه بطل خارق لا يهتم بشيء.
عشان كدا بعتبر الحَج البرنس "بلا مرأة بلا خرا" واحد من أبطالي الخارقين.. لأنها لحظة تحطيم نسق كامل بجملة واحدة، كل شيء مُعد حوله، ضيف سبقه، مذيعة وكاميرا وميكروفون، وسؤال عن ترشيح المرأة للبرلمان، وكل شيء يدفع ناحية إنه يتكلم في الموضوع، والبشر غريزياً يميلون لتنفيذ صورة الآخرين عنهم، خصوصاً لحظة تسليط كاميرا عليهم، عشان كدا الناس فجأة بتقرر تتكلم بطريقة غريبة جداً أول ما تعرف إن التلفزيون يصوّر، تكلّف كامل في اللغة والحركة، لكن البرنس يتجاهل هذا كله، "أنا عايز أتكلم في الأتوبيس أهم".. وفجأة ! تأسست سردية جديدة، بهذه البساطة ! تفاصيل ممتدة عن الحر والشمس، والناس في الشارع مش عارفين يركبوا الأتوبيس، بدلاً من دخول جدال ممتد حول الترشح من عدمه، وهل هو قرار خاطيء أم مناسب، هو لأنه برنس قرر الخروج تماماً عن النسق الجاهز له. يمكن يكون ترشيح المرأة للبرلمان مهم، ويمكن ميكونش، الجدل نفسه هنا مش مهم. والبؤس هنا يكون بؤس محاولة التعبير عن شيء آخر، ربما لم يتم الوصول له بعد، لكن من المعلوم بالضرورة أنه موجود.. أيهما أكثر ابهاراً على كل حال؟ هزيمة بطل العالم في الشطرنج مثلاً، أم ضربه بالقلم قبل الهزيمة، وقلب الطاولة كلها؟ نطحة عنيفة في الصدر بعد شتيمة..

أقرب أنبياء الله لي، هو النبي موسى، وعلى عكس كثير من أولو العزم من الرسل، معاناته كانت مرتبطة بشيء غير واضح، شيء في تكوينه هو الشخصي، ليس مرضاً كأيوب مثلاً، أو محنة سجن كيوسف، موسى يحمل مأساته بالكامل في نفسه، عبّر عنه القرآن بجملة: "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني".. وهي اسوأ لحظات البني آدم، تكوين فكرة ما، وعدم القدرة الكاملة على الصياغة والتعبير في شكل.. مهما كان الشكل. لهذا السبب "قال رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وأحلل عقدة من لساني"..

المقارنة قائمة وبشكل مستمر بالنسبة لي، في قصيدة مشهورة جداً لـ"ييتس"، شاعر أميركي عظيم، يقف وحبيبته أمام بركة ماء، لكنه بدلاً من أن يستغل الفرصة كشخص حكيم، لإمساك يدها للحظات مختلسة، يعترف لها بعدم قدرته على وضع معطفه على الأرض أمامها، لأنه فقير، ويضع بدلاً من هذا المعطف أحلامه.. يطلب منها أن تطأ على أحلامه برفق. 
نفس الفكرة تقريباً، وبدرجة وضوح أكبر حتى، في الجملة الشعبية العظيمة: "حبيبي ماشي حافي/ والأرض بتلسعه/ يا ريتني كنت شبشب/ كنت أقدر أنفعه".. المعنى واحد تماماً هنا، لكن الوردة مختلفة. أميل للثانية بالمناسبة، بحكم الاستخفاف وتراب الأيام وخلافه، ولأن الطين حقيقي. 

يا رب، أيها القادر على كل شيء، كيف ينصلح حال القلب بأشياء كهذه..

Sunday, July 21, 2013

عزيزي نيتشه.. كل عام وأنت بخير.

 أردت فقط أن أعلمك بأنني، وبصدقٍ كامل، حاولت محاربة الوحوش، دون أن أتحول إلى مجرد وحش آخر.. وأتبعت إرشاداتك العامة، بعدم التحديق إلى الهاوية، والإكثار من الصلاة على النبي، و لكنني فشلت على ما يبدو في مهمّتي الوجودية. والآن، يصيبني الغم كلما نظرت إلى وجهي في المرآة، ورأيت الحراشيف التي أصبحت تخفيه، وكلما نظفت عيني الواحدة في منتصف رأسي بعناية، الصداع الآن أقل بعض الشيء مما كان، لكنه مُركّز. عزيزي نيتشه.. يبدو أنني سأتوقف عن الحرب، وأجلس بجوار أمي لأسمع منها مشاكل الحياة اليومية، وأختلس لحظات في البلكونة، أقطف الملوخية معها وهي رائقة المزاج، محاذراً ألا أخيف الأطفال في العمارة المقابلة..

 يورز سنسيرلي..

Saturday, April 20, 2013

بانت رشا


كنت متأكد والله

رشا رزق، أغاني الكارتون، رفيقة المراهقة، والساعات المختلسة أمام التلفزيون قبل النوم، أو ساعة الغداء، أو عندما تنتهي من واجب المدرسة مبكّراً، وطبعاً: الأجازة بالكامل، وكذلك حب عارم من طرف واحد، لفتاة لم أرها إلا الآن..

أتذكر دائماً بيت شعر لأدونيس، وهو شاعر سخيف بالنسبة لي إلا أن بيت الشعر هذا، بالتحديد، شديد الجمال للأسف، وبشكل استثنائي، يقول فيه أن :

لفتاتها تَخزُ
وجفونها وَتَرٌ وأغنيةٌ
صيفيّةٌ ، وقميصُها كرَزُ .

عموماً من السيء أن يحب المرء بيت شعر لشاعر يكرهه، هذا السوء يماثل في حدّته، بهاء اكتشاف صباح وجه فتاة كنت تحب صوتها فقط، متقبّلاً مصير حب كهذا ببصيرة لا تهتم بأي شيء زيادة..

بوجه تظهر فيه نغزة بسيطة قرب زاوية فمها اليمنى، وطابع حسن في منتصف الذقن، ولمن ينتمي طابع الحسن إن لم يكن لرشا؟
من هذه الزاوية، أول شيء يتم تمييزه بعد ذلك هو لمعة العين تلك، ضحكة بسيطة تجعل الصورة كاملة، ساعة الساعد الأيسر، وخاتم يحتل مكانه في أصبع طويل ممتد كخطّ مستقيم..

الذراع اليمنى ترتفع للأعلى، واليسرى للأمام، بعض خلق الله لا يحتاج وجودهم إلى زوايا، حيث كل حركة لهم، تمثّل قوساً يُكمل ما يليه..

يمكن كذلك ملاحظة حركة الأصابع، الحركة التي لم تتوقف، طبعاً، في اللحظة التي توقّف الزمن فيها لحظة التقاط الصورة، من حضر رشا يومها، لابد أنه رآها وهي تطرقع بأصبيعها في كلتا اليدين، مستجيبة لإيقاع لحن ما.. ما حصلنا عليه كان مجرد تلميح فاتن..

رشا، إسم الظبي

بصوت كهذا، كان بإمكانها أن تغزو العالم، لكنها بدلاً من ذلك، قررت أن تغنّي لمجموعة من الأطفال لا يتجاوزون الخامسة عشر، مفضّلة أن يكون عرشها من الألعاب والحلوى، يعلوه طلاءٌ برّاق من ورق تجليد دفاتر المدرسة..



Thursday, April 11, 2013




العسكري يتصدّر الكادر الأيسر بكامل جسمه، وحضوره، مرتدياً خوذة مرفوع مقدمتها، كاشفاً نصف وجه، يمكن فقط تمييز أجزاء من شارب يغطيه قناع، العصا التي يمسكها مشيراً إلى المصوّر، يهدده بشيء لم يستطع تنفيذه طبعاً لأن الصورة نجت على الأقل، الفتاة على الناحية الأخرى، محاطة بأربع عساكر يشدّونها لخارج الكادر،نحو ما لا نميّزه تماماً من خلال الصورة،عبر ترقوتها اليمنى، يستقر حزام حقيبة، تتحرّك مع حركة المجموعة إلى الخلف قليلاً، أمامهم قدم يمكن فقط معرفة أنها ترتدي الميري، تتحرّك إلى الناحية الأخرى، لا نرى لها جسداً، أقدامها هي تتجه إلى الأمام، وجذعها يميل إلى الخلف، في مقاومة عيثية تماماً، واحد منهم، على يسارها ينظر من خلال كتفه إلى الوراء، ربما لمح الكاميرا، أو ينظر إلى ما لفت انتباهه ناحية المصوّر، العسكري الخامس بجواره، بعيداً عنه بعض الشيء، يتجه ببصرة إلى الكاميرا مباشرة، يمسك بدرع مكتوب عليه (Pol)، من بوليس، وعصا يحملها من ثلثها، لا من المقبض، خلفه حائط، وجملة لا يظهر منها إلا كلمة ، وحدها كأنها عنوان: "الشهداء"، وعدة صورة جرافيتي تحتها للشهداء الذين لا يمكن تمييزهم من هذه المسافة. وجه عسكري آخر على الناحية اليسرى، يمين العسكري ذو العصا، يمسك بمراهق، في الغالب لم يتعد السادسة عشر، مرفوع قميصه كاشفاً ظهره.. وحقيبة بلاستيكية تحتل، وحدها، الطريق.

Thursday, March 7, 2013

سايبر


(1)

في آخر أيام سبتمبر 2012، كتبت دينا الهوّاري في مدوّنتها..
الفارق الزمني بين تدوينتها تلك وبين التي تسبقها يبلغ حوالي السنتين، عرفت هذا بالصدفة، ربما في ديسمبر، أيام امتحانات الكلية النهائية التي يحتاج المرء فيها إلى تضييع وقته بشدّة بعيداً عن كتب الدراسة. في غالب الأمر كنت اتصفح الفيس بوك بكسل، حين خطرت ببالي فكرة العودة لقراءة بضعة مدوّنات مفضلة لي، كنت أضعها في مجموعة واحدة على الهامش الجانبي لمدونتي التي لم أعد أكتب فيها تقريباً، قررت أن هذا سيضمن لي قراءة هادئة تلك الليلة. هناك متعة خاصة بالتحديد في اعادة القراءة، تختلف تماماً عن فكرة الاستمتاع بقراءة نص يتعرّف عليه المرء لأول مرة. أن يقرأ المرء ما سبق أن قرأه، واعتبره هو بنفسه جميلاً، هو أمر يشبه مقابلة مدرسّ الثانوي المفضل صدفة في الشارع. لا حاجة للكلام الكثير، فقط سؤال سريع عن 
الأحوال.
كنت متعباً، وخائفاً من الامتحان المقترب بسرعة، وخائفاً من كونها آخر سنة في الجامعة، وأنه يفترض بي العمل بعد عدة شهور، ولم أكن قادراً على قراءة شيء جديد، بدا خيار اعادة القراءة ممتازاً. كنت أريد أن اقرأ وأنا أعرف كيف ستسير الأمور، بدلاً من نص غريب عني.

تدوينة دينا الهوّاري الجديدة حرمتني من استعادة الذكريات، بدت مدونتها بهذا الشكل نشازاً وسط المدونات الأخرى التي زرتها قبل ذلك، والتي تم تحديث أغلبها آخر مرة منذ سنتين على الأقل.. قرأت التدوينة. ثم ابتسمت.. البشر لا يتغيّرون تقريباً.

(2)

اكتشفت عالم المدوّنات الموازي في مرحلة مبكرة نسبياً، اول سنين الكلّية، 2006، أول مرّة اعاين فيها التعليم الجامعي المصري بكل تجلّياته ذات الرائحة الكريهة. لم أكن أمتلك وصلة انترنت في ذلك الوقت، لهذا كان السايبر هو الوسيلة الوحيدة للدخول على الشبكة.. انهي يومي في الجامعة_وقتها كنت مواظباً على الحضور كطالب مجتهد لم يكتشف الخدعة بعد_ حوالي الساعة الرابعة، ثم اخرج غاضباً، ومنهكاً إلى الشارع.. امشي من الجامعة إلى السايبر متسائلاً عمّا أفعله بالضبط..

من يسأل ماذا كنّا نفعل قبل الفيس بوك بالتأكيد لم يمرّ بمرحلة المدوّنات العظيمة. لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يعيش حياة طبيعية، دون أن يعرف (أبو الليل).. شخص يكتب تحت هذا الإسم المستعار مدوّنة إسمها (يا خي أحه).. كنت أدخل المدوّنة وأنا خائف من أن يراها صاحب السايبر. في هذا الوقت، كان الرجل قد بدأ في التحول لسلفي صميم، وبالتالي يعتبر نفسه مسئولاً عن المحتوى الذي يتعامل معه الزبائن، بإعتباره صاحب المكان، وهو الذي يقوم بتوفير الخدمة لنا مقابل مبلغ من المال. كان يشرح هذا بصوت عالٍ في كل مرّة يضبط فيها شيئاً لا يعجبه على أحد الشاشات، سواء كانت مادة إباحية أم لا، مكرراً لنا أنه ليس على استعداد لدخول جهنّم بسبب مجموعة من العيال الذين اكتشفوا شارباً أخضر اللون في وجوههم فظنّوا أنفسهم رجالاً، كان من الطبيعي كل فترة أن تسمع الصراخ والشجار في المكان ثم الجملة الأشهر في تاريخ هذا السايبر، والتي تتكرر كل مرّة: "والله أنا لقيت دي ظهرت لي، مش أنا اللي فتحت الصفحة"، ثم شجار آخر لطرد المتلبّس من المكان، وشجار ثالث من أجل استرداد المال، لأنه كان يجبر الجميع على دفع الساعة مقدّماً، ونقوم بتجديدها دورياً. 

مدوّنة أبو الليل كانت شيئاً لا يمكن وصفه، كم غير طبيعي من السخرية واللماحة والذكاء، سخرية من حسني مبارك، ومن ممتاز القط، ومن مقاله عن طشّة الملوخية التي يشكو فيه من كون حسني مبارك محروماً من أكل الملوخية لأن أعباء الرئاسة ثقيلة، ومن لوحات فاروق حسني التي يبدو أن بها علامات لا يراها إلا المتبصّرون، و قصائد النثر التي لا يفهمها أحد، ومن نفسه حين يكتب هو الآخر نصوصاً لا يفهمها أحد،  كل هذا مع قدر كبير من بذاءة اللسان شديدة الذكاء، كنت أضحك بهستريا وأنا اقرأ لأبو الليل، وبشكل مكتوم محاولاً عدم لفت نظر صاحب المحل..

بقيت كلمة (أبو الليل) نوعاً من نادٍ سرّي، أعضاء لا يعرفون بعضهم إلا من خلال هذه الكلمة، في السنة الثانية من الكلية، قلت كلمة "أبو الليل" وسط مجموعة كبيرة من الناس، فضحكت واحدة من أكثر الشخصيات خجلاً التي عرفتها في حياتي، ثم كتمتْ الضحكة مباشرة حين نظرتُ لها بإندهاش. صمدتْ هذه الصداقة بالذات رغم تفكك غيرها على مدار سنوات الجامعة الطويلة.

(3) 

قليلون من عاصروا المدوّنات، أقل منهم من عرفوا المنتديات.. أيام الاعدادية الهادئة، والسفر الأول حين يقرر رب الأسرة أن يتحرك إلى دولة من دول النفط.
 منتدى روايات، واكتشاف أن بالإمكان التعرّف على أشخاص يقرأون نفس ما تقرؤه أنت. كان المنتدى مجموعة من الناس التي قررت ان تجتمع في مكان واحد، لأن لهم اهتمامات مشتركة تتعلّق بالقراءة بشكل عام، وبقراءة سلاسل روايات مصرية للجيب بشكل خاص، نبيل فاروق وأدهم صبري في بداية الأمر كما هو المعتاد، ثم الابتعاد عن هذا العالم الساذج إلى عالم أكثر تعقيداً بشكل نسبي، أحمد خالد توفيق، ورفعت اسماعيل.


بدا المنتدى في هذه الأوقات بمثابة المكان الوحيد الذي يمكن للمرء فيه أن يتحدث في أشياء تهمه فعلاً، عن الكتب، عن الروايات، عمّا يفعله أبطال الراويات هذه، عن الحبكات.. عن مواعيد صدور الروايات القادمة.


هل تعرف الأطفال الذين لا يفعلون شيئاً غير القراءة؟ والذين ينحصر برنامجهم أيام العطلة، ونهاية الأسبوع في نشاط وحيد هو المزيد والمزيد من القراءة؟ العنصر الأهم في حياة هؤلاء هو الوحدة في غالب الأمر، وسط عالم المراهقين المهتمين بكرة القدم بالتحديد، أو بصيحات الموضة و(الآي-شادو) يبدو الاهتمام بشيء كالكتب انتحاراً، واعلاناً عن عدم صلاحيتك له.. عالم شديد القسوة، يرى في النظّارة أصلاً ما يستحق السخرية، ويسحق كل بادرة ضعف .. ما فعله هذا المنتدى هو أنه وفّر مكاناً لاجتماع كل هؤلاء، وليصبح بإمكانهم الكلام عن هذه الاشياء التي يفعلونها، وأن يكتشفوا_بذهول حقيقي_ أن هناك من يفعل ما يفعلونه تماماً.. يخبيء الروايات في كتب الدراسة، ويسترق الساعات من أجل مغامرة جديدة لأدهم صبري، أو حذلقة مضحكة للعجوز رفعت إسماعيل.

(4)

ثم أن الفيس بوك جاء ليفتن الناس عمّا كانوا فيه..
من قال أن الانترنت يتّسع مع الوقت؟ الواقع أنه يضيق بسرعة شديدة، وكل واحد يصبح بإمكانه أن يراقب الآخر بسهولة شديدة..
الفيس بوك يتحول إلى وحش هائل يلتهم كلّ شيء، ويجعل نفسه في المركز. السفينة الأم، كل شيء مهما كان، له اتصال بالمركز.. لو قرأت مقالاً في مجلّة درجة ثالثة على الانترنت، واعجبك، يمكنك بسهولة أن تقوم بترشيحه لأصدقاءك على الفيس بوك.. ترجوك المجلّة في الواقع أن تفعل.. أن تدخله إلى وحدة المعالجة المركزية عبر ثغرتك هذه.

(5)

كنت قد بدأت في اكتشاف المدوّنات السياسية، في نفس الوقت الذي استعان فيه صاحب السايبر بفتاة لمساعدته في العمل، بدا هذا غريباً من كافة الأوجه، كلامه عن المراهقين الفرحين بشواربهم الخضراء، والنار والبنزين، كان متعارضاً تماماً مع وجود الفتاة، التي عرفنا فيما بعد أنها في بداية عامها الأول في الكلية، مثلي تماماً. بدت لطيفة، بملامح شديدة الهدوء، وجيبة شديدة الضيق لا تتغيّر. مسئوليتها الأساسية كانت اطفاء الاجهزة غير الشاغرة من أجل التوفير في الكهرباء، التي كان صاحب المحل مهووساً بها، واضيفت مهام البوفية إلى عاتقها دون اعتراض كبير منها بعد بداية عملها بفترة بسيطة. ومنذ اللحظة الأولى اثبتت أنها ليست فريسة سهلة، تشاجرت في يومها الأول مع فتى كان يريد رقم هاتفها، وآخر رفض دفع ثمن الساعة مقدماً، وتحرّك للجلوس على جهاز لا يجلس عليه أحد، وهي_أمام عيني المذهولتين_ أمسكت بالكرسي ودلقت الفتى على الأرض.. تم استيعاب المشكلة سريعاً، والفتى التهم كرامته سريعاً مقابل عدد ساعات مجّاني ترضية من صاحب المكان، لكن الحدود بقيت واضحة منذ اللحظة الأولى.


التعديلات الدستورية قد تم تمريرها، ومبارك يستعدّ لفترة حكم جديدة، بدأت في القراءة بشكل أوسع، غير مهتم بالسياسة بشكل خاص، وغير مهتم بالمدوّنات السياسية تلك تقريباً، محاولاً البحث فقط عن حكايات وسطها. أثناء هذا تعرّفت على مدوّنة عمرو عزت، بدا عمرو منخرطاً بشدّة فيما يفعله، واثقاً تماماً مما يستطيع فعله، عرفت أنه ترك الهندسة، وبدأ في دراسة الفلسفة، يكتب عن كل شيء، السياسة وغيرها، وحتى السياسة التي كان يكتبها كانت شخصية تماماً، كان هذا خطاباً مختلفاً اتعامل معه للمرة الأولى، السياسة بإعتبارها مساحة للعب، ليست مكاناً للديباجات القومية المملة، ولا للشعارات السياسية البلهاء بشكل عام، فقط مساحة لفعل كل ما نستطيع فعله، محاولين رفع السقف بإستمرار، لا لشيء إلا لكي نتسلّى أكثر.. اختلاف هذا الخطاب يكمن بالتحديد في كونه لا يقول "من أجل غد أفضل" كما يقول المنخرطون في السياسة، السياسيون تماماً، لكنه يقول أن "علينا ان نوفّر مساحة أكبر للعب، وأن نقاتل من يمنعنا عن ذلك". وكان هذا مناسباً لي تماماً، حتى الآن، أنا غير مهتم بالسياسة أصلاً، فقط أريد مكاناً آمنا، ومناسباً للعب.
بهذا يصبح النزول في مظاهرة بها عشر أفراد أمراً لطيفاً، العشر أفراد لن يجيئوا بغد أفضل، لكنهم سيربكون المستنقع الراكد هذا، وينعمون بساعات من اللعب في الشارع.

(6)

على عكس مدوّنات ذائعة الصيت مثل مدونة (حواديت) لرحاب بسّام، كنت شديد التعلّق بمدونة دينا الهوّاري، ما كانت تكتبه رحاب كان على درجة كبيرة من اللماحة والذكاء بالفعل، لكن مدونة دينا الهواري كانت تملك شيئاً مختلفاً، درجة الشجن هذه التي يمكن التقاطها في تدويناتها، كلامها عن أصدقائها، ونصوصها التي لا يوجد فيها تغيّرات درامية كبيرة ملفتة للنظر، على العكس تماماً، كانت تكتب بلا بداية ولا نهاية تقريباً، وتكتب عن كل شيء بنفس الطريقة، وبشكل عادي، كل هذا كان يقول الكثير عن روح طيّبة يصدر عنها كل هذا. انسانة معيّنة لها عالم ربما لا يكون ملوّناً ولا مثيراً للإهتمام من النظرة الأولى، لكنه هاديء تماماً، ولطيف، كل هذه كانت أشياءاً تجعلني في انتظار ما تكتبه دائماً. 

عندما قرأت آخر نص وضعته في المدوّنه، تذكّرت مباشرة تدوينة أخرى كتبتها هي منذ فترة طويلة، عدت لأرشيف المدوّنة ووجدت أنا تتحدث عن نفس الشيء، بفارق أربع سنوات: "أنها تشعر أنها قد كبرت"! كانت تعتبر نفسها كبرت منذ أربع سنوات..
هي الآن أم، لها طفل عنده 3 سنوات، وهو مازال يكبر، لم اعرفها يوماً بشكل شخصي، لكني كنت سعيداً بشكل غير مفهوم لأنها بخير، ولأنها تتقدم في حياتها بهذا الشكل..

(7)

تحوّل السايبر إلى محل عطور، إسمه (حامل المسك) مقتبس من حديث نبوي شريف كتب نصّه بالكامل على لوحة كرتون أمام المحل. غلق المحل تدور حوله الكثير من الأساطير التي لا أعرف مدى صحتها تماماً، لكن هناك كلام عن أن الرجل ضبط الفتاة في المطبخ مع فتى في ثالثة ثانوي، أصيب بلوثة وهو يرى أشنع كوابيسه تتحقق أمام عينيه، وحطّم بنفسه كل الأجهزة التي كان يرى أنها السبب في فتح عيون المراهقين ذوي الشوارب الخضراء على المسخرة.
صاحب المحل(الذي طالت ذقنه بشكل ملحوظ) كلما رآني أعبر أمامه في الطريق، لابد أن يوقفني، يسلّم علي، ويخبرني أنني كنت ولداً محترماً، وعمري ما فتحت حاجات عيب، وها أنا ذا في كلّية محترمة.. رأيته في يوم 28 يناير بعد الصلاة ونحن نتحرّك في أول مظاهرة أخرج فيها في حياتي، وقال لي أنني يجب علي العودة لأن هناك بهدلة ستحدث الآن، وأنني في كلية محترمة، قلت له : "ميتين أم الكليّة المحترمة، ارحم أهلي"
آخر مرّة رأيته فيها، قلت له أنني لم أكن مؤدبّاً تماماً يعني، كنت افتح مدوّنة إسمها (يا أخي أحه)، ابتسم بوّد وقال لي: "بس إنت كنت محترم، غيرك كان بيفتح سكس، الكلام المكتوب مش زي الفيلم برضة، يمكن عشان كدا بقيت بتنزل مظاهرات"

(8)

العب لعبة غريبة هذه الأيام، أتحدّث عن أبو الليل الذي لا أعرفه، اسأل محدّثي: " سمعت عن أبو الليل؟" وغالباً ما يسألني إن كنت أقصد فيلم كتكوت.. لكنني أحدّثه عن المدوّنات، وعن الفرصة العظيمة التي اتيحت لنا لقراءة شيء شديد الجمال والخفّة بعيداً عن أعين النصوص المترهلة المتناثرة، التي كانت تحاصرنا في كل مكان. بداية من الصحف، نهاية بنشرات الأخبار..
عرفت بعدها أن أبو الليل أصيب بالعمى، وتوقف عن الكتابة. لا أعرف عنه حالياً أي شيء ، لعله بخير، عليه السلام..





Wednesday, September 19, 2012

نظريات المؤامرة الممتعة: كيف يمكن للمرء أن يصنع كيم كارداشيان في ثلاث خطوات؟



لماذا يعرف الجميع من هي كيم كارداشيان؟ 
ليس هذا حتى سؤال القيمة المعتاد الذي يطرحه منتقدو الأجيال الجديدة..
 في هذا النوع من الأسئلة تُطرح عادةً فكرة أن البشر مهتمون بما لا يجب عليهم الاهتمام به، وأنهم مخطئون في تحيزاتهم وتفضيلاتهم.. في الغالب يضيف السائل جملة مثل : "قارن بين شعبية لاعب الكرة/ أي فنان، وشعبية عالم من علماء الذرة مثلاً".. كل هذا ليس هو الموضوع الأساسي الذي يلفت النظر..ما اعتبره غريباً أن كيم كارداشيان مشهورة أصلاً، بصرف النظر عمّا تفعله بالظبط، حيث أنها في الحقيقة لا تقدم أي شيء للجمهور على الاطلاق !
ظلّت هذه الفتاة لغزاً بالنسبة لي(عرفت أنها تمثل لغزاً لكل من يعرف بوجودها حتى)، إنها لا تقوم بأي شيء له أي معنى أو قيمة، سواء اختلفت أو اتفقت مع هذه القيمة، هي ليست ممثلة أو مطربة أو رياضية، كل حصيلتها في الحياة فيلم جنسي تم تسريبه إلى الأنترنت، وأنها كانت صديقة العديد من نجوم المجتمع، و برنامج ينتمي إلى تلفزيون الواقع حقق شهرة لسبب آخر غير مفهوم، مع أنه يتحدث عن حياة شديدة الاعتيادية إلى درجة الملل.. فقط !
لكل هذا من الصعب فعلاً فهم المبرر الذي تحولت بسببه كيم كارداشيان لتصبح شهيرة لهذه الدرجة.. في الواقع أعتقد أن هذه الفتاة ليست هي طرفاً في المعادلة أصلاً، ولا تعود شهرتها إلى شيء معين فيها، أو شيء تقدمه للناس، المهم هنا أنها ببساطة تم وضعها كعنصر في آلة اعلامية ضخمة، قامت بتحقيق مكاسب خيالية عن طريق تحويلها من مجرد فتاة لا تختلف عن أي فتاة أخرى إلى (كيم كارداشيان) السوبر ستار !
لو لم تكن هي لكان غيرها ببساطة.

العالم في قبضة توفيق عكاشة 
 بلا وجه مقارنة حتى، يبدو لي أن توفيق عكاشة هو أنجح اعلامي في مصر خلال الفترة الماضية، مرة أخرى، هذا نجاح غير مرتبط بقيمة ما يقدمه "النجم" بأي شكل من الأشكال..
قبل ظهوره المدوي، كان توفيق عكاشة صاحب قناة لا يعرفها الكثيرون، مجرد قناة أخرى ضمن الباقة التي يتركها الناس في أسفل قائمة الريسيفر دون اهتمام، بعد أن يقوموا بترتيب قنواتهم المفضلة، لم تكن تقدم شيئاً مختلفاً عن قنوات أخرى أكبر، وتملك نجوماً على قدر من الأهمية مثل دريم والمحور مثلاً.. كل هذا تغيّر تماماً بعد الثورة بقليل، توفيق عكاشة الذي لا يشاهده أحد، تحول بقدرة قادر إلى "الاستاذ توفيق عكاشة الاعلامي القدير".
التحول المفاجيء لم يكن غريباً لو تابعنا نوعية الخطاب الذي استخدمه "الاعلامي القدير"، فعلى عكس القنوات سالفة الذكر التي تحوّلت من المعارضة المستأنسة لنظام مبارك، مروراً بمحاولات التهدئة أيام اشتعال الثورة، وانتهاء بالتأييد للطرف المنتصر، وبالتالي فقدان ثقة العديد من المشاهدين الذين رأوا التحول هذا غير مفهوم، كان توفيق عكاشة يقدّم خطاباً واضحاً لا لبس فيه، يحاول التشكيك بكل طريقة ممكنة في الثورة الوليدة، واعتبارها مؤامرة خارجية، أو جزء من خطّة ماسونية(الكلمة التي استخدمها كلبانة لفترة، ثم سرعان ما لفظها سريعا)، أو على الأقل التركيز على فكرة أن الناس خرجوا للمطالبة بمطالب مشروعة (حسب التعبير المباركي) لكن تم استغلال هذه الاحتجاجات لتهديد أمن مصر، تمهيداً لاحتلالها من كل خلق الله بدءاً بإسرائيل نهاية بالكائنات الفضائية في كوكب المريخ
كان عكاشة يظهر أحياناً بمشاركة فتى نحيل، يعمل كمطرب درجة خامسة اسمه أحمد سبايدر، كل حصيلته قبل أثناء الثورة كانت عدداً من الفيديوهات على اليو تيوب، تثير الشفقة أكثر من الضحك.
كيف تحول توفيق عكاشة إلى نجم جماهيري خلال هذه الفترة الوجيزة؟ ما هو المبرر؟ الاجابة من جديد  ليست في توفيق عكاشة نفسه، الاجابة كانت في حاجة الآله الاعلامية _التي كانت بالكامل في قبضة المجلس العسكري وقتها_ إلى وجه جديد نسبياً، يمتلك قدرات تجعله قادراً على التواصل مع الـمواطنين غير المسيسين (وعكاشة كان يملك قدرات ممتازة بالفعل، طريقة الكلام والتعبير، واستخدام لغة بسيطة تماماً، مع اندفاع في القول)، ويقبل التعاون معاهم بشكل كامل، من أجل عملية تشوية ممنهجة ودقيقة للغاية لثورة كانت وليدة وقتها ولا تملك القدرة على الرد الاعلامي المماثل.
يمكن القول أن كيم كارداشيان وتوفيق عكاشة، يشتركان_رغم اختلافهما_ في كونهما أدواتاً بالمعنى الحرفي للكلمة، ذراعاً لمؤسسات تقف خلفهم، تستخدم آله اعلامية قوية وذات تأثير نافذ بهدف خلق نجم من العدم.

شكراً بن لادن
المعلومات المتوافرة عن الفيلم المسيء متناقضة في مجملها، لكن المؤكد منها هو ما يهم معرفته بالضبط:
أولاً: الفيلم تم انتاجه منذ شهرين، تحديداً يوليو 2012، وتم عرضه في قاعة سينما بهوليود، لم يشاهد أحد الفيلم إلا كراسي القاعة ! السينما كانت خاوية تماماً من أي كائن حي. ثانياً: اختفى الفيلم من الوجود تماماً، ليظهر هذه الأيام بالتحديد.
يبدو هذا مماثلاً لسيناريو مماثل لانتخابات رئاسية سابقة للولايات المتحدة، عام 2004، و  جورج بوش يبدو أنه سيخسر أمام خصمه جون كيري، الذي يعد بالعديد من التغيرات في السياسة الأمريكية الخارجية، عندها يظهر بن لادن (أو يتم تسريب التسجيل أيهما أقرب) ليعترف بأنه المخطط لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وليتوعد الأمريكيين بالمزيد والمزيد، انتهى التسجيل، عاد جورج بوش ليصبح قائداً للأمة من جديد، جون كيري أصبح شخصاً يريد أن يقفز على مقعد السلطة في وقت حرج من تاريخ الوطن.

 هل نظريات المؤامرة للسذج فقط؟
هناك حكاية قديمة عن راعي الغنم الذي كان يصرخ كل فترة على سبيل التسلية : "الذئب، الذئب"، فيهب أهل قريته لانقاذ اغناهم، فلا يجدون شيئاً، ولكنه حين يشاهد ذئباً _حقيقياً_ أمامه هذه المرة ويصرخ: "الذئب الذئب" حقاً هذه المرة، يتكاسل أهل قريته عن نجدته لأنهم يتوقعون أنه كاذب.
أعتقد أن هذا ينطبق بشكل كبير على نظريات المؤامرة، تم انتهاكها بالغباء البشري المستمر حتى فقدت كل معنى لها، رغم أن طبيعة الأمور في هذه الحياة هي التآمر لا العكس. الفارق هو الشكل الكارتوني الذي يتوهمه البعض لمفهوم المتآمر.. حيث انه لا يجلس بالضرورة في كهفه يعدّ خططه ويفرك يديه تحت ذقنه. يمكنه أن يفعل ذلك ببذلة أنيقة، وفي غرف مكيّفة مغلقة في أي وكالة انباء تبث برامجها للعالم بأكمله.
لهذا ليس من الخطأ أن يتحلى المرء بقليل من الشجاعة، ليقول أن ما حدث خلال الفترة الماضية، غير مريح على الاطلاق، ولا يبدو منطقياً، وهناك أيضاً حقيقة أن الاشتباكات بدأت بالتحديد في الدول التي نشبت فيها ما يُطلق عليه ثورات الربيع العربي، ليبيا وتونس ومصر، مما يجعل الأمر بالنسبة لي غير قابل للبلع بسهولة. اللعب على عواطف الناس، واستثاره الحمية  ليس بالأمر الصعب في نهاية الأمر خصوصاً عند أمّه لم تقدم الكثير منذ فترة طويلة، وبالتالي يمكن اللعب على شعورها بالنقص بسهولة تامة.
لا يعني هذا على الاطلاق تبني نظرية توفيق عكاشة باعتبار كل ما يحدث تدبير ماسوني، لكنه يعني أن نمعن النظر فيما يحدث بالضبط لفهمه على الأقل، وبالتالي تحديد كيفية التعامل معه.
النقطة الأهم بالنسبة لي في كل الأحداث الماضية، معاينة حقيقة أن الأعلام تحول إلى آله منفصلة جبارة. تُـقدّر ميزانية السي إن إن مثلاً (التي لم يتم الكشف عنها بشكل واضح حتى الآن) بميزانية عدة دول، نحن نتحدث عن وحش عملاق في خدمة مموليه، الذين لا يصعب تحديدهم حين يفكر المرء في المستفيد من الأحداث السابقة.

"اميتوا الباطل بعدم ذكره"
تداول الكثيرون في الفترة الماضية، هذه العبارة منسوبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي تبدو لي في الواقع وسيلة شديدة النفع في مواجهة وحوش اعلامية عملاقة ، لا نملك مواجهتها في مواقف كهذه إلا بتجاهلها تماماً، ليس من قبيل السلبية في التعامل، ولا التلقّي دون رد، لكن الأمر يكمن في وجوب التمييز بين ما الذي يستوجب الرد عليه، والوقوف في وجهه، ومقاومته بكل وسيلة ممكنة، وبين ما يجب أن يتم تجاهله تماماً، وتركه يأكل بعضه بعضاً كالنار. أي : ترك الكلام قاصراً على المتكلم دون المتلقّي.. ليس هذا كلاماً وعظياً أو محاولة تحويل الأمر لخطبة جمعة، لكنه محاولة تطبيق ما يسمونه في المنطق بكسر الدائرة المفرغة.
** ** ** **
كان يمكن أن تكون كيم كاردشيان الآن نادلة في مقهى متوسط الفخامة في كاليفورنيا، تعمل اثني عشرة ساعة في اليوم، لولا أنها استطاعت اغواء مطرب آر آند بي ، وتسجيل فيلم جنسي معه، بعدها تسرّب الفيلم بعدها إلى الانترنت (هناك شواهد عديدة تقول أن التسريب كان متعمداً بالكامل)، حيث التقطتها وحوش صناعة الترفيه هناك، لتجعل منها أسطورة لا نفع لها على الاطلاق إلا جلب الأموال بشكل لا يتوقف.  يمكنك تطبيق نفس الفكرة(باختلاف النتيجة المطلوبة) على كل شيء، بدءاً من توفيق عكاشة، وأحمد سبايدر، نهاية بالفيلم المسيء.


Tuesday, May 29, 2012

لماذا يجب على الواحد أن يتوقف عن قراءة الكتب المهمة


في النهاية، لن تبقى الا الاشياء التي فعلناها بلا نيّة مسبقة، دون تخطيط مبدئي أو تفكير فيما يجب أن تكون الأمور عليه، في النهاية سيبقى الارتباك الأبله المرتجف، والنظرات المختلسة، والمراقبة من بعيد، محاولة التفكير في شيء شديد الذكاء لقوله، ثم لوم النفس بعنف على الكلام الأخرق الذي ينتج كل مرة.

كل شيء بعد هذا، يتساوى بأي شيء آخر 

Tuesday, April 17, 2012

يوميات الباطنة - متولي


عندما قام متولي من مكانه على الكرسي البلاستيك البنّي، وذهب إلى اللاب توب ليغير الأغنية، لم أعلق. حتى عندما اختار الأطلال، وسألني إن كنت أريد الاستماع إليها، رفعت رأسي عن الكتاب، وهززتها سريعاً، كنت أود أن أقول له أن بامكانه اختيار أي أغنية يريد طالما سيصمت ويتوقف عن الحديث عنها، ويذاكر..

هنالك حكمة من اختيار أم كلثوم يا متولي، أعرف أنك تعرفها طالما لم تبتعد عن أم كلثوم في اختياراتك طوال الليلة، يستعينون على المسافات الطويلة بأم كلثوم عموماً، هي تناسب الرحلات بين المحافظات التي تستهلك أكثر من ساعة، الانتظار الطويل الممل الممتد، ومذاكرة الباطنة مثلاً. أثناء ولادتي يا متولي_لم أحك لك هذه الحكاية قبلاً_ استعان أبي بأم كلثوم، لم يستطع مقاومة القلق على الولادة المتعسرة لأبنه الأول، تلك التي كادت تودي بأمي، فترك المستشفى بما فيها، وذهب إلى السيارة الفيورا الصغيرة التي كان يملكها آنذاك، واستمع لشرائط أم كلثوم بالكامل في كاسيت العربة البائس..

لا بأس يا متولي، فلنستمع إلى الأطلال، أينعم أنت منعت عنّا عدّة أغاني مشرقة، وأنا شخصياً كنت في انتظار انت عمري، لكنك قاطعت رقّ الحبيب، لتسمع نحيب قلبك صادراً من حنجرتها ، لكن لا بأس طالما ستتوقف عن الكلام عنها..

كنت أذاكر الملاريا، وأفكر أنّها حالة حزينة، فكّرت أن أقول هذه الملاحظة التي اعتقدت أنها ذكية، لكنني حين نظرت لوجهك الأصفر، قلت أنني سأنتظر حالة أخرى سعيدة أخبرك بها، هي نفس الفكرة يعني في النهاية، الفرق فقط في الشعور الذي ينتقل من الحالة.. يمكنني أن أخبرك الآن على كل حال أن الملاريا حالة حزينة يا متولي.. يا الله.. حمّى تهدأ، لتبدأ من جديد في سلسلة ملعونة لا تنتهي، يشعر المريض بالبرد، ودرجة حرارته تتجاوز الأربعين، ثم يشعر بنار الله الموقدة بعد ساعتين، حيث يجب تصريف الحرارة هذه بشكل ما، وبعدها يا متولي، ينام متعباً، لتبدأ السلسلة هذه من جديد، وأما العلاج فيؤدي إلى هلاوس نفسية! قلّي هل هناك ما هو مثير للحزن أكثر من هذا؟

نعم.. هناك ما هو مثير للحزن أكثر ، ابتسم بشفقةٍ الآن، أعرف أن هناك ما هو أكثر..

منذ نصف ساعة بالظبط، وبينما تغني أم كلثوم شيئاً ما لا أذكره عن الأمل، نظر متولي للسقف طويلاً، وقال بحسرة:"المفروض مكونش هنا على فكرة" ..
المفروض ألا يكون أحد منّا هنا يا متولي في الحقيقة، المؤكدأننا كان يمكن أن نكون في كل مكان إلا هنا، نذاكر الباطنة يا متولي، كان يمكن أن أكون على شاطيء البحر أبلل قدمّي بالماء المالح، أو أمشي في مظاهرة أهتف فيها بسقوط واحد من أولاد الحرام الذين يتكاثرون ذاتياً، أو حتى أنام، أنام فقط.. أو اشاهد فيلم شجرة الحياة الذي أريد مشاهدته منذ سنة ونصف، هل هذا صعب؟ قل لي بصراحة يعني، هل هذا صعب؟
لكن المعضلة وجودية بالأساس، أنت هنا تفعل شيئاً ما، لأنك لست موجوداً في مكان مختلف تفعل شيئاً آخر. أنت تذاكر الباطنة وتترك الفتاة التي تحبّها تتزوج الآن، لأنك هنا، ولست هناك.

لم أقل لك أي شيء من هذا، لأن الوقت قد أزف، لا وقت للبكاء يابني، الامتحان بعد يومين، هناك ثلاثة كتب يجب انهاؤها في يومين، يوم ونصف بالتحديد، ونحن لم ننجز شيئاً منذ ساعات لأنك تستمر بالتحدث عنها يا متولي، منذ خمس دقائق مثلاً حين دقّت ساعتك الكاسيو الرقمية بنت الكلب، أن الساعة قد وصلت للسابعة، نظرت للسقف ثم قلت لنا في حزن: "زمانه بيأكّلها الجاتوه دلوقتي". وأكملت:" ويمكن يبوس راسها كمان"
لا أعرف ما الذي تريد الحياة أن تخبرنا به، حين تختار الفتاة التي تحبها، أن تتزوج قبل امتحانك بيومين، آسف، يوم ونصف.. لكنني على كل حال، لا أجد وقتاً والله يا متولي للبحث عن سبب يعني، البحث عن سبب سيستغرق وقتاً، والحالة الواحدة في الكتاب ، تستغرق حوالي ثلث ساعة، يعني هذا أن أمامنا حوالي 8 ساعات مستمرة بلا انقطاع، دخول الحمام يا متولي.. دخول الحمام يا مؤمن، أصبح الآن مشكلة، فما بالك بالبحث عن الحكمة وراء الأحداث..

على كل حال أنا لم أعلق بكلمة حتى بدأت أنت باستدعاء ابيات لنزار قباني، هذا مبالغ فيه يعني يا متولي، اعرف انك حزين، وانها تأكل الجاتوة من يد شخص غيرك، وربما كذلك يقبل رأسها، التي أصبح من حقّه وضع شفتيه عليها، بعد كتب الكتاب، ولكن ماذا تنتظر منّي حين اسمعك تعيد رأسك للوراء وتقول بشجن : "مابين امرأة ودّعتني، وامرأة سوف تأتي، أحبكِ أنتِ".. لهذا، لم أحتمل، فقاطعتك لأقول لك: "ارحم ميتين أبونا بقا يا متولي، وذاكر، الامتحان فاضل عليه أقل من 48 ساعة".. وانت سمعت الجملة، وحزنت.. أعرف هذا، لأنك صمتّ، ووضعت رأسك في كتابك ولم تنطق بكلمة طيلة بقية الجلسة..

لم اتبادل معك حديثاً آخر، خرجت إلى البلكونة، لاستريح قليلاً، وشعرت بالنمل يسري في قدمي وأنا أقف لاول مرة منذ فترة، وضعت كوب الشاي بجواري، واشعلت سيجارة، وبدأت أنظر للشارع في حكمة..

شعرت بالذنب مباشرة مع اول دفعة دخان خرجت من انفي، كان يجب أن أتركك تكمل القصيدة يا متولي، لم يكن عليّ مقاطعتك بهذا الشكل، أن أقول لك ارحم ميتين أبونا، لأن الوقت لم يعد يسمح بقصيدة بائسة، لكن ماذا أفعل؟ الامتحان بعد يومين، يوم ونصف بالظبط.

فكّرت أن الطب حزين بشكل عام، واننا نحارب طواحين الهواء، وكل هذه الأفكار التي قرأتها أنت وسمعتها ألف مرة في ألف مكان، وانك طبيب جرّاح، قلوب الناس تداويها في الوقت الذي قلبك فيه مجروح جداً، وهذا سخيف أن ينطبق عليك أغنية لأبو وديع، لكن لا بأس يا متولي.. لا بأس..
ثم شعرت أن سرطان الشعب الهوائية مرض محترم.. اعني انه لا يأتي إلا حينما تشرب سجائر بمعدل ٍ كثيف، كما أفعل الآن يعني، ليس حزيناً كملاريا تأتي بلدغة ناموسة تافهة، وتؤدي إلى حمّى لا معنى لها، ثم علاج يؤدي إلى أمراض نفسية مصاحبة، سرطان الرئة يضعك أمام اختيارين يعني، لو فعلت كذا، فانت في طريقك لكذا، ولم لم تفعل، فأنت لست على الطريق.. هذا جيد يا متولي. رغم كل شيء يعني هذا جيد..
أريد أن أعيش أكثر يا متولي، رغم أن الحياة مؤلمة، ورغم أنك نموذج أمامي أراه يذاكر الباطنة بدلاً من وضع الجاتوه في فم حبيبته، وتقبيل جبهتها، إلا أني أريد أن أحياً أكثر_ولو قليلاً حتّى_ وحتى لو لم أقبل جبهة حبيبتي، أو أضع الجاتوة لها في فمها_وهذا شيء رخيص جداً يا متولي لكن لا بأس سنتغاضى ليكتمل المجاز _وأن أشاهد فيلم شجرة الحياة. ولهذا، وبلا مقدمات والله، قررت أن ألقي بالسيجارة في الشارع المظلم أمامي، دون حتى أن أحتفظ منها بتذكار آخر نفس .. وشاهدتها تهبط بحرية ثم تتهشّم على الطريق لعدة قطع مضيئة..

في الشارع المظلم، الذي ألقيت فيه السيجارة، والذي أمشي فيه الآن عائداً إلى بيتي، لأنام ساعتين واستيقظ لأستكمل المذاكرة، فكرت أني كان يجب أن أقول لك قصيدة ما، وأن أقول لك أن قصيدة نزار جميلة..
لكن لا بأس يا متولي.. لا بأس.. لا تحزن.. في نهاية الأمر كل شيء سينتهي يا متولي والله ، أنت ستفنى، وأنا كذلك، وكتب الباطنة، وهي، وجبينها الذي يتم تقبيله الآن، كلنا سنفنى، سنتلاشى، حتّى قطعة الجاتوة سيتم تدويرها لتستقر في النهاية كجزء من لحاء شجرة، وفيلم شجرة الحياة سينتهي أيضاً، إذا كانت البني آدمين بتموت يعني يا متولي..

كان يجب على الزمن أن يتوقف يا متولي، كان يجب عليه أن يتوقف لفترة، تحزن فيها كما تشاء، وتبكي، وتتوقف عن المذاكرة دون أن أقول لك ذاكر،  وتقول شعراً لنزار، و ننتظرك لتنتهي من بكائيتك، التي ستسمع فيها الأطلال ألف مرة، وأثناء ذلك تتوقف القطط عن الموت تحت عجلات السيارات المسرعة، لتربّت على كتفك، وأن تعتذر منك الفتاة حتى ترضى، وتسمح لها بالزواج. وتتوقف الملاريا عن اصابة الناس لفترة لأن هذا حزين يا متولي.