Monday, May 26, 2014

يقيّدني كل دمع أراه

بسم الله الرحمن الرحيم
عناوين الأماكن والأيام

على الطريق الرمضاني

طيوف الجنة والكوثر

الحمد لله كثيراً

ولدت في الوطن الأخضر

1 ـ أسبّح كلّما عادت الأيّام

2 ـ وكلّما أخذت العهد
3 ـ وكلما قَبِلتني العتبات سميراً
4 ـ وكلّما أُطْلِقْتُ مع البلابل من أقفاصها
5 ـ وكلما آنس الليل ضميره
6 ـ وكلما سال الجوّ بأعناق الطير
7 ـ وكلّما قيل أقدم يا صلاح الدين
8 ـ أسبح تسبيح طين وماء
9 ـ دبيب النمل في الأرض، دبيب النور في نبضي
10 ـ أسبّح كلما أطعم القوم يتيماً ذا مقربة
11 ـ يقيّدني كل دمع أراه
12 ـ النل يسبّح في كبدي
13 ـ طفرة أبدية
14 ـ أسبّح تسبيح الهاتف المُلبّي
15 ـ ومليح الشيب يسقي عطاشى الليل
16 ـ ويرى الطريق إلى الصلاة صلاة
17 ـ كل من فيها اهتدى
18 ـ يا أهل ودّي
19 ـ ظلاً هنا وظلاً في أرض النبي صلّى الله عليه وسلّم
20 ـ أُسبّح كلّما وَصَلت حلقات الذكر أوطان العرب
21 ـ وديار بكرٍ خاشعات في الندى
22 ـ الحمد لله كثيراً
23 ـ قرأت "فيمكث في الأرض"، و"العمل الصالح يرفعه"
24 ـ أسبح والليل حنانٌ مطرد تتوسطه هذي الكبِدُ
25 ـ قتيل السراج من الفاتحين
26 ـ والفجر وراء نخيل هجر
27 ـ وإن قيل تاه وضلّ وصار الوحيد الأذل
أنا وكل الناس هذا الوحيد
28 ـ أنا الرجل العبّاد والأثر الذي
أقامته أجيال من الفقراء
29 ـ أمشي هناك على الجسر
في دورة الفلك المصري
يشدو بملحمه الجِذر
طيرٌ على الغصن مولّه

والحمد لله أولاً أخيراً



(فؤاد حدّاد - مفتتح ديوان 'طيوف الجنة والكوثر')

Thursday, May 8, 2014

وقال بسم الله، ولم يقل بالله

وقال "بسم الله" ولم يقل "بالله"، على وجه التبرّك بذكر إسمه عند قوم، وللفرق بين هذا وبين القَسَم عند الآخرين، ولأن الأسم هو المُسَمّى عند العلماء، ولإستصفاء القلوب من العلائق، ولإستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان، ليكون ورود قوله "الله" على قلبٍ مُنقّى وسرٍ مُصَفّى. وقوم عند ذكر هذه الآية، يتذكرون من الباء (بِرّه) بأوليائه، ومن السين، سرّه مع أصفيائه، ومن الميم منّته على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سرّه، وبمنّته عليهم حفظوا أمره، وبه سبحانه عرفوا قدره. وقوم عند سماع بسم الله، تذكّروا بالباء براءة الله سبحانه من كل سوء، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعزّ وصفه، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه، وعند السين سناءه، وعند الميم ملكه، فلما أعاد الله سبحانه هذه الآية، أعني بسم الله الرحمن الرحيم، فل كل سورة، وثبت أنها منها أردنا أن نذكر في كل سورة من إشارات هذه الآية، كلمات غير مكرورة، وإشارات غير معادة، فلذلك نستقصي القول ها هنا، وبه الثقة

مفتتح تفسير سورة الفاتحة (لطائف الإشارات_ الإمام القُشيري)

Saturday, April 26, 2014

الضاد_ فؤاد حدّاد

منقولة بالتخصيص لمحمد المصري، ولفضل، ولكتاب فؤاد حداد، المستقر من ساعتها في جيب شنطة لابتوب سوداء، عليها خط أحمر كنت بكرهه، لكني دلوقتي بشوفه في الفتارين أزعل،  يومها رحت أشرب شاي، وملحقتش ارجع لها الميدان قبل الفضّ.

برّدت آخر ليالي الصيف
واحنا لسه في أوله يا ولاد
قلت بُشرة عيّطت لي البنت
لمّا جاني حِسّها أطّمّنت
زي ما تكون الحياة ذكرى
بافتكر من قبل ما استغرب
جنب عيني كل ما بيجْرَى
ظلّي رابط رجلي وبيهرب
الكلام دا قلته آدي سنين
قبل صفحة عند حرف السين
في مكان تاني مكان واحد
والصباح والصبر متّاخد
شيخ فؤاد بيشحت المُحسنين
نونو هانم عيّطت لي البنت
الحكيم آمر بحقنة بنج
القمر محمول على الأعواد
شقّرت بشويش على المنْدَرَه
ليلة ما بيقلقش فيها الضيف
ليلة من آخر ليالي الصيف
لسه ما بطّلتش الإنشاد
ما بقيت فالح أقول يا تَرَى
والزمن يعمل كأني اتهاونت
أو دخلت الحرب لما اتهادِنْت
أو جميل فارس طويل النجاد
قافيتي ليلى وباغنّي لهند
الكَفن مضموم بلا فتله
ليه يا ليل اخترت دي الموته
والشهيد هربان من الموضه
ما فيهاش حرّية واستشهاد
الكفن دمّور وبفته رخيص
والّا أبيض غالي ومعقّم
بكره عندك وقت للتمحيص
خد بسرعة اقطع لي منه الضماد
لو نعيش تقطع لي منه قميص
كل من أجحم ومن أقدم
يلتقوا في توبي وتوب الجماد
كل شيء أسرع من التخليص 
افتكرت الليل وما استولى
الفزع على مُهجتي أو لا 
افتكرت النور دخل في الرماد
كنت بطفل بروح شقيّة وشابّ
كنت شيخ بعيون وبُقّ وقلب
دُبت في الغزليّة، والعَسَليّة
والرغيف البيتي والسوقي
والليمونة الدايخة والمثاليّه
في الجهات البكر الأصلية
دُبت زي الشمس في الأحماض
كل بيت واقف ما لهاش عماد
والّا عينك ما بقتش قويّة
قبل من ضرب الرصاص والبطش
الفقير مغلوب بصنعة لطافة
وبكمال المنطق المُحْكَمْ
والسيوف مشروعة بالأغماد
لا أريد الآن أن أُلقم 
غير هذا المرّ والعلّقم
يا جميع الناس بلا تفريق
ما نَبَت مني وثَبَت في الأرض
وارتعش في الذاكرة والزور
واستجدّ في ملحمة شهرزاد
واختلف بالحقّ عمّا أراد
وانهزم بالدور ومن تاني
لو جري وما جريش وردّ الجراد
ما سألش في حلم حقّاني
كل شيء في مكانه من ناحية
بكره والّا ناحية امبارح
يا تاريخي من تاريخ الضاد
واحتكام العقل للأضداد
واحتكام العدل بعد العقل
ما علينا من القياس والنقل
نمّلت أطرافي بالخُضْره
والنجوم بيقولوا زي النمل
أصبحت أندر من النُدْره
حتّى في الروضه وفي الغوطه
ليه يا ليل اخترت دي الموته
والشهيد هربان من الموضه
ما فيهاش حرّية واستشهاد
قلبي صامد ضد كل اضطهاد
قلبي ما بيصمدش للاضطهاد
يا لسان الضاد معلّمني
ومهاديني من المَهَا والمهاد
النخيل رفع الدَرَج لابني
زيّ حلم بيجري ع الشاشة
والطيور طارت لكل البلاد
والطيور عشريّه عشّاشه
هل بكت على غنصها الميّاد
أم ليالٍ طيّبات الأيادْ
عودة الأيام والأعياد
طبطبت ع الفرشة في المندره
أم ذهول الشاعر اللي انبرى
للبراح والبحر والقبّره
والحمام خد بعضه مرّة وزَقَل
نفسه مرّه بسجع مره بزَجَل
كان بيتثبت وبيتزغلل
من وجود الصخر والمَيّه
من تماثل عبله وسُمَيّه
مرّة بين المَرْوَحه والعَجَل
قلبي كان أسرع من الشنفري
كنت أنا الفارس وأنا الصعلوك
كنت في الغزلان صياح الديوك
قُل لَهُمْ والبَاقِيات تهلّلْ
منشداً في الحضره لو يسألوك
لا محاله إني كعب زهير
مش موظف في صباح الخير
لسه فاكر عندما أَمْسَيْنَا
في مُزَيْنَه نُغَنّي بانت سُعاد
لسّه فاكر لما نادت بثينه
فين مُحيّانا اللي ولّى وعاد
فين مكانه من زوايا القمر
والحبال والرمل والأوتاد
والمعونه اللي بعتها عُمر
قلب زين العابدين ودّاد
قال ما غَرََبْنا وغَلِّبْنَا
إلا أن نفقد حبابينا
وانحدر دمعه يعاتبنا
الجناين كلها سجّاد
لسّه ما بطّلتش الإنشاد
الجناين كلها مسموعي
يا يَمن يا عُذْره يا أنجاد
يا ربيعه محمّلينّي الزاد
المقيم ولا المسافر جواد
اللي بيرقرق وبيغرّق
مفصولين عن بعض في دموعي
لو تحبّوا الحق مش مفصولين
إفهموني بالدلع والسيم
والبروجي في ساعة التسليم
الجناين كُلّها قُرّائي
في شعاع من رؤية الطغرائي
الجناين كلها ابن زريق
ساعة ولا اتنين محدّش عدّى
والحجر صايم فطر واتغدّى
والقمر والشمس عانوا المخدّه
تحت راسه مالقوس: إلّاهِيّه
القصيدة الأولى والمستحيّه
الأخيره بتشبه المنتهيّه
بتناديني تقول لي يا حدّاد
إوعي بس تقول على لساني
إوعي بس تقول على شاني
كانوا كل الطيّبين أوغاد
قلت لجل الحقّ في المحضر
عند باب البوّابين الاخضر
كانوا فاكرينه بيتقلّب
قرّبوا يهزّوه وما صحيشي
من سماء الظُهر والمغْرب
للسَحَر ما سمعش توحيشي
ليه يا ليل اخترت دي الموته
والشهيد هربان من الموضه
ما فيهاش حرّيه واستشهاد
والعصا يا حضرة الخوجه
قاعده تحت التينه والخوخه
فُك عنّي الحيّة والأصفاد
جاي أزور الأهل والاحفاد
يا ترى فيها عِبر تُستفاد
والسعيد يعرف يشوف بعينيه
إن أول بيت في مرآتي
إن أول بيت نسجت عليه
هذه الضادّيه كان الآتي:
"معجزة من معجزات الضمير
المعرّي بالضرورة ضرير"
كل أدان الفجر متسرّقه
كل ألحانه اللي متشوّقه
كل أحلام الشفق والشقا
فتح عَرَبي منوّر الميادين
وابن عَرَبي شاعراً ما يَدَين
إلا بالحب الأمين والجهاد
الأمين ع الحُبّ في الدنيا
يا رقيق النور على العالمين
يا مقام الحق للمسلمين
افتكر انت الهلال البدر
افتكر آخر ليالي القدر
افتكر رضوان، لأن القمر
لونه من زمزم وحبّ العيون
والقلوب البابليّه اختمر
التفت لي وقال لي يا مجنون
قول لي إسمك إيه وإيه القضية
قلت إسمي بالضرورة فؤاد
قلت هاتوا الفجر والجلّاد
يقطعوا إيدي اللي متوضّيه
توّي سارق جنّتي من مصر
توّي سارق مصر من الجنّه
توّي باني الكوخ كأنه القصر
"ريش نعام لفحه الهوى غنّى"
حتى ما خدّتش عليه الأجر 
إلا أحلام الشجر في الفجر
ف الأدان نوّر سطوح العصر
كُلّ أصحابي اللي كانوا بُعاد
اللي كانوا قُدام وكانوا جداد
اللي اخضر من شباب الخَضرْ
منقولين م الجنّه بالمسطره
مقلوبين حرّية واستشهاد
طبطبت ع الفرشه في المندره
ليله ما بينفعش فيها النوم
كنا بنحقق تاريخ اليوم
والّا باستعجل خيال الطيف
برّدت آخر ليالي الصيف
وإحنا لسّه في أوّله يا ولاد.




Saturday, October 5, 2013

لا يدوم اغترابي

نجحت بشكل ما خلال الفترة الماضية في تثبيت عدد معيّن من العادات، وسيلة مقاومة بشكل ما لكل تغيّر مستمر يحدث دون سيطرة مني في كل ناحية، والاستعانة على قضاء الحوائج بالمشي لأطول فترة ممكنة، والسعي لروتين اسبوعي كل جمعة، الوجود في السلطان حسن مثلاً قبل الصلاة، كلام لطيف موصول عن مقدمة ابن خلدون، صلاة الجمعة في الأزهر، المشي بعدها، قدر ما استطعت، في القاهرة القديمة، حتى لو مكانش عندي مزاج أو رغبة في النزول من البيت أساساً، هدّة الحيل طوال النهار، ثم انهاء اليوم سريعاً، والاستعانة بتكرار الأحداث على اليوم الذي يليه.. كلها محاولات لتمرير الأيام، والبحث عن علامات ثابتة.
الشارع الذي وقع عليه الاختيار في رحلة العودة اليومية من العمل، هو تقريباً أقدم الشوارع في المنطقة المحيطة، يقال إن شجر الشارع يعود إلى مئات السنين، من بداية التأسيس نفسها، بعضه تم قطعه لأنه بدأ يضايق بيت مدير الأمن، لكن أغلبه موجود.. طريق المشي اليومي هناك شديد اللطف، ويسمح بإن وداني تسمع صوت خطواتي دون تشويش، وهو الأمر الذي اكتشفت إنه لطيف فعلاً رغم إني كنت بستسخفه في البداية.

النهاردة شفت ولد وبنت ماشيين قدامي في الشارع الفاضي تماماً في عز الصهد، وبدلاً من تجاوز بركة المياة في وسط الشارع، الناتجة عن خرطوم مهمل على جانب جنينة، بدلاً من العبور بجواره ببساطة، الولد وقف قصاد البركة متوسطة الاتساع، ومد إيده للبنت، وهي ترددت للحظات وهي بترفع طرف الجيبة، لكنها في النهاية تركت له يدها، وسندت عليها وهي تأخد خطوة واسعة، كأنها في سبوع.. المعتاد إن رد فعلي بيكون حاد نوعاً ناحية أشياء من هذا القبيل، السخرية سلاح مهم طبعاً، التراب المتراكم على القلب، والقسوة غير المقصودة ناحية أفعال شديدة البساطة والخِفة، لكن أقابلها بدرجة من العنف. الاستخفاف مريح.

واحد من أهم الأسئلة المستمرة معايا من زمان، هو سؤال التمييز بين المعنى وبين الشيء نفسه، شيكسبير عبّر عن كل هذا سابقاً، بجملة تقريرية يؤكد فيها إن الدال والمدلول شيء واحد، وإن الوردة ستظل وردة حتى لو لم نطلق عليها اسماً ما. الفكرة دي مريحة نسبياً، وتسمح بدرجة من خلو البال، والاطمئنان لسير الأمور، بغض النظر عن موقع البني آدم كمراقب، لكنها في نفس الوقت أصبحت مريبة بالنسبة لي، أحياناً خادعة، واطمئنانها زائف.

مع الوقت تكوّن انطباع عندي، بإن هدف الفلسفة النهائي، هو خلق نسق ما، بغض النظر عن كنهه، المهم إن كل عناصره تكون مرتبطه بالعناصر المجاورة، ويستطيع الواحد مشاهدة الصورة النهائية لهذا التشكيل. يمكن لهذا السبب بالتحديد أحب نيتشه، وزين الدين زيدان، أنا مش من متابعي الكرة بإخلاص، لكن من فترة، كان مجموعة من صحابي بيتكلموا عن لحظات توقف فيها الزمن تماماً بالنسبة لهم.. وكل واحد منهم كان بيحكي حكايات شديدة الشجن والقسوة، أو الجمال والخِفة.. 
اللحظة اللي فكرت فيها تلقائياً، وبشكل غير مفهوم، كانت لحظة طرد زين الدين زيدان من كأس العالم، بعد نطحتة العظيمة لمتايراتزي.. فكرت بالتحديد في إنه لا توجد نهاية لمسيرة مثل مسيرة زيدان، أجمل من نطحة بهذه الدقة والقوة.. لحظة مثالية للخروج عن النص، تحطيم النسق بالكامل، واللعب في مساحة خيالية كأنه بطل خارق لا يهتم بشيء.
عشان كدا بعتبر الحَج البرنس "بلا مرأة بلا خرا" واحد من أبطالي الخارقين.. لأنها لحظة تحطيم نسق كامل بجملة واحدة، كل شيء مُعد حوله، ضيف سبقه، مذيعة وكاميرا وميكروفون، وسؤال عن ترشيح المرأة للبرلمان، وكل شيء يدفع ناحية إنه يتكلم في الموضوع، والبشر غريزياً يميلون لتنفيذ صورة الآخرين عنهم، خصوصاً لحظة تسليط كاميرا عليهم، عشان كدا الناس فجأة بتقرر تتكلم بطريقة غريبة جداً أول ما تعرف إن التلفزيون يصوّر، تكلّف كامل في اللغة والحركة، لكن البرنس يتجاهل هذا كله، "أنا عايز أتكلم في الأتوبيس أهم".. وفجأة ! تأسست سردية جديدة، بهذه البساطة ! تفاصيل ممتدة عن الحر والشمس، والناس في الشارع مش عارفين يركبوا الأتوبيس، بدلاً من دخول جدال ممتد حول الترشح من عدمه، وهل هو قرار خاطيء أم مناسب، هو لأنه برنس قرر الخروج تماماً عن النسق الجاهز له. يمكن يكون ترشيح المرأة للبرلمان مهم، ويمكن ميكونش، الجدل نفسه هنا مش مهم. والبؤس هنا يكون بؤس محاولة التعبير عن شيء آخر، ربما لم يتم الوصول له بعد، لكن من المعلوم بالضرورة أنه موجود.. أيهما أكثر ابهاراً على كل حال؟ هزيمة بطل العالم في الشطرنج مثلاً، أم ضربه بالقلم قبل الهزيمة، وقلب الطاولة كلها؟ نطحة عنيفة في الصدر بعد شتيمة..

أقرب أنبياء الله لي، هو النبي موسى، وعلى عكس كثير من أولو العزم من الرسل، معاناته كانت مرتبطة بشيء غير واضح، شيء في تكوينه هو الشخصي، ليس مرضاً كأيوب مثلاً، أو محنة سجن كيوسف، موسى يحمل مأساته بالكامل في نفسه، عبّر عنه القرآن بجملة: "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني".. وهي اسوأ لحظات البني آدم، تكوين فكرة ما، وعدم القدرة الكاملة على الصياغة والتعبير في شكل.. مهما كان الشكل. لهذا السبب "قال رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وأحلل عقدة من لساني"..

المقارنة قائمة وبشكل مستمر بالنسبة لي، في قصيدة مشهورة جداً لـ"ييتس"، شاعر أميركي عظيم، يقف وحبيبته أمام بركة ماء، لكنه بدلاً من أن يستغل الفرصة كشخص حكيم، لإمساك يدها للحظات مختلسة، يعترف لها بعدم قدرته على وضع معطفه على الأرض أمامها، لأنه فقير، ويضع بدلاً من هذا المعطف أحلامه.. يطلب منها أن تطأ على أحلامه برفق. 
نفس الفكرة تقريباً، وبدرجة وضوح أكبر حتى، في الجملة الشعبية العظيمة: "حبيبي ماشي حافي/ والأرض بتلسعه/ يا ريتني كنت شبشب/ كنت أقدر أنفعه".. المعنى واحد تماماً هنا، لكن الوردة مختلفة. أميل للثانية بالمناسبة، بحكم الاستخفاف وتراب الأيام وخلافه، ولأن الطين حقيقي. 

يا رب، أيها القادر على كل شيء، كيف ينصلح حال القلب بأشياء كهذه..

Sunday, July 21, 2013

عزيزي نيتشه.. كل عام وأنت بخير.

 أردت فقط أن أعلمك بأنني، وبصدقٍ كامل، حاولت محاربة الوحوش، دون أن أتحول إلى مجرد وحش آخر.. وأتبعت إرشاداتك العامة، بعدم التحديق إلى الهاوية، والإكثار من الصلاة على النبي، و لكنني فشلت على ما يبدو في مهمّتي الوجودية. والآن، يصيبني الغم كلما نظرت إلى وجهي في المرآة، ورأيت الحراشيف التي أصبحت تخفيه، وكلما نظفت عيني الواحدة في منتصف رأسي بعناية، الصداع الآن أقل بعض الشيء مما كان، لكنه مُركّز. عزيزي نيتشه.. يبدو أنني سأتوقف عن الحرب، وأجلس بجوار أمي لأسمع منها مشاكل الحياة اليومية، وأختلس لحظات في البلكونة، أقطف الملوخية معها وهي رائقة المزاج، محاذراً ألا أخيف الأطفال في العمارة المقابلة..

 يورز سنسيرلي..

Saturday, April 20, 2013

بانت رشا


كنت متأكد والله

رشا رزق، أغاني الكارتون، رفيقة المراهقة، والساعات المختلسة أمام التلفزيون قبل النوم، أو ساعة الغداء، أو عندما تنتهي من واجب المدرسة مبكّراً، وطبعاً: الأجازة بالكامل، وكذلك حب عارم من طرف واحد، لفتاة لم أرها إلا الآن..

أتذكر دائماً بيت شعر لأدونيس، وهو شاعر سخيف بالنسبة لي إلا أن بيت الشعر هذا، بالتحديد، شديد الجمال للأسف، وبشكل استثنائي، يقول فيه أن :

لفتاتها تَخزُ
وجفونها وَتَرٌ وأغنيةٌ
صيفيّةٌ ، وقميصُها كرَزُ .

عموماً من السيء أن يحب المرء بيت شعر لشاعر يكرهه، هذا السوء يماثل في حدّته، بهاء اكتشاف صباح وجه فتاة كنت تحب صوتها فقط، متقبّلاً مصير حب كهذا ببصيرة لا تهتم بأي شيء زيادة..

بوجه تظهر فيه نغزة بسيطة قرب زاوية فمها اليمنى، وطابع حسن في منتصف الذقن، ولمن ينتمي طابع الحسن إن لم يكن لرشا؟
من هذه الزاوية، أول شيء يتم تمييزه بعد ذلك هو لمعة العين تلك، ضحكة بسيطة تجعل الصورة كاملة، ساعة الساعد الأيسر، وخاتم يحتل مكانه في أصبع طويل ممتد كخطّ مستقيم..

الذراع اليمنى ترتفع للأعلى، واليسرى للأمام، بعض خلق الله لا يحتاج وجودهم إلى زوايا، حيث كل حركة لهم، تمثّل قوساً يُكمل ما يليه..

يمكن كذلك ملاحظة حركة الأصابع، الحركة التي لم تتوقف، طبعاً، في اللحظة التي توقّف الزمن فيها لحظة التقاط الصورة، من حضر رشا يومها، لابد أنه رآها وهي تطرقع بأصبيعها في كلتا اليدين، مستجيبة لإيقاع لحن ما.. ما حصلنا عليه كان مجرد تلميح فاتن..

رشا، إسم الظبي

بصوت كهذا، كان بإمكانها أن تغزو العالم، لكنها بدلاً من ذلك، قررت أن تغنّي لمجموعة من الأطفال لا يتجاوزون الخامسة عشر، مفضّلة أن يكون عرشها من الألعاب والحلوى، يعلوه طلاءٌ برّاق من ورق تجليد دفاتر المدرسة..