Tuesday, August 18, 2009

فيلم فرنسي قديم


عزيزتي العزيزة :

دون خوف من السقوط في فخ التعميم .. وهو فخ شديد الخطورة ، يمكن أن يؤدي إلى إنهيار فرضية كاملة , مكتملة المعالم ، بكل بساطة لو تم اكتشاف هشاشة الأساس الذي ترتفع بفضله . ودون أدنى قلق من الوقوع في فخ التحذلق اللطيف ، وهذا الفخ مشكلته الوحيدة إن المتحذلق لا يلاحظ أبداً أنه كذلك .. يمكنني أن أشرح لك في ثلاث ساعات علاقة فيلم رد قلبي بمقررات الثانوية العامة ، ولكنني هنا أخاطر أن تشعري في أي لحظة أنني متحذلق ، والصفة هذه من المستحيل تقبل أي شيء من أي شخص يحملها ..
محاولاً ألا أخاف ، يمكنني يا عزيزتي أن أقول بكل بساطة أن البشر على وجه الكرة الأرضية يمكن تقسيمهم إلى قسمين ، واحد يتبع القائمة الأولى ، وآخر يتبع القائمة الثانية .. إذن و بغض النظر عن ما يتم تقسيمهم على أساسه ، لا يوجد من يقف وحيداً بصدره في المنتصف ، ويسمي نفسه في معسكر الوسط . ربما تخمنين الآن سبب كرهي للسادات . الحالة الوسطي هي سخف مقام على الأرض بأيد بني البشر . وهو فساد في البر وفي البحر أن نكذب على الأطفال الصغار الأبرياء ، قائلين لهم أن يكونوا في حالهم وأن يقفوا لا مع هذا ولا ذاك .. بهذا نرتكب جريمة في حقهم ، لأن ومهما كان شخص المنتصر أو نوعه ، أو آراءه في الحياة ، سيقوم بضربهم على قفاهم .. والألعن أنهم ، وللأبد سيشعرون بالظلم ، لأنهم لم ينتموا للمعسكر الخاسر ، وهذا هو المبرر الوحيد بالنسبة لهم (وهذا صحيح نسبياً بصراحة) لكي يضربوا على القفا ، لكنهم يتجاهلون حقيقة أنهم لا ينتمون إلى المنتصر أو المنتصرين ، وبهذا يصبح من حقه أو من حقهم أن يعلّموا عليهم . ميزة المهزوم في هذه الحالة الوحيدة ، هو أنه البني آدم الوحيد الذي يخسر كرامته ، وهو يعرف تماماً لماذا ..

عزيزتي العزيزة :
اعذريني لو انسقت خلف دماغي ، واعذري الكلام الذي يبتعد بي تماماً عمّا أريد قوله تحديداً ..
ما كنت أود قوله ، هو أن البشر يتم تقسيمهم إلى فئتين على الدوام .. مثلاً :
هناك من يربون الظفر الأصغر في أيديهم ،يمثلون القسم الأول ، ومن لا يربون الظفر الأصغر معنا على الناحية الأخرى ..
يمكننا تعقيد الأمر قليلاً ، نتيجة تساؤل بشري مشروع ، عن اليد ، إن كانت يمنى أم يسرى ، وهو تساؤل مشروع تماماً كما أوضحت لك ِ ، حسناً سنقول أن البشر يمكن تقسيمهم كالتالي :
هناك من يربون أظافر أيديهم ولنبتكر لهم أي أسم .. ربما يكون فريق الصقور مثلاً .. وتحت هذا العنوان الكبير سنضع عنوانين فرعيين : ونضع علامة على اليد التي يتم تربيه الظفر فيها .. وهناك على الناحية الأخرى من لايربون أظافر أيديهم ، ولنعطهم أسم الرائعون كعنوان كبير ، وهناك كذلك عنوانين فرعيين يختصان باليد التي يتم ارتكاب هذه الجريمة فيها .
ما رأيك الآن ؟ .. وجهه نظري تثبت نفسها : لا يوجد من يقبع في المنتصف .. انت إما تفعل أو لا تفعل . وببساطة لا يمكن الكتابة على الخط الفاصل بين طرفي المقارنة حتى لو أراد شخص ما أن يقبع في المنتصف .
سأتوقف الآن عن استخدام الأمثلة ، وسأقول الفكرة التي كان لابد من قول كل هذا الكلام للوصول لها ، وادخل في الموضوع مباشرة ودون تأخير .. حسناً .. كنت أقول أن البشر دوماً يمكن تقسيمهم إلى فئتين :
هناك من ينفجرون حين يتم استفزازهم .. يطلقون عليهم كذلك العصبيين ، وإن كان لفظ العصبي لا يعبر تماماً عن هؤلاء الأشخاص ، فيظل التعبير منقوص المعنى ، العصبي هو شخص تكون كل انفعالاته على درجة واحدة من الحدة .. في كل مرة سينفجر نفس الانفجار لو تعرض لنفس المؤثر الذي جعله يطلق العنان لإنفعالاته .. وهذا الشخص لا ينتمي للمقارنة التي أخبرك عنها . يمكننا نسيانه .
الأشخاص ذوي القابلية للإستفزاز هم من أتحدث عنهم .. وهم الذين يمكن أن تلتقط أسماعهم كلمة معينة فيبتسمون استحساناً لها ، وقد يستمعون لنفس الكلمة ، بنفس الحالة المزاجية السابقة ، ولكن الإختلاف الوحيد سيكون في طريقة قول الكلمة مثلاً ، أو _أنهم وياللصدفة !_ تذكروا شيئاً سخيفاً مرتبطاً بطريقة قول الجملة ، فيحدث انفجار كوني يشابه الإنفجار الكبير في بداية خلق الكون ..
هم غير عقلانيين ، لا ترتبط حالاتهم المزاجية بأي شيء له علاقة بالمنطق ، الحقيقة أنهم نقيض المنطق بكل أشكاله .. والحقيقة أنني أنتمي لهذه القائمة البديعة .. بصراحة أكثر ، لو أننا كونّا _معشر القابلين للإسفزاز _ مملكة مستقلاً نسكن نحن فيه فقط .. وجاء علينا هجوم المغول الذي لا يبقي ولا يذر ، وبعث المغول برسالة تهديدية يحملها رسول ملكهم .. وكانت مملكتنا المستقلة بلا رئيس (لأسباب سأحكي لك عنها فيما بعد) ، وسألنا رسول المغول بعربية ركيكة عن الشخص الذي يمكنهم _كمغول_ أن يتحدثوا معه ، وبدأ الجمع ينظرون إلى بعضهم البعض ، وإلى كرسي العرش الخالي تماماً من أي ملك (لأسباب سأحكي لك عنها فيما بعد) ، سأكون أنا من سيتقدم وسط الجمع لأقول للمغولي أن بإمكانه التحدث معي كملك ، ولن ينبس أحد من الجالسين بكلمة .. ليس لأنهم لا يريدون أن يكونوا ملوكاً ، ولكن لأنهم يعرفون أنني سأنفجر في الشخص الذي سيجرؤ على قول شيء مماثل ، أو أن يبدي تشكيكاً ولو ضئيلاً في صلاحيتي .. نعم .. وأكثر من ذلك بصراحة .. في الواقع أنا التعبير الإنساني الذي يمشي على الأرض للمثل الشعبي : "خدوهم بالصوت ليغلبوكوا" . أنا التجسيد الحقيقي لسيطرة جذع المخ على القشرة المخية نفسها ، انفعالاتي لا علاقة لها بأي سيطرة للإنسان على ذاته ، انفعالاتي هي سيطرة للبدائية بداخلي على التحضر الذي يتوارى في هذه اللحظات .. في أغلب اللحظات لو شئتِ الدقة . ولو كان جميع البشر يتحكم فيهم جذع أمخاخهم فقط في اللحظات التي تستدعي ذلك ، كرد الفعل المنعكس مثلاً ، الذي يظهر في لحظات معينة ، لا تحتمل انتظار القشرة المخية للتفكير فيها ، كإغماض العين مثلاً حين يتجه شيء ناحيتها سريعاً ، أو كما يلتفت الجسم كله حين يدوي صوت شديد العلو ، كنوع من محاولة الإنتباه لخطر قد يأتي من هذه الناحية ، وكلها أفعال تدافع عن وجود الكائن الحي .
وهو ما قد يعني أنني شديد الهشاشة أدافع عن نفسي ضد كل شيء ، لأن جذع مخي الفاضل لا يعترف بقشرتي ككيان قادر على الدفاع . وهو شيء ربما يكون صحيحاً ، لولا أنني سأكره نفسي جداً لو كان صحيحاً ، لهذا سأتجاهل كل هذا الكلام . وأطلب منك فعل المثل .
أنا ، بإختصار إذن ، أعيش برد فعلي المنعكس الذي قد تسيطر عليه قشرة دماغي أحيانا ً قليلة . وهو شيء لا أحبه ولا أكرهه ، هو شيء خلقت به .
كل هذا الكلام ، هو نوع من التقديم ، للكلام الذي أود قوله ، و هو ما يجعلك تخمنين أنني فعلاً خائف مما سأقوله ، لهذا أسلك أصعب الطرق إلى هذا .
بإختصار إذن .. ما حدث ، هو كالتالي :
كنت أنتِ في حالة شديدة السوء ، وكنت أنا كطفل أضاع أمه في سوق الخضار .. كل الموجودات حولي ، فجأة تتحول إلى أشباح مستعدة لإلتهامي في اللحظة التي أغمض عيني فيها .. وأغفل عنها ..
في هذه اللحظات التي تذهبين فيها إلى أرض الأشباح ، وكلمة أرض الأشباح هذه ليست من قبيل المبالغة ، أنا أكاد أرى المكان الذي تتجولين فيه في تلك اللحظات ، ومدى الرعب الذي تستشعرينه هناك . كلنا يملك أرض أشباحه الخاصة ، لكن أرضك أنت في دماغك ِ ، تحملينها معكِ طيلة الوقت ، ويبدو مجرد محاولة إبعادك عنها في الأوقات التي تكونين فيها من قبيل الأمنيات الطيبة .. لطيفة لكنها بلا تأثير ..
أردت أن أقول شيئاً ما .. شيئاً كنت شبة متأكداً من كونه ملطف عام ، ستضحكين ربما ، ستفكرين قليلاً وتقولين شيئاً شديد الروعة ، أو ستصمتين مفكرة فيه للحظات .. أي أنك في كل الحالات ستخرجين للتنفس الحر ولو قليلاً .
لكن كل هذا لم يحدث .. رد الفعل لم يكن ما توقعته ، رد الفعل كان مهيناً بعض الشيء : طلبت مني الصمت أو قول شيء مفيد .
سأوقف المشهد هنا لفترة لأتحدث قليلاًَ ..
سأحكي فقط قطعة من التاريخ حدثت منذ فترة ليست بالبعيدة .. ها أنا ممسك بسماعة التليفون ، أحادث صديقاً ، في موضوع لا يهم كثيراً أن نتذكره .. وها هو المشهد المعتاد الذي لم يعد يثير الدهشة : أبدأ في الإنفعال ، وتخرج مني الكلمات مزدحمة ، وكأنها تهرب بالمعنى الحرفي من الجحيم الذي بدأ في الإشتعال .. وهو لم يكن ذكياً ليدرك أن الانحناء حتى تمر العاصفة أمر شديد الفعالية للنجاة بحياته .. هو كان غبياً بعض الشيء ليطلب مني الآتي :
1) أن أحترم نفسي
2) أن أعرف جيداً أنني لا أكلم طفلاً في الحضانة
3) أنه لا يقبل مني هذا الأسلوب مطلقاً
وأنا في الحقيقة لم أستمع إلا لأول طلبين ونصف .. بمعنى أن أذنى لم تلتقط ما بعد كلمة ( يقبل ) ، وهذا حدث لسبب وجية ، أنني أغلقت الهاتف .. وضعت السماعة في مكانها مغلقاً الخط .
ما حدث بعدها أنه ملأ الدنيا صراخاً ، وحدثت عدة محاولات للصلح كانت مشكلتها الوحيدة أنني لم أكن مهتماً أصلاً بأي شيء ..
لماذا لا نقول الأمر بصيغته الحقيقة بدلاً من البحث عن الكلمات ؟
لو أن الأمر كله كان سينتهي بأن أقول له كلمة : "آسف" وهي كلمة تتكون من ثلاث حروف ونقطة ومد ألف ، وتستغرف أجزاء من الثانية لنطقها ، وكان هذا سيحل كل شيء ، ويجعل طيور الخير التي تسعى بيننا تعود إلى أعشاشها سعيدة .. فأنا لن أقول أي شيء .
سؤال استنكاري : هل ستتغير حالتك المزاجية لو زالت من كوكب المريخ جميع مرتفعاته الصخرية ؟ .. هل كنت تعرفين أصلاً أن كوكب المريخ عنده مرتفعات صخرية ؟ هل تهتمين أصلاً بالحالة المزاجية لكوكب المريخ ، وما إن كان مستريحاً في حياته أم لا ؟ هذا هو الأمر بالظبط .. ما حدث كله ، جعلني أدرك أن هناك _ياللعجب_مرتفعات صخرية في كوكب المريخ .. ولكن الخطوة التالية والتي تقتضي أن أهتم وأنفعل وأشياء من هذا القبيل ، هي أمور تحتاج لأن يكون المريخ في مجالي الكوكبي ، وهو أمر حدث منذ فترة بأقصى صورة منذ ستين ألف سنة وتخيلي أنه سيتكرر بعد مئتين وتسع وسبعين سنة .. وما يحدث أننا يمكننا رؤيته فقط . فقط أن نراه جيداً .
قد يبدو هذا متناقضاً مع سهولة الإستفزاز التي تحدثت عنها ، أنا لا أهتم بالكوكب صحيح ، لكنني كذلك ، لن أسمح لكوكب المريخ أن يبعث سكانه لكي يلعبوا في دماغي .
ملخص كل هذا الكلام : فليحيا جذع المخ . ولتتوار القشرة المخية ، لأن لا مكان لها .
فلنعد الآن للحظة الأصلية :
أنا سمعت ما تقولين وشعرت بالإهانة ، وأن ما حدث هو قفا معنوي شديد القوة ، له صوت كذلك .
ما "يفترض" به الحدوث الآن هو التالي :
سينتفض جذع المخ للإهانة ، سيصرخ كطرزان وسط الأشجار .. وينتفض مرسلاً سيلاً من الكهرباء إلى لساني ، وسيلاً مماثل التردد ، أشد في القوة إلى حنجرتي ، محركة أوتاري الصوتية . ولساني سيتحرك لكي يترجم صرخة جذع مخي إلى ترددات صوتية صادرة أساساً من الحنجرة ، وأنا يفترض أن أبدأ بقول كلام لا أميزه شخصياً ، عن أنني لا أقبل هذا ، وأن كلامي لا يمكن أن يتم معاملته بهذا الإستخفاف ، وأنني لا يمكن أن أسمح لأي شخص حتى لو كنتِ أنتِ (وهي جملة تبدو جميلة فعلاً) بأن يتعامل معي بهذا الشكل .
ولكن على أرض الواقع ، وبإستخدام الفعل الماضي ، فما "حدث" هو التالي :
كاد جذع المخ أن ينتفض لما يتصور أنه إهانة ، وأن يصرخ كطرزان وسط الأشجار ، وبدأ فعلاً في إرسال سيل من الكهرباء العصبية إلى اللسان ، واللسان بدأ في التحرك ، منتظراً فقط اللحظات التي تلزم عضلات التحدث في الإنقباض مفسحة المجال أمامه ، وأن ينفتح الفم مسافة تكفي ليخرج الصوت / الصراخ ، وأن تنتهي الأوتار من الإهتزاز الكامل .
لكن التصرف الذي فعله جذع المخ كان عكس كل هذا .. رد فعلي المنعكس يا عزيزتي ، كان أن أمسك اللسان ، ومنع أي سيالة عصبية بسيطة من الخروج .. طرزان إذن تصرف دون أهم أسلحته ، وتعلم أن عنده عضلات قد تكون أهم كثيراً من صوته . جذع مخي للمرة الأولى في حياتي ، تنحى .. مفسحاً المجال أمام القشرة المخية التي تسلمت الأمور ، مندهشة بالتأكيد ، ومنتظرة أن يعود الجذع في رأيه .. لكنه لم يفعل . وابتعد تماماً حتى اطمأنت إلى موقعها كمتحكمة تامة .
ما حدث في هذه الأثناء أنني فكرت في أنك الآن تعانين ، وأن الله لم يبعث بي لكي أكون فقرة جديدة من فقرات المعاناة والإيذاء ، وأنني _ببساطة _ لا أريد أن يحدث هذا .
ما حدث أنني أشفقت عليكِ من نفسي . وأشفقت على نفسي من إيذاء من لا يملك زمام نفسه . فابتسمت ، واعتذرت . رغم وجود أدلة يسهل توثيقها لإثبات حقيقة أني لم أخطأ لأعتذر ، ورغم أن هذا النوع من الإبتسامات اللطيفة _في نفس الوقت _ تناسب أكثر مشهداً من فيلم فرنسي قديم . والتي يتصادف أنني لم أكن يوماً ممن يهوونها .


Sunday, August 9, 2009

نصر صغير على الموت



الشعراء يموتون كذلك ، شأنهم بطبيعة الحال كشأن أي كائن حي .. شأنهم شأن الأسد والفراشة والقط والفأر حتى .. نشترك جميعاً في هذا التسلسل العجيب .. أن نولد فنحيا لبعض الوقت ، ثم نرحل بكل بساطة الكلمة ..
بصراحة ، أعتبر ذكر المسلمات بإعتبارها شيء يثير الدهشة ( كما أفعل الآن لو تلاحظ ) ، أن يصرخ شخص ما فجأة لأنه وضع يده على اكتشاف عظيم ، وهو أن الناس تموت ، شيء يستدعي الشفقة على الدماغ البشرية التي يحملها هذا الحمار ..
لكن الحقيقة أن موت محمود درويش ( مارس 1941 - 9 أغسطس 2008) فاجأني بالفعل .. ليس لأنه أتى فجأة ، أو لأنني كنت غافلاً فنبهني الموت وجعلني أظهر في المشهد التالي مغموراً بمياة الوضوء وحاملاً سجادة صلاتي ، كما يحدث في القصص الرديئة .
الحقيقة أن هذا أمر لا يختص بمحمود درويش نفسه ، ولو أن موته كان استثناءاً في كل شيء ، حتى في توقيته ..
لم أستطع التفكير إلا في أنني لن أقرأ له قصيدة تحمل وصف "الجديدة" .. سأتوقف إذن عن استخدام تعبير التجدد الذي كان يعشقه الرجل .. انتهى الأمر بكل بساطة الكلمة . لن تراه مرة أخرى في أمسية شعرية ينقلها لك التلفزيون حاملة على إحدى زاويتيها العلويتين كلمة :" مباشر " .. أصبح الوضع الآن موصوفاً بكلمة مقيتة وهي "الإعادة" لو كانوا رفقاء ، أو " مسجل " لو كانوا على درجة لا بأس بها من الفظاظة .
أكره الحديث عن الموت .. أكره الموت ذاته .. الأمر ليس أنني أحب الحياة (وأنا أحبها بالفعل) ولا لأني أخشى الموت (وأنا أخشاه بالفعل) ، الأمر أنني أكره الموت ببساطة لأني أمقت تبعاته ، وأمقت كلمتي " تسجيل " و "إعادة " اللعينتان .. أكره كون الجميع لا يتذكرون شخصاً إلا عندما يموت ، أكره احتفال مكتبة الإسكندرية بوفاة الرجل ، وأكره مشاهدة أفلام كثيرة ليوسف شاهين يوم وفاته ، وأكره كوني أكتب عن محمود درويش في يوم وفاته ، ربما في نفس الوقت الذي توفي فيه لأني لا أختلف في السوء عن أي من هؤلاء .. وأكره كوني أكره كل هذا لأني لا أستطيع تحديد الخطأ في الكلمتين أو الشيء الناقص في احتفالية مكتبة الإسكندرية ، ولا عرض التلفزيون للأفلام في ذكرى الوفاة .. أتذكر كلام التوحيدي عن أن " هناك ما يدور في الحواس ، يصعب أن تمثله الصفة " وأحاول تحديد ما يمكن أن أصف به كل هذا ، لكني أفشل ببساطة .
أكتفي فقط بالقول أنني حزين على وفاته ، وحزين أن ما يكتبه قد توقف على ما نملك الآن .. وآسف لأني لن امشي وراء أي رابط أراه في محركات البحث عن " قصيدة جديدة لمحمود درويش " لأنني أعرف أن هذا خبر قديم دون النظر حتى إلى التاريخ المجاور للخبر .
** ** ** **
هكذا تولد الكلماتُ . أُدرِّبُ قلبي
علي الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ ...صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي
ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ
إذا التقتِ الاثنتان ِ :أَنا ، وأَنا الأنثويَّة
ُيا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ
ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا
عواصفَ رعديّةً كي نصير إلي ما تحبّ
لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .
وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .
فأنت - وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ - لا شكل لك
ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً
أَنت حظّ المساكين /
من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراًمن الموت حبّاً
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً
لأدخل في التجربةْ !
يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه :هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ
فتسمعه العاشقةْوتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ
كالبرق والصاعقة
للحياة أقول : علي مهلك ، انتظريني
إلي أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي ...
في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع الهواءُ
الفكاكَ من الوردةِ /
انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي
فاُخطئ في اللحنِ /في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ
لنشيد الوداع . علي مَهْلِكِ اختصريني
لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ،وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :
تحيا الحياة !
علي رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /
حتي علي الريح ، لا أستطيع الفكاك
من الأبجدية /
(لاعب النرد .. محمود درويش )