Thursday, March 7, 2013

سايبر


(1)

في آخر أيام سبتمبر 2012، كتبت دينا الهوّاري في مدوّنتها..
الفارق الزمني بين تدوينتها تلك وبين التي تسبقها يبلغ حوالي السنتين، عرفت هذا بالصدفة، ربما في ديسمبر، أيام امتحانات الكلية النهائية التي يحتاج المرء فيها إلى تضييع وقته بشدّة بعيداً عن كتب الدراسة. في غالب الأمر كنت اتصفح الفيس بوك بكسل، حين خطرت ببالي فكرة العودة لقراءة بضعة مدوّنات مفضلة لي، كنت أضعها في مجموعة واحدة على الهامش الجانبي لمدونتي التي لم أعد أكتب فيها تقريباً، قررت أن هذا سيضمن لي قراءة هادئة تلك الليلة. هناك متعة خاصة بالتحديد في اعادة القراءة، تختلف تماماً عن فكرة الاستمتاع بقراءة نص يتعرّف عليه المرء لأول مرة. أن يقرأ المرء ما سبق أن قرأه، واعتبره هو بنفسه جميلاً، هو أمر يشبه مقابلة مدرسّ الثانوي المفضل صدفة في الشارع. لا حاجة للكلام الكثير، فقط سؤال سريع عن 
الأحوال.
كنت متعباً، وخائفاً من الامتحان المقترب بسرعة، وخائفاً من كونها آخر سنة في الجامعة، وأنه يفترض بي العمل بعد عدة شهور، ولم أكن قادراً على قراءة شيء جديد، بدا خيار اعادة القراءة ممتازاً. كنت أريد أن اقرأ وأنا أعرف كيف ستسير الأمور، بدلاً من نص غريب عني.

تدوينة دينا الهوّاري الجديدة حرمتني من استعادة الذكريات، بدت مدونتها بهذا الشكل نشازاً وسط المدونات الأخرى التي زرتها قبل ذلك، والتي تم تحديث أغلبها آخر مرة منذ سنتين على الأقل.. قرأت التدوينة. ثم ابتسمت.. البشر لا يتغيّرون تقريباً.

(2)

اكتشفت عالم المدوّنات الموازي في مرحلة مبكرة نسبياً، اول سنين الكلّية، 2006، أول مرّة اعاين فيها التعليم الجامعي المصري بكل تجلّياته ذات الرائحة الكريهة. لم أكن أمتلك وصلة انترنت في ذلك الوقت، لهذا كان السايبر هو الوسيلة الوحيدة للدخول على الشبكة.. انهي يومي في الجامعة_وقتها كنت مواظباً على الحضور كطالب مجتهد لم يكتشف الخدعة بعد_ حوالي الساعة الرابعة، ثم اخرج غاضباً، ومنهكاً إلى الشارع.. امشي من الجامعة إلى السايبر متسائلاً عمّا أفعله بالضبط..

من يسأل ماذا كنّا نفعل قبل الفيس بوك بالتأكيد لم يمرّ بمرحلة المدوّنات العظيمة. لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يعيش حياة طبيعية، دون أن يعرف (أبو الليل).. شخص يكتب تحت هذا الإسم المستعار مدوّنة إسمها (يا خي أحه).. كنت أدخل المدوّنة وأنا خائف من أن يراها صاحب السايبر. في هذا الوقت، كان الرجل قد بدأ في التحول لسلفي صميم، وبالتالي يعتبر نفسه مسئولاً عن المحتوى الذي يتعامل معه الزبائن، بإعتباره صاحب المكان، وهو الذي يقوم بتوفير الخدمة لنا مقابل مبلغ من المال. كان يشرح هذا بصوت عالٍ في كل مرّة يضبط فيها شيئاً لا يعجبه على أحد الشاشات، سواء كانت مادة إباحية أم لا، مكرراً لنا أنه ليس على استعداد لدخول جهنّم بسبب مجموعة من العيال الذين اكتشفوا شارباً أخضر اللون في وجوههم فظنّوا أنفسهم رجالاً، كان من الطبيعي كل فترة أن تسمع الصراخ والشجار في المكان ثم الجملة الأشهر في تاريخ هذا السايبر، والتي تتكرر كل مرّة: "والله أنا لقيت دي ظهرت لي، مش أنا اللي فتحت الصفحة"، ثم شجار آخر لطرد المتلبّس من المكان، وشجار ثالث من أجل استرداد المال، لأنه كان يجبر الجميع على دفع الساعة مقدّماً، ونقوم بتجديدها دورياً. 

مدوّنة أبو الليل كانت شيئاً لا يمكن وصفه، كم غير طبيعي من السخرية واللماحة والذكاء، سخرية من حسني مبارك، ومن ممتاز القط، ومن مقاله عن طشّة الملوخية التي يشكو فيه من كون حسني مبارك محروماً من أكل الملوخية لأن أعباء الرئاسة ثقيلة، ومن لوحات فاروق حسني التي يبدو أن بها علامات لا يراها إلا المتبصّرون، و قصائد النثر التي لا يفهمها أحد، ومن نفسه حين يكتب هو الآخر نصوصاً لا يفهمها أحد،  كل هذا مع قدر كبير من بذاءة اللسان شديدة الذكاء، كنت أضحك بهستريا وأنا اقرأ لأبو الليل، وبشكل مكتوم محاولاً عدم لفت نظر صاحب المحل..

بقيت كلمة (أبو الليل) نوعاً من نادٍ سرّي، أعضاء لا يعرفون بعضهم إلا من خلال هذه الكلمة، في السنة الثانية من الكلية، قلت كلمة "أبو الليل" وسط مجموعة كبيرة من الناس، فضحكت واحدة من أكثر الشخصيات خجلاً التي عرفتها في حياتي، ثم كتمتْ الضحكة مباشرة حين نظرتُ لها بإندهاش. صمدتْ هذه الصداقة بالذات رغم تفكك غيرها على مدار سنوات الجامعة الطويلة.

(3) 

قليلون من عاصروا المدوّنات، أقل منهم من عرفوا المنتديات.. أيام الاعدادية الهادئة، والسفر الأول حين يقرر رب الأسرة أن يتحرك إلى دولة من دول النفط.
 منتدى روايات، واكتشاف أن بالإمكان التعرّف على أشخاص يقرأون نفس ما تقرؤه أنت. كان المنتدى مجموعة من الناس التي قررت ان تجتمع في مكان واحد، لأن لهم اهتمامات مشتركة تتعلّق بالقراءة بشكل عام، وبقراءة سلاسل روايات مصرية للجيب بشكل خاص، نبيل فاروق وأدهم صبري في بداية الأمر كما هو المعتاد، ثم الابتعاد عن هذا العالم الساذج إلى عالم أكثر تعقيداً بشكل نسبي، أحمد خالد توفيق، ورفعت اسماعيل.


بدا المنتدى في هذه الأوقات بمثابة المكان الوحيد الذي يمكن للمرء فيه أن يتحدث في أشياء تهمه فعلاً، عن الكتب، عن الروايات، عمّا يفعله أبطال الراويات هذه، عن الحبكات.. عن مواعيد صدور الروايات القادمة.


هل تعرف الأطفال الذين لا يفعلون شيئاً غير القراءة؟ والذين ينحصر برنامجهم أيام العطلة، ونهاية الأسبوع في نشاط وحيد هو المزيد والمزيد من القراءة؟ العنصر الأهم في حياة هؤلاء هو الوحدة في غالب الأمر، وسط عالم المراهقين المهتمين بكرة القدم بالتحديد، أو بصيحات الموضة و(الآي-شادو) يبدو الاهتمام بشيء كالكتب انتحاراً، واعلاناً عن عدم صلاحيتك له.. عالم شديد القسوة، يرى في النظّارة أصلاً ما يستحق السخرية، ويسحق كل بادرة ضعف .. ما فعله هذا المنتدى هو أنه وفّر مكاناً لاجتماع كل هؤلاء، وليصبح بإمكانهم الكلام عن هذه الاشياء التي يفعلونها، وأن يكتشفوا_بذهول حقيقي_ أن هناك من يفعل ما يفعلونه تماماً.. يخبيء الروايات في كتب الدراسة، ويسترق الساعات من أجل مغامرة جديدة لأدهم صبري، أو حذلقة مضحكة للعجوز رفعت إسماعيل.

(4)

ثم أن الفيس بوك جاء ليفتن الناس عمّا كانوا فيه..
من قال أن الانترنت يتّسع مع الوقت؟ الواقع أنه يضيق بسرعة شديدة، وكل واحد يصبح بإمكانه أن يراقب الآخر بسهولة شديدة..
الفيس بوك يتحول إلى وحش هائل يلتهم كلّ شيء، ويجعل نفسه في المركز. السفينة الأم، كل شيء مهما كان، له اتصال بالمركز.. لو قرأت مقالاً في مجلّة درجة ثالثة على الانترنت، واعجبك، يمكنك بسهولة أن تقوم بترشيحه لأصدقاءك على الفيس بوك.. ترجوك المجلّة في الواقع أن تفعل.. أن تدخله إلى وحدة المعالجة المركزية عبر ثغرتك هذه.

(5)

كنت قد بدأت في اكتشاف المدوّنات السياسية، في نفس الوقت الذي استعان فيه صاحب السايبر بفتاة لمساعدته في العمل، بدا هذا غريباً من كافة الأوجه، كلامه عن المراهقين الفرحين بشواربهم الخضراء، والنار والبنزين، كان متعارضاً تماماً مع وجود الفتاة، التي عرفنا فيما بعد أنها في بداية عامها الأول في الكلية، مثلي تماماً. بدت لطيفة، بملامح شديدة الهدوء، وجيبة شديدة الضيق لا تتغيّر. مسئوليتها الأساسية كانت اطفاء الاجهزة غير الشاغرة من أجل التوفير في الكهرباء، التي كان صاحب المحل مهووساً بها، واضيفت مهام البوفية إلى عاتقها دون اعتراض كبير منها بعد بداية عملها بفترة بسيطة. ومنذ اللحظة الأولى اثبتت أنها ليست فريسة سهلة، تشاجرت في يومها الأول مع فتى كان يريد رقم هاتفها، وآخر رفض دفع ثمن الساعة مقدماً، وتحرّك للجلوس على جهاز لا يجلس عليه أحد، وهي_أمام عيني المذهولتين_ أمسكت بالكرسي ودلقت الفتى على الأرض.. تم استيعاب المشكلة سريعاً، والفتى التهم كرامته سريعاً مقابل عدد ساعات مجّاني ترضية من صاحب المكان، لكن الحدود بقيت واضحة منذ اللحظة الأولى.


التعديلات الدستورية قد تم تمريرها، ومبارك يستعدّ لفترة حكم جديدة، بدأت في القراءة بشكل أوسع، غير مهتم بالسياسة بشكل خاص، وغير مهتم بالمدوّنات السياسية تلك تقريباً، محاولاً البحث فقط عن حكايات وسطها. أثناء هذا تعرّفت على مدوّنة عمرو عزت، بدا عمرو منخرطاً بشدّة فيما يفعله، واثقاً تماماً مما يستطيع فعله، عرفت أنه ترك الهندسة، وبدأ في دراسة الفلسفة، يكتب عن كل شيء، السياسة وغيرها، وحتى السياسة التي كان يكتبها كانت شخصية تماماً، كان هذا خطاباً مختلفاً اتعامل معه للمرة الأولى، السياسة بإعتبارها مساحة للعب، ليست مكاناً للديباجات القومية المملة، ولا للشعارات السياسية البلهاء بشكل عام، فقط مساحة لفعل كل ما نستطيع فعله، محاولين رفع السقف بإستمرار، لا لشيء إلا لكي نتسلّى أكثر.. اختلاف هذا الخطاب يكمن بالتحديد في كونه لا يقول "من أجل غد أفضل" كما يقول المنخرطون في السياسة، السياسيون تماماً، لكنه يقول أن "علينا ان نوفّر مساحة أكبر للعب، وأن نقاتل من يمنعنا عن ذلك". وكان هذا مناسباً لي تماماً، حتى الآن، أنا غير مهتم بالسياسة أصلاً، فقط أريد مكاناً آمنا، ومناسباً للعب.
بهذا يصبح النزول في مظاهرة بها عشر أفراد أمراً لطيفاً، العشر أفراد لن يجيئوا بغد أفضل، لكنهم سيربكون المستنقع الراكد هذا، وينعمون بساعات من اللعب في الشارع.

(6)

على عكس مدوّنات ذائعة الصيت مثل مدونة (حواديت) لرحاب بسّام، كنت شديد التعلّق بمدونة دينا الهوّاري، ما كانت تكتبه رحاب كان على درجة كبيرة من اللماحة والذكاء بالفعل، لكن مدونة دينا الهواري كانت تملك شيئاً مختلفاً، درجة الشجن هذه التي يمكن التقاطها في تدويناتها، كلامها عن أصدقائها، ونصوصها التي لا يوجد فيها تغيّرات درامية كبيرة ملفتة للنظر، على العكس تماماً، كانت تكتب بلا بداية ولا نهاية تقريباً، وتكتب عن كل شيء بنفس الطريقة، وبشكل عادي، كل هذا كان يقول الكثير عن روح طيّبة يصدر عنها كل هذا. انسانة معيّنة لها عالم ربما لا يكون ملوّناً ولا مثيراً للإهتمام من النظرة الأولى، لكنه هاديء تماماً، ولطيف، كل هذه كانت أشياءاً تجعلني في انتظار ما تكتبه دائماً. 

عندما قرأت آخر نص وضعته في المدوّنه، تذكّرت مباشرة تدوينة أخرى كتبتها هي منذ فترة طويلة، عدت لأرشيف المدوّنة ووجدت أنا تتحدث عن نفس الشيء، بفارق أربع سنوات: "أنها تشعر أنها قد كبرت"! كانت تعتبر نفسها كبرت منذ أربع سنوات..
هي الآن أم، لها طفل عنده 3 سنوات، وهو مازال يكبر، لم اعرفها يوماً بشكل شخصي، لكني كنت سعيداً بشكل غير مفهوم لأنها بخير، ولأنها تتقدم في حياتها بهذا الشكل..

(7)

تحوّل السايبر إلى محل عطور، إسمه (حامل المسك) مقتبس من حديث نبوي شريف كتب نصّه بالكامل على لوحة كرتون أمام المحل. غلق المحل تدور حوله الكثير من الأساطير التي لا أعرف مدى صحتها تماماً، لكن هناك كلام عن أن الرجل ضبط الفتاة في المطبخ مع فتى في ثالثة ثانوي، أصيب بلوثة وهو يرى أشنع كوابيسه تتحقق أمام عينيه، وحطّم بنفسه كل الأجهزة التي كان يرى أنها السبب في فتح عيون المراهقين ذوي الشوارب الخضراء على المسخرة.
صاحب المحل(الذي طالت ذقنه بشكل ملحوظ) كلما رآني أعبر أمامه في الطريق، لابد أن يوقفني، يسلّم علي، ويخبرني أنني كنت ولداً محترماً، وعمري ما فتحت حاجات عيب، وها أنا ذا في كلّية محترمة.. رأيته في يوم 28 يناير بعد الصلاة ونحن نتحرّك في أول مظاهرة أخرج فيها في حياتي، وقال لي أنني يجب علي العودة لأن هناك بهدلة ستحدث الآن، وأنني في كلية محترمة، قلت له : "ميتين أم الكليّة المحترمة، ارحم أهلي"
آخر مرّة رأيته فيها، قلت له أنني لم أكن مؤدبّاً تماماً يعني، كنت افتح مدوّنة إسمها (يا أخي أحه)، ابتسم بوّد وقال لي: "بس إنت كنت محترم، غيرك كان بيفتح سكس، الكلام المكتوب مش زي الفيلم برضة، يمكن عشان كدا بقيت بتنزل مظاهرات"

(8)

العب لعبة غريبة هذه الأيام، أتحدّث عن أبو الليل الذي لا أعرفه، اسأل محدّثي: " سمعت عن أبو الليل؟" وغالباً ما يسألني إن كنت أقصد فيلم كتكوت.. لكنني أحدّثه عن المدوّنات، وعن الفرصة العظيمة التي اتيحت لنا لقراءة شيء شديد الجمال والخفّة بعيداً عن أعين النصوص المترهلة المتناثرة، التي كانت تحاصرنا في كل مكان. بداية من الصحف، نهاية بنشرات الأخبار..
عرفت بعدها أن أبو الليل أصيب بالعمى، وتوقف عن الكتابة. لا أعرف عنه حالياً أي شيء ، لعله بخير، عليه السلام..