Wednesday, September 19, 2012

نظريات المؤامرة الممتعة: كيف يمكن للمرء أن يصنع كيم كارداشيان في ثلاث خطوات؟



لماذا يعرف الجميع من هي كيم كارداشيان؟ 
ليس هذا حتى سؤال القيمة المعتاد الذي يطرحه منتقدو الأجيال الجديدة..
 في هذا النوع من الأسئلة تُطرح عادةً فكرة أن البشر مهتمون بما لا يجب عليهم الاهتمام به، وأنهم مخطئون في تحيزاتهم وتفضيلاتهم.. في الغالب يضيف السائل جملة مثل : "قارن بين شعبية لاعب الكرة/ أي فنان، وشعبية عالم من علماء الذرة مثلاً".. كل هذا ليس هو الموضوع الأساسي الذي يلفت النظر..ما اعتبره غريباً أن كيم كارداشيان مشهورة أصلاً، بصرف النظر عمّا تفعله بالظبط، حيث أنها في الحقيقة لا تقدم أي شيء للجمهور على الاطلاق !
ظلّت هذه الفتاة لغزاً بالنسبة لي(عرفت أنها تمثل لغزاً لكل من يعرف بوجودها حتى)، إنها لا تقوم بأي شيء له أي معنى أو قيمة، سواء اختلفت أو اتفقت مع هذه القيمة، هي ليست ممثلة أو مطربة أو رياضية، كل حصيلتها في الحياة فيلم جنسي تم تسريبه إلى الأنترنت، وأنها كانت صديقة العديد من نجوم المجتمع، و برنامج ينتمي إلى تلفزيون الواقع حقق شهرة لسبب آخر غير مفهوم، مع أنه يتحدث عن حياة شديدة الاعتيادية إلى درجة الملل.. فقط !
لكل هذا من الصعب فعلاً فهم المبرر الذي تحولت بسببه كيم كارداشيان لتصبح شهيرة لهذه الدرجة.. في الواقع أعتقد أن هذه الفتاة ليست هي طرفاً في المعادلة أصلاً، ولا تعود شهرتها إلى شيء معين فيها، أو شيء تقدمه للناس، المهم هنا أنها ببساطة تم وضعها كعنصر في آلة اعلامية ضخمة، قامت بتحقيق مكاسب خيالية عن طريق تحويلها من مجرد فتاة لا تختلف عن أي فتاة أخرى إلى (كيم كارداشيان) السوبر ستار !
لو لم تكن هي لكان غيرها ببساطة.

العالم في قبضة توفيق عكاشة 
 بلا وجه مقارنة حتى، يبدو لي أن توفيق عكاشة هو أنجح اعلامي في مصر خلال الفترة الماضية، مرة أخرى، هذا نجاح غير مرتبط بقيمة ما يقدمه "النجم" بأي شكل من الأشكال..
قبل ظهوره المدوي، كان توفيق عكاشة صاحب قناة لا يعرفها الكثيرون، مجرد قناة أخرى ضمن الباقة التي يتركها الناس في أسفل قائمة الريسيفر دون اهتمام، بعد أن يقوموا بترتيب قنواتهم المفضلة، لم تكن تقدم شيئاً مختلفاً عن قنوات أخرى أكبر، وتملك نجوماً على قدر من الأهمية مثل دريم والمحور مثلاً.. كل هذا تغيّر تماماً بعد الثورة بقليل، توفيق عكاشة الذي لا يشاهده أحد، تحول بقدرة قادر إلى "الاستاذ توفيق عكاشة الاعلامي القدير".
التحول المفاجيء لم يكن غريباً لو تابعنا نوعية الخطاب الذي استخدمه "الاعلامي القدير"، فعلى عكس القنوات سالفة الذكر التي تحوّلت من المعارضة المستأنسة لنظام مبارك، مروراً بمحاولات التهدئة أيام اشتعال الثورة، وانتهاء بالتأييد للطرف المنتصر، وبالتالي فقدان ثقة العديد من المشاهدين الذين رأوا التحول هذا غير مفهوم، كان توفيق عكاشة يقدّم خطاباً واضحاً لا لبس فيه، يحاول التشكيك بكل طريقة ممكنة في الثورة الوليدة، واعتبارها مؤامرة خارجية، أو جزء من خطّة ماسونية(الكلمة التي استخدمها كلبانة لفترة، ثم سرعان ما لفظها سريعا)، أو على الأقل التركيز على فكرة أن الناس خرجوا للمطالبة بمطالب مشروعة (حسب التعبير المباركي) لكن تم استغلال هذه الاحتجاجات لتهديد أمن مصر، تمهيداً لاحتلالها من كل خلق الله بدءاً بإسرائيل نهاية بالكائنات الفضائية في كوكب المريخ
كان عكاشة يظهر أحياناً بمشاركة فتى نحيل، يعمل كمطرب درجة خامسة اسمه أحمد سبايدر، كل حصيلته قبل أثناء الثورة كانت عدداً من الفيديوهات على اليو تيوب، تثير الشفقة أكثر من الضحك.
كيف تحول توفيق عكاشة إلى نجم جماهيري خلال هذه الفترة الوجيزة؟ ما هو المبرر؟ الاجابة من جديد  ليست في توفيق عكاشة نفسه، الاجابة كانت في حاجة الآله الاعلامية _التي كانت بالكامل في قبضة المجلس العسكري وقتها_ إلى وجه جديد نسبياً، يمتلك قدرات تجعله قادراً على التواصل مع الـمواطنين غير المسيسين (وعكاشة كان يملك قدرات ممتازة بالفعل، طريقة الكلام والتعبير، واستخدام لغة بسيطة تماماً، مع اندفاع في القول)، ويقبل التعاون معاهم بشكل كامل، من أجل عملية تشوية ممنهجة ودقيقة للغاية لثورة كانت وليدة وقتها ولا تملك القدرة على الرد الاعلامي المماثل.
يمكن القول أن كيم كارداشيان وتوفيق عكاشة، يشتركان_رغم اختلافهما_ في كونهما أدواتاً بالمعنى الحرفي للكلمة، ذراعاً لمؤسسات تقف خلفهم، تستخدم آله اعلامية قوية وذات تأثير نافذ بهدف خلق نجم من العدم.

شكراً بن لادن
المعلومات المتوافرة عن الفيلم المسيء متناقضة في مجملها، لكن المؤكد منها هو ما يهم معرفته بالضبط:
أولاً: الفيلم تم انتاجه منذ شهرين، تحديداً يوليو 2012، وتم عرضه في قاعة سينما بهوليود، لم يشاهد أحد الفيلم إلا كراسي القاعة ! السينما كانت خاوية تماماً من أي كائن حي. ثانياً: اختفى الفيلم من الوجود تماماً، ليظهر هذه الأيام بالتحديد.
يبدو هذا مماثلاً لسيناريو مماثل لانتخابات رئاسية سابقة للولايات المتحدة، عام 2004، و  جورج بوش يبدو أنه سيخسر أمام خصمه جون كيري، الذي يعد بالعديد من التغيرات في السياسة الأمريكية الخارجية، عندها يظهر بن لادن (أو يتم تسريب التسجيل أيهما أقرب) ليعترف بأنه المخطط لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وليتوعد الأمريكيين بالمزيد والمزيد، انتهى التسجيل، عاد جورج بوش ليصبح قائداً للأمة من جديد، جون كيري أصبح شخصاً يريد أن يقفز على مقعد السلطة في وقت حرج من تاريخ الوطن.

 هل نظريات المؤامرة للسذج فقط؟
هناك حكاية قديمة عن راعي الغنم الذي كان يصرخ كل فترة على سبيل التسلية : "الذئب، الذئب"، فيهب أهل قريته لانقاذ اغناهم، فلا يجدون شيئاً، ولكنه حين يشاهد ذئباً _حقيقياً_ أمامه هذه المرة ويصرخ: "الذئب الذئب" حقاً هذه المرة، يتكاسل أهل قريته عن نجدته لأنهم يتوقعون أنه كاذب.
أعتقد أن هذا ينطبق بشكل كبير على نظريات المؤامرة، تم انتهاكها بالغباء البشري المستمر حتى فقدت كل معنى لها، رغم أن طبيعة الأمور في هذه الحياة هي التآمر لا العكس. الفارق هو الشكل الكارتوني الذي يتوهمه البعض لمفهوم المتآمر.. حيث انه لا يجلس بالضرورة في كهفه يعدّ خططه ويفرك يديه تحت ذقنه. يمكنه أن يفعل ذلك ببذلة أنيقة، وفي غرف مكيّفة مغلقة في أي وكالة انباء تبث برامجها للعالم بأكمله.
لهذا ليس من الخطأ أن يتحلى المرء بقليل من الشجاعة، ليقول أن ما حدث خلال الفترة الماضية، غير مريح على الاطلاق، ولا يبدو منطقياً، وهناك أيضاً حقيقة أن الاشتباكات بدأت بالتحديد في الدول التي نشبت فيها ما يُطلق عليه ثورات الربيع العربي، ليبيا وتونس ومصر، مما يجعل الأمر بالنسبة لي غير قابل للبلع بسهولة. اللعب على عواطف الناس، واستثاره الحمية  ليس بالأمر الصعب في نهاية الأمر خصوصاً عند أمّه لم تقدم الكثير منذ فترة طويلة، وبالتالي يمكن اللعب على شعورها بالنقص بسهولة تامة.
لا يعني هذا على الاطلاق تبني نظرية توفيق عكاشة باعتبار كل ما يحدث تدبير ماسوني، لكنه يعني أن نمعن النظر فيما يحدث بالضبط لفهمه على الأقل، وبالتالي تحديد كيفية التعامل معه.
النقطة الأهم بالنسبة لي في كل الأحداث الماضية، معاينة حقيقة أن الأعلام تحول إلى آله منفصلة جبارة. تُـقدّر ميزانية السي إن إن مثلاً (التي لم يتم الكشف عنها بشكل واضح حتى الآن) بميزانية عدة دول، نحن نتحدث عن وحش عملاق في خدمة مموليه، الذين لا يصعب تحديدهم حين يفكر المرء في المستفيد من الأحداث السابقة.

"اميتوا الباطل بعدم ذكره"
تداول الكثيرون في الفترة الماضية، هذه العبارة منسوبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي تبدو لي في الواقع وسيلة شديدة النفع في مواجهة وحوش اعلامية عملاقة ، لا نملك مواجهتها في مواقف كهذه إلا بتجاهلها تماماً، ليس من قبيل السلبية في التعامل، ولا التلقّي دون رد، لكن الأمر يكمن في وجوب التمييز بين ما الذي يستوجب الرد عليه، والوقوف في وجهه، ومقاومته بكل وسيلة ممكنة، وبين ما يجب أن يتم تجاهله تماماً، وتركه يأكل بعضه بعضاً كالنار. أي : ترك الكلام قاصراً على المتكلم دون المتلقّي.. ليس هذا كلاماً وعظياً أو محاولة تحويل الأمر لخطبة جمعة، لكنه محاولة تطبيق ما يسمونه في المنطق بكسر الدائرة المفرغة.
** ** ** **
كان يمكن أن تكون كيم كاردشيان الآن نادلة في مقهى متوسط الفخامة في كاليفورنيا، تعمل اثني عشرة ساعة في اليوم، لولا أنها استطاعت اغواء مطرب آر آند بي ، وتسجيل فيلم جنسي معه، بعدها تسرّب الفيلم بعدها إلى الانترنت (هناك شواهد عديدة تقول أن التسريب كان متعمداً بالكامل)، حيث التقطتها وحوش صناعة الترفيه هناك، لتجعل منها أسطورة لا نفع لها على الاطلاق إلا جلب الأموال بشكل لا يتوقف.  يمكنك تطبيق نفس الفكرة(باختلاف النتيجة المطلوبة) على كل شيء، بدءاً من توفيق عكاشة، وأحمد سبايدر، نهاية بالفيلم المسيء.