Friday, April 9, 2010

بعض الأشجار لها رائحة


لم أستطع تذكر آخر مرة انفردت فيها بأبي .. في الواقع ، خطرت ببالي فكرة جفلت منها ، هي أنني لم أجلس أصلاً مع أبي وحدنا من قبل .
حدث الأمر بترتيب عشوائي بحت ، سافر أهل البيت لمحافظة أخرى ليعزوا أشخاصاً لم أسمع عنهم في حياتي ، في وفاة شخص لم أسمع عنه في حياتي . وبقي أبي هنا لأن هناك وردية في المساء ، على أن يخرج منها مباشرة على محطة القطارات ، وأنا رفعت يدي من المسألة منذ البداية ، وقلت لهم أنني لا أتخيل أن أمد يدي لأسلم على أشخاص لم أرهم في حياتي ، والألعن أن أقول لهم أنني حزين لما حدث لهم ، وأنهم يجب ألا يأخذوا الأمر على محمل شخصي ، فالبقاء لله كما تعرفون .
بقي أبي إذن ، أستيقظ عندما أذن الظهر .. سمعت صوته ، صوت تحركاته ، صوت السيفون تحديداً ، ثم صوت الدوش ، ثم صوته هو شخصياً ، ينادي علي ، ليطلب مني منشفة ، استغربت الأمر ، أنه عرف أنني في البيت ، صوت التلفاز لم يكن عالياً ، أنا كنت أقرأ أصلاً ، والجهاز كان أمامي كخلفية أنظر لها من حين لآخر ، مفكراً أنه في المستقبل القريب ، لن يقرأ أحد في الحدائق العامة ، وسيكتفون بعرض مناظر طبيعة على الحائط مثلاً ، بالظبط كما يفعلون في السجون لتهدئة السجناء .
ذهبت له بالمنشفة ، طرقت الباب ، مد يده المبللة فقط ، وألتقطها .. تركته وعدت إلى مكاني ، جلست وفكرت أنه من الغريب فعلاً أن ينسى أبي المنشفة ، مع عقل يهتم بالتفاصيل ربما لدرجة الهوس ، من المستحيل أن ينسى أمراً كهذا وهو يحضر لحمامه .
وجدته أمامي بعد خمس دقائق ، ينشف رأسه ، شعر رأسه ، ما تبقى من شعر رأسه ، نظرت له ، لم يكن يرتدي إلا المنشفة على وسطه فقط ، وأنا ضحكت وقلت له : يا منحرف يا جامد . وهو تساءل عن امكانيه الإنحراف بكرش كهذا ، وانا قلت أنه السر كله .. سمعت صوت ضحكه وهو يتحرك ليدخل غرفته ، هدأت حدتها قليلاً وهو يسألني : تاكل حاجة ؟ .. قلت له أنني أكلت فعلاً ، بدا وكأنه تفاجأ بهذا ، لأنني لم أسمع صوته ، شعرت أنني أريد أن أقول له أن يعمل حسابي طيب ، ولكنني قررت ألا أفعل .. خرج من غرفته وهو يرتدي ملابس البيت ، ويمسك بيده شريط دواء ، ابتسم لي وقال أن أخلي بالي من أخواتي لو أخذ هذا الدواء الآن .. سألته عن السبب وانا أبتسم ، أكتيفيد .. قال .. الحقيقة أنه ، وأنا كأمتداد طبيعي لسلالته ، نعاني من صعوبة بالغة في التعامل مع مضادات الهستامين .. نأخذ الحبة من هنا ، وتبدأ الأعراض اللعينة ، دوخة ، وصداع ، ورغبة شنيعة في النوم .. سالته إن كان مزكوماً ، نفى هذا ، وقال أنه يعاني من احتقان في لوزتيه ، قلت له أن يأخذ أي مضاد حيوي وخلاص ، لكنه هز رأسه مؤكداً أن الإفرازات المخاطية ستدمره بعد ساعات ، لهذا سيستبق الأمر ويأخذ حبة الآن .. هززت كتفي ، ولكنني نظرت له ، حين قال أنه أنني محظوظ لأنني لا أعاني نفس المشكلة كلما أخذت نفس الدواء ، حاولت أن أقول له أنني انام بالساعات ، ولكنني أكتفيت بالنظر ، ولم أعلق .
غاب لفترة في المطبخ ، عاد بطبق مملوء بالأرز والبامية ، في أحد أطرافه تستقر قطعة لحم، وضعه أمامي على الطاولة أمام التلفاز ، ثم غاب ثانية ، وخرج بطبق آخر ، أمسكه هو ، وجلس بجواري على الكنبة ، شعرت برغبة في شجار ظهيري لا بأس به ، قلت له ، أنني قلت له أنني أكلت .. وهو كان يمسك الطبق بيده اليسرى ويفتش في ثنيات الكنبة بالأخرى عن الريموت .. قال لي أنه يعرف ، ثم قال : كُل معايا يا عم .. فشل في العثور عليه ، وقال ، غريبة ، كنت لمحته .. سألني إن كان خلفي ، وانا قلت له أنني منذ أن أستيقظت أشاهد هذا الهراء لأنني لا أجد الريموت .. قال لي أنه خير ، قلت له أنهم في بعض السجون يبثون مشاهد لمناظر طبيعية طول اليوم على السجناء لأنهم وجدوا أنها تهدئهم ، وتقلل كثيراً من معدلات الشجارات بينهم ، بدا مهتماً ، أكملت أن المستقبل ربما ، سينهي عادة القراءة في الحدائق ، ويستبدلها بشاشة تعرض عليك صور أشجار لا تشم لها رائحة ، وأنت تقرأ ، ابتسم ، قال أنه في المستقبل لن يقرأ أحد .. ثم توقف عن الأكل وسألني بفم نصف مملوء ، عن رائحة الأشجار ، قلت له أن بعض الأشجار لها رائحة .. هز رأسه . ثم سألني عن عادة القراءة في الحدائق ، قلت له أنه يجب أن يجربها يوماً ما ، الصباح الباكر جداً ربما ، أو المغربية .
دون مقدمات ، دون كلمة تمهد ، وبعد أن توقف عن الأكل لدقائق ، سألني مباشرة : لست أباً سيئاً في المجمل ، صح ؟ .. مططت شفتيّ قليلاً ، وقلت أنه ليس أباً سيئاً .. هز رأسه ورفع الملعقة إلى فمه .
بابا ، نظر لي ، قلت : أنا بنام نوم أهل الكهف لما باخد الدوا دا .. تساءل : أكتيفيد ؟ .. قلت له : آة .. قال : يا راجل ؟ .. هززت رأسي ، وقلت : آة والله . نظر في طبقه وبدا على ملامحه الاستغراب وقال : مكنتش أعرف الحكاية دي .. هززت رأسي بمعنى أنه عادي يعني ..
أعتدل في جلسته ووضع الطبق على المائدة ، وبمجرد أن لامس ظهره ، مسند الكنبة الخلفي ، مددت يدي له بالريموت .. نظر ليدي ، وقال : يا راجل ؟ .. وانا أبتسمت بركن فمي ، وكتمت ضحكي ، وقلت : آة والله

6 comments:

حنين said...

جميلة أوي والله يا أحمد :):)
:)

Anonymous said...

عجباني جدا يابني والله ولو اني مش هعرف افصل فيها حاليا
ربنا يوفقك
ع*2

mero said...

قمة الواقعية يابني

ولكم باك ، فكرتني بالراوئع بتاعتك

طبعاً استنتجت من كلامي أنها تحفة ، جو يابني جوو

Epitaph1987 said...

يا ربي ع الجمال
انا ضحكت في الاخر..اللي هي ابتسامة حلوة..من الانبساط بيهم

جميلة اوي فعلا

كنت محتاجاها:)

mydmermaid said...

Very nice post ya Ahmed :) And an excellent choice of title.

My first time to your blog and am just glad I visited :)

Salwa said...

جميلة جدا جدا جدا :D