Thursday, October 8, 2009

عايشة


هم دائماً في جماعات .. بوجوه على شفا الإبتسام ، ودودة بلا شك ، بها نوع من الحذر لا شك ، أمر يسهل تبريره .. الشارع هنا غابة إلى أن يثبت العكس .
التحرك يتم دوماً بتوقيت يثير الإستغراب _ربما التهكم من وقت لآخر_ من قدرة الجميع على الإنتهاء من الطعام مثلاً .. أو قضاء مشترواتهم في وقت واحد .. في النهاية ، وفي كل الحالات سترى سرباً ، يحلق حاملين أكياساً مليئة بالخضار ، أو ممسكين بكتبهم الدراسية ، التي إن كانت بالعربية فهي تعني الأزهر بلا جدال .
"الأزهر بلا جدال" هكذا قررت وأنا أنظر إلى الكتاب الذي كان يضعه على الطاولة التي كانت محاطة من جهتين بكنبة تأخذ زاويتها ، أجلس على ضلعها الأول وحدي ، في حين يحتل هو الضلع الآخر ، وبيننا ، خلف الكنبة ، حوض سمك عملاق تسبح فيه ثمان سمكات ، كنت قد عددتها في أوقات انتظار مماثلة . بينهم سمكة سوداء كريهة المظهر ، أخبرني أحد العاملين في المكان أنها نموذج لصفيحة القمامة حيث تقتات على فضلات الأسماك الأخرى مباعدة بالتالي بين أوقات تنظيف الحوض .
هم دائماً في جماعات .. لهذا كما أعتقد بدا رفيق انتظاري هذا قلقاً بعض الشيء .. تأكد انطباعي الأول أنهم يفعلون كل شيء معاً .. ففي الوقت الذي احتل فيه أفراد مجموعته كل الأماكن المتاحة على الأجهزة ، بقي هو منتظراً أن يتهي شخص ما من الأقلية المصرية ما يفعله على الجهاز لكي يجلس مكانه ..
المسئول عن المكان ، نظر فجأة إلى الإجهزة صارخاً وهو يضحك : " الماليزيين احتلوا البلد " .. تصاعدت عدة ضحكات من الجالسين على الأجهزة ، وأنا ابتسمت بركن فمي . والفتى الجالس أمامي بدا أنه أنتبه لكلمة "ماليزيين " وحدها دونما فهم كامل لبقية الجملة ..
مستجد .. فكرت .. في الغالب ، وطالما نحن في بدء العام الدراسي .. فهو غالباً عامه الأول .
اشفقت على حاله ، دنيا مختلفة ، طباع و أشخاص لا يمكن وصفهم بالسهولة حتى على أبناء البلد، و امتياز أن يجلس على جهاز ليتصل بالعالم الخارجي يبدو بعيداً عنه بشده . الألعن كان أنني جئت قبله ، ولم أكن في حالة تسمح لي بمشاركة الخير والمحبة مع الآخرين .. حتى لو كانوا مغتربين ، وحتى لو أشفقت على حالهم .
لم أكن في مزاج رائق للقراءة ، لهذا بدا حوض الأسماك حلاً مثالياً .. السمك يسبح .. ويسبح .. ويسبح .. يتخبط قليلاً في جدران الحوض ، مقترباً ومبتعداً من بعضه البعض ، ليسبح ويسبح ويسبح .
شعور الثقل في أجفاني كان شديداً لدرجة أنني عانيت صعوبة حين عدت إلى العالم ملاحظاً أنه يبتسم لي ..
"جميل" ..
قال .. وأنا ابتسمت تلقائياً قائلاً أنه فعلاً : "جميل"
قال هو : " السمك جميل .. glorious "
أنت تقصد "جليل" يا صاحبي وليس "جميل" .. قلت : "جليل" .. وهو قال : "جليل" .. هززت رأسي .
كرر هو : "جليل .. عظيم "
قلت : " magnificent " .. هز رأسه . وابتسم .
عدت مرة أخرى بعد تردد لمتابعة حوض السمك الممل .. لم يكن الوضع قد تغير كثيراً .. كان السمك لا يزال يفعل اللا شيء المعتاد . عندما سمعت صوت هاتفه المحمول _المتقدم جداً_ شعرت أن هناك خدعة في مكان ما .. كانت أغنية (عايشة) للشاب خالد .. لا يمكن الخطأ في هذا لأنها كانت احدى اغنياتي الأهم ، ولأن مفردة (عايشة) واضحة تماماً ..
ابتسمت ، قلت في سري : يا بن اللذينة .. وصلت لها إزاي دي ؟ .. وقلت له : " عايشة .. شاب خالد "
وهو ضحك وكأنني ألقيت نكتة رهيبة ، وهو يمسك هاتفه .. وقال : "عايشة .. نعم " , أجاب على الهاتف ، متجاهلاً نظراتي الفضولية .. لم أفهم شيئاً بطبيعة الحال ، لكنه كان مبتسماً ابتسامة عريضة للغاية وهو يتكلم بسرعة ، ضاغطاً على حروف كلماته بشدة .. وهو ينظر في ساعته كلما أنهى جملة ، ومتفحصاً الأجهزة بنظره كل عدة ثوان .. لكن الإبتسامة لم تغادره ولو للحظة .. انهى مكالمته ، ونظر لي ، وبلا مقدمات قال : "عايشة" .. كنت قد بدأت أفهم .. ابتسمت وقلت في سري :" الله يسهلك يا سيدي " .. ابتسم مرة أخرى وبدا مستمتعاً جداً بالحياة ..استرخى في جلسته .. ماداً قدميه حتى وصلت لحافة الطاولة ، استند بأطراف أصابع قدميه عليها ، و استعادت جلسته هدوءها بعد قليل .. نظر للسمك وقال لي : " ليس طبيعياً " .. قالها بعربية شنيعة .. لم أفهم .. منذ لحظات قال أنه جليل ، وعظيم..
قلت : " جليل ؟ " .. هز رأسه ، فقلت بسرعة : " عظيم ؟" .. هز رأسه نافياً مرة أخرى ..
"مجنون وربنا " .. قلت لنفسي .. وابتسمت في وجهه .
لم أنتبه لمرور الوقت إلا لحظة القيام الجماعي للسرب .. فجأة أصبح مقهى الإنترنت الواسع ، شبة صحراء إلا من الأقلية المصريين الذين تناثروا في أجهزة متباعدة ..
قبل أن يتجهوا للدفع ، اتجهوا جميعاً ناحيته ، مشاهدة السرب شيء، والإقتراب منه إلى هذه الدرجة شيء آخر تماماً .. كنت وسطهم تماماً ، وهم يحادثونه من مختلف الزوايا ، متفرقين حولي ، ومحتمين بحاجز اللغة .. تشاغلت بالنظر لحوض الأسماك العتيد ، وأنا أختلس النظر له ، بتعتبيرات وجهه الغريبة ، التي بدا واضحاً أنها لا تتفق مع جدية محدثيه .. كانت السمكة السوداء قابعة في أرض الحوض ، ملتصقة بالصخور الصناعية تماماً ، تأملت السمك الآخر ، وتساءلت عن السبب الذي يمنعهم من تكوين سرب في الحوض .. بالتأكيد مع ذاكرة الأسماك التي تبلغ خمس ثوان لا غير ، لا يعرفون حقيقة أنهم في حوض أصلاً ، هل هي مسألة عدد مثلاً ؟ .. حولت رأسي عن الحوض إلى وجهه الذي كان لا يزال على حاله .. كرر كلمة "عايشة" أربع مرات وسط كلامه ، وهم بدأوا في التفرق .. اتجهوا جميعاً ناحية الرجل ، وأخرجوا نفس المبلغ بتكرار يثير الإعجاب .. نظرت لرفيقي الذي كان ينظر إلى أصابع قدميع . وقلت له بصوت غير مسموع : " وأنت مش هتنتشروا ؟ " .. ولكنه سمعني فيما يبدو .. أو لم يفعل .. هو فقط أكتفى بالنظر لي ، ومط شفتيه قائلاً : " عايشة " .. بادلته النظر لفترة ، ثم هززت رأسي قائلاً له : "مجنون وربنا " .. وابتسمت في وجهه .

3 comments:

Dalia said...

magnificent :D

حنين said...

هو أنا قلت لك قبل كده إن أسلوب كتابتك شبه أسلوب المخزنجي؟ :)
...
في القراءة التانية لاحظت حاجة: إن الولد المغترب استريح أكتر في جلسته لما البطل فهم منه كلمة، وحاول يتواصل معاه..
متهيألي هي مسألة تواصل في النهاية..
حتى في الآخر، لما كان أصحابه بيكلموه، وكانت تعبيرات وجهه تختلف عن جديتهم. يمكن كانوا بيكلموه عن بنت اسمها عايشة، أو عن الرنة نفسها - من وجهة نظر دينية يمكن - وهو يردد إنه متمسك بيها، ويقول الاسم كذا مرة. في الآخر سابوه ومشيوا..
..
حتى في محاورة السمك، يمكن محور القصة، كانت المشكلة في التواصل..
...
كل هذه افتراضات يعني!
..
وكالعادة: سلمت يداك :)

ولاء ابو نجا said...

مرحبا
كل ما اقرا شيء وينتهي احس بعلاقة ما اننتهت
احساس بالحزن انه علاقتي بالنص انتهت لحد هون