Wednesday, June 4, 2008

لـيـلى


تصعدين _ كالمعتاد _ بعد الفتى ذي العينين الدامعتين بثلاث محطات . تجلسين في مكانك المعتاد , الكرسي وراء النافذة , وتحولين رأسك نحوه , ثم تلقين بتحية الصباح في خفوت , ويرد عليك هو بهدوء مماثل .
يفتح فمه بعدها _ بلا صوت _ مقرراً قول أي شيء , ثم يغلقه , كما يفعل يومياً , وهو يسب نفسه , بهدوء شديد .
تلبسين _ كالمعتاد _ ذات الملابس , تلك التي تشي , ولا تترك مساحة للاحتمالات :
( قميص أبيض اللون , مغسول جيداً كما هي العادة . جيبة كحلية , تدخلين فيها أطرف القميص , الذي تحتل ياقتاه كرافات من نفس لون الجيبة تلك )

يفصل بينكما من العمر , سنتان . ونصف متر هو كل ما يجعلك هناك , ويجعله هنا .

تركبان معاً على الدوام .

كلاكما تنتميان لمكان ناء ٍ نوعاً ما .. يعتبره أغلب السائقين منطقة ميتة ولا جدوى من محاولة بعثها , والبحث عن زبائن فيها .
حتى السائق البائس , الذي يقود بعينين مغمضتين , يتحرك من محطة بدايته _ تلك التي تقع قبل محطة ذي العينين الدامعتين بمحطة _ فقط لأنه لا يجد مكاناً يترك فيه "حبيبة قلبه" , ولأنه لن يأتمن أحداً عليها , حتى لو وجد ذاك المكان الآمن .. هذا من حسن الحظ على أي حال

بعد صعودك ِ بمحطة تصعد الفتاتان الضاحكتان . تجلسان في الكنبة الخلفية ,و تبدأن في "الكركعة" . لا أعرف ما الذي يمكن أن يجعل المرء يضحك بهذه الهستريا , لكنهما سعيدتان على الأقل , وهذا يكفي لينقل بضع ضحكات للسائق , الذي يكون قد أستيقظ , وله . أما أنت ِ , فلا تتحرك ملامح وجهك مهما حدث .

بعد صعودك ِ بمحطتين , يصعد الفتى السخيف .. يجلس وراءك ِ مباشرة , في الكرسي المنفرد , وأحياناً _ القذر _ يدفن ركبته في ظهر كرسيك ِ .. ينظر هو للفتى نظرة احتقار لا لبس فيها حين يلاحظ ما يحدث , لكن السخيف لا يفعل شيئاً , لا يغير من مكانه حتى بأي شكل , ربما لأنه يعرف يقيناً أن ذي العينين الدامعتين أجبن من أن يفعل أي فعل . فيبادله النظر ببرود .

أنت ِ لا تتخذين أي رد على أي شيء . انفعالاتك بسيطة لدرجة الندرة , ونادرة لدرجة العدم .. أحياناً يتمنى ذو العينين لو تتغير ملامح وجهك فقط .. أن تظهري امتعاضا فقط .. عندها ربما يصبح بإمكانه قول أي شيء .. فعل أي شيء .. لكنك لا تفعلين .

مرات نادرة تلك التي تحدثت معه فيها :
المرة التي كان يمسك فيها كماً رهيباً من الكتب , قبل الامتحان بساعات , محاولاً أن يضع أي شيء قي أي مكان في رأسه , وحين أوشكت على النزول , بعد أن قمت ِ من مكانك ِ , نظرت نحوه ثم قلت ِ :
_ " ربنا معاك "
ونزلت ِ تاركة فمه مفتوحاً من الذهول .

والمرة التي تحدث هو فيها , حين رأي حيرتك بين موضوعين في الفيزياء , قبل امتحانك ِ أيضاً .. ويبدو جلياً أنك لا تعرفين كليهما , لأنك كنت لا تثبتين على شيء معين , بحالة تشابه الذعر كثيراً .. وقال لك هو بعد أن أختلس النظر :
_ " الأول أهم بكثير " . ابتسمت ِ وشكرته , ولكن دونما تردد , بدأت استذكار الثاني ..

تهبطين _ كالمعتاد _ قبل ذي العينين بمحطة , تقومين من مكانك ِ بهدوء شديد , تنظرين بطرف عين ليسارك , وتقولين :
_ " السلام عليكم " , لشخص غير محدد , لكن ذي العينين هو _ كالمعتاد _ الوحيد الذي يرد سلامك ِ في خفوت مماثل .

ينظر هو دوماً ليمينه ناحية باب العربة نصف المفتوح , وهو يتأمل من خلاله , باب المدرسة المفتوح كذلك , يقرأ اللافتة التي تقول أن المدرسة نظيفة , جميلة , متطورة , منتجة , ثم ينظر ليمينه , فيجد اللافتة التي تقول أن هذه هي مقابر ( آل غنّام ), قد يبتسم هنا , وهو يحاول البحث عن السبب الذي يدعو لبناء مدرسة_ نظيفة , جميلة , متطورة , منتجة _ أمام المقابر

آخر مرة تغير الأمر بعض الشيء . قبل أن تهبطي بفترة , غيرت ِ من وضعك فجأة . نظرت نحو الفتى السخيف الذي يجلس خلفك , قلت مباشرة , وبلا مقدمات :
_ " أقعد عدل "
ذعر الفتى , وجلس مباشرة وهو يبتعد بركبتيه عن ظهر الكرسي .. وحاول أن يبدو ثابتاً , بوجه بدا شديد الشحوب . الحق أنك كنت مخيفة جداًَ .

أما صاحب العينين الدامعتين , فقد كاد يتدخل فوراً , موقناً أن أمنيته التي كان يظنها حمقاء مستحيلة الحدوث , قد تحققت أخيراً , وأنك ِ _ أخيراً _ تحركت ِ , لكنه عاود الجلوس في هدوء , وهو ينظر ليدك اليمنى , التي بدت جميلة حقاً تحت تأثير الذهب في بنصرك ِ

حين استعددت للهبوط , وقلت :
_ " السلام عليكم " . لم ينبس ذو العينين الدامعتين بكلمة , وإن كان قد سمعك بالتأكيد . وحين قال فجأة :
_ " وعليكم السلام " , وكأنه يستيقظ من النوم .. كنت ِ أنت ِ قد نزلت فعلاً , ولم يلمح إلا ياقة القميص الأبيض الذي تلتف حوله كرافات من نفس لون الجيبة

نظر ناحية اليسار , دون أن يسأل سؤاله المعتاد عن المقابر , وقرأ الفاتحة .




5 comments:

ملكة said...

رائعة

حنين said...

الفاااتحة على أرواح الميتين، وعلى الموتى الأحياء
الفاااتحة
..
أول مرة يقرا الفاتحة، إهداء مسبق لروحه، ومن نفسه !
...
بديعة يا زعيم، بجد يعني بديعة
...
بس لي سؤال: عندما ذكرت أنها كانت تذاكر الفيزياء، ثم نصحها بالتركيز على الأول، لم ذكرت أنها (راحت على التاني على طول)؟
يعني، ما المقصد من هذا ؟
أنا شايف - والعهدة على الراوي - إن ده فيه تشتيت للتركيز عن القصة الأصلية، ويخلي الواحد يقول هو ليه عملت كده؟
يعني عدم ذكرها - من وجهة نظري- أفضل
بس كده !
...
ليلى
والكل مجانين !!

مصطفي يحيي said...

الله ينور يا احمد ..
رغم انها تعبتنى نفسيًا .. بس يسلم قلمك :)

أحمد جمال said...

: ملكة

الله يخليكي .. دا من ذوقك



** ** ** **

: حنين

بخصوص إنها بديعة , فالله يكرمك
بس عن موضوع مذاكرتها دي .. معرفش يا .. جت كدا ..
أما عن أن الكل مجانين .. فالحمد لله أنهم كذلك .. تسلمي


** ** ** **

: مصطفى

تسلم يا باشا .. ابقا عدي يابني

mero said...

لولا فهمي الخاطيء لكان هذا التعليق مجموعة رائعة من الزعيق :P

جميلة جداً ... رااائعة !

رقيقة جداً .